تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وأيوب إذ نادى ربه} يعني: دعا ربه، عز وجل، {أني مسني الضر} يعني: أصابني البلاء {وأنت أرحم الراحمين}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر أيوب يا محمد، إذ نادى ربه وقد مسه الضرّ والبلاء "رَبّ إنّي مَسّنِيَ الضّرّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِين فَاسْتَجَبْنا لَهُ".
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قوله تعالى: {وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر} كقوله في آية أخرى: {واذكر عبدنا أيوب إذا نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} [ص: 41]؛ ذكر في سليمان أنه سلطه على الشيطان، وجعلهم مسخرين له، يستعملهم في كل أمر وعمل شاء. وذكر في أيوب على إثر قصة سليمان أنه سلط الشياطين عليه، وصار هو كالمسخر لهم حين قال: {إني مسني الشيطان بنصب وعذاب} حتى يعلم أن تسخير الشياطين لسليمان كان له إفضال وإنعام، لم يكن سبق منه ما يستوجب به ذلك ويستحقه، ولا كان من أيوب إليه من العصيان ما يستحق ذلك، وما أصابه من البلاء منه عدل، وكان ما يعطي من السلامة والصحة رحمة ونعمة، وله أن يعطي من شاء ما شاء، ويحرم من شاء ما شاء.
ألا ترى أنه قال في آخره لما رد عليه ما أخذ منه، وكشف عنه البلاء {رحمة}، ولو كان ذلك حقا على الله لم يكن لذكر الرحمة معنى...
ثم قوله تعالى: {وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر} يشبه أن يكون فيه إضمار دعاء؛ كأنه قال: {إني مسني الضر} فارحمني، وعافني {وأنت أرحم الراحمين} ألا ترى أنه قال: {فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر} دل أنه على الدعاء خرج.
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
... سئل أبو القاسم جنيد عن هذه الآية فقال: عرَّفه فاقة السؤال ليمنّ عليه بكرم النوال.
وسمعت استاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول: حضرت مجلساً غاصّاً بالفقهاء والأُدباء في دار سلطان فسئلت عن هذه الآية بعد إجماعهم على أنّ قول أيوب {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} شكاية، وقد قال الله سبحانه {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} [ص: 44] فقلت: ليس هذا شكاية وإنما هو دعاء، بيانه قوله سبحانه {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} والإجابة تعقب الدعاء لا الاشتكاء، فاستحسنوه وارتضوه.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أي واذكر أيوبَ حين نادى ربَّه. وسمِّي أيوب لكثرة إيابه إلى الله في جميع أحواله في السرَّاء والضرَّاء، والشِّدَّة والرَّخاءِ. ولم يَقُلْ: ارحمني، بل حَفِظَ أدب الخطايا فقال: {وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}. ومن علامات الولاية أن يكونَ العبدُ محفوظاً عليه وقتُه في أوانِ البلاء. ويقال إخبارُه عنه أنه قال: {مسني الضر} لم يَسْلُبْه اسمَ الصبرِ حيث أخبر عنه سبحانه بقوله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} [ص:44] لأنَّ الغالبَ كان من أحواله الصبر، فنادِرُ قالتِه لم يَسْلبْ عنه الغالِبَ من حالته. والإشارة من هذا إلى أنَّ الغالبَ من حال المؤمن المعرفةُ، أو الإيمانُ بالله فهو الذي يستغرقُ جميعَ أوقاته، ولا يخلو منه لحظةً؛ ونادِرُ زلاَّتِهِ- مع دائمِ إيمانِه -لا يُزَاحِمُ الوصفَ الغالب. ويقال؛ لمَّا لم يكن قوله: {مَسَّنِىَ الضُّرُّ} على وجه الاعتراض على التقدير- بل كان على وجه إظهار العجز- فلم يكن ذلك مُنافياً لصفة الصبر. ويقال: استخرج منه هذا القولَ ليكونَ فيه مُتنفسٌ للضعفاء في هذه الأمة حتى إذا ضَجَّوا في حالِ البلاء لم يكن ذلك منافياً لصفة الصبر...
{أني مسني الضر} فقال تعالى: {فكشفنا ما به من ضر} [الأنبياء:84] والفاء تقتضي التعقيب، فكأنه قال: فعافيناه في الوقت. وكأنه قال: يا أيوب، لو طلبتَ العافيةَ قبل هذا لاستَجْبْنَا لك.
تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :
فإن قال قائل: أليس أن الله تعالى سماه صابرا، وقد ترك الصبر حين دعا؟ قلنا: لا، لم يترك الصبر، فإن ترك الصبر بإظهار الشكوى إلى الخلق، فأما بإظهارها إلى الله تعالى فلا يكون تركا للصبر. وعن سفيان بن عيينة أنه قال: إذا أظهر الشكوى إلى الخلق، وهو راض بقضاء الله، فإنه لا يكون تاركا للصبر أيضا.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
والضر -بالفتح -: الضرر في كل شيء، وبالضم: الضرر في النفس من مرض وهزال، فرق بين البناءين لافتراق المعنيين. ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب.
اعلم أن في أمر أيوب عليه السلام وما ذكره الله تعالى من شأنه ههنا وفي غيره من القرآن من العبر والدلائل ما ليس في غيره، لأنه تعالى مع عظيم فضله أنزل به من المرض العظيم ما أنزله مما كان عبرة له ولغيره ولسائر من سمع بذلك وتعريفا لهم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الواجب على المرء أن يصبر على ما يناله من البلاء فيها، ويجتهد في القيام بحق الله تعالى ويصبر على حالتي الضراء والسراء...
أما قوله: {وأنت أرحم الرحمين} فالدليل على أنه سبحانه: {أرحم الرحمين} أمور: أحدها: أن كل من رحم غيره فإما أن يرحمه طلبا للثناء في الدنيا أو الثواب في الآخرة أو دفعا للرقة الجنسية عن الطبع، وحينئذ يكون مطلوب ذلك الراحم منفعة نفسه، أما الحق سبحانه فإنه يرحم عباده من غير وجه من هذه الوجوه، ومن غير أن يعود إليه من تلك الرحمة زيادة ولا نقصان من الثناء ومن صفات الكمال، فكان سبحانه أرحم الراحمين. وثانيها: أن كل من يرحم غيره فلا يكون ذلك إلا بمعونة رحمة الله تعالى لأن من أعطى غيره طعاما أو ثوبا أو دفع عنه بلاء، فلولا أنه سبحانه خلق المطعوم والملبوس والأدوية والأغذية وإلا لما قدر أحد على إعطاء ذلك الشيء، ثم بعد وصول تلك العطية إليه، فلولا أنه سبحانه جعله سببا للراحة لما حصل النفع بذلك، فإذا رحمة العباد مسبوقة برحمة الله تعالى وملحوقة برحمته بل رحمتهم فيما بين الطرفين كالقطرة في البحر، فوجب أن يكون تعالى هو أرحم الراحمين. وثالثها: أن الله تعالى لو لم يخلق في قلب العبد تلك الدواعي والإرادات لاستحال صدور ذلك الفعل عنه، فكان الراحم هو الحق سبحانه، من حيث إنه هو الذي أنشأ تلك الداعية، فثبت أنه أرحم الراحمين.
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
والألف واللام في {الضر} للجنس تعم {الضر} في البدن والأهل والمال.
التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :
جمع في هذا الدعاء بين حقيقة التوحيد، وإظهار الفقر والفاقة إلى ربه، ووجود طعم المحبة في التملق له، والإقرار له بصفة الرحمة، وأنه أرحم الراحمين. والتوسل إليه بصفاته سبحانه، وشدة حاجته هو وفقره. ومتى وجد المبتلى هذا كشف عنه بلواه.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل" وفي الحديث الآخر: "يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه". وقد كان نبي الله أيوب، عليه السلام، غاية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
والآن نجيء إلى الابتلاء بالضراء في قصة أيوب عليه السلام: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر، وأنت أرحم الراحمين. فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر، وآتيناه أهله ومثلهم معهم، رحمة من عندنا وذكرى للعابدين).. وقصة ابتلاء أيوب من أروع قصص الابتلاء. والنصوص القرآنية تشير إلى مجملها دون تفصيل. وهي في هذا الموضع تعرض دعاء أيوب واستجابة الله للدعاء. لأن السياق سياق رحمة الله بأنبيائه، ورعايته لهم في الابتلاء. سواء كان الابتلاء بتكذيب قومهم لهم وإيذائهم، كما في قصص إبراهيم ولوط ونوح. أو بالنعمة في قصة داود وسليمان. أو بالضر كما في حال أيوب.. وأيوب هنا في دعائه لا يزيد على وصف حاله: (أني مسني الضر).. ووصف ربه بصفته: (وأنت أرحم الراحمين). ثم لا يدعو بتغيير حاله، صبرا على بلائه، ولا يقترح شيئا على ربه، تأدبا معه وتوقيرا. فهو نموذج للعبد الصابر لا يضيق صدره بالبلاء، ولا يتململ من الضر الذي تضرب به الأمثال في جميع الأعصار. بل إنه ليتحرج أن يطلب إلى ربه رفع البلاء عنه، فيدع الأمر كله إليه، اطمئنانا إلى علمه بالحال وغناه عن السؤال.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والمسّ: الإصابة الخفيفة. والتعبير به حكاية لما سلكه أيوب في دعائه من الأدب مع الله إذ جعل ما حلّ به من الضر كالمس الخفيف.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
تتحدّث الآيتان عن نبي آخر من أنبياء الله العظماء وقصّته المُلهمة، وهو «أيّوب» وهو عاشر نبي أشير إلى جانب من حياته في سورة الأنبياء.
إنّ لأيّوب قصّة حزينة، وهي في نفس الوقت عظيمة سامية، فقد كان صبره وتحمّله عجيبين، خاصّةً أمام الحوادث المرّة، بحيث أنّ صبر أيّوب أصبح مضرباً للمثل منذ القدم.
غير أنّ هاتين الآيتين تشيران بصورة خاصّة إلى مرحلة نجاته وانتصاره على المصاعب، واستعادة ما فقده من المواهب، ليكون درساً لكلّ المؤمنين على مرّ الدهور ليغوصوا في المشاكل ويخترقوها، ولا سيّما لمؤمني مكّة الذين كانوا يُعانون ضغوطاً من أعدائهم عند نزول هذه الآيات، فتقول: (وأيّوب إذ نادى ربّه أنّي مسّني الضرّ وأنت أرحم الراحمين).
وكلمة «الضرّ». تطلق على كلّ سوء وأذى يصيب روح الإنسان أو جسمه، وكذلك لنقص عضو، وذهاب مال، وموت الأعزّة وانهيار الشخصيّة وأمثال ذلك، وكما سنقول فيما بعد، فإنّ أيّوب قد ابتلي بكثير من هذه المصائب.
إنّ أيّوب كسائر الأنبياء يُظهر أقصى حالات الأدب والخضوع أمام الله عند الدعاء لرفع هذه المشاكل المضنية المجهدة، ولا يعبّر بتعبير تُشمّ منه رائحة الشكوى، بل يقول فقط: إنّي ابتليت بهذه المصائب وأنت أرحم الراحمين، فهو حتّى لا يقول: حلّ مشكلتي، لأنّه يعلم أنّه جليل عظيم، وهو يعرف حقّ العظمة.
قوله تعالى : " وأيوب إذ نادى ربه " أي واذكر أيوب إذ نادى ربه . " أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " أي نالني في بدني ضر وفي مالي وأهلي . قال ابن عباس : سمي أيوب لأنه آب إلى الله تعالى في كل حال . وروي أن أيوب عليه السلام كان رجلا من الروم ذا مال عظيم ، وكان برا تقيا رحيما بالمساكين ، يكفل الأيتام والأرامل ، ويكرم الضيف ، ويبلغ ابن السبيل ، شاكرا لأنعم الله تعالى ، وأنه دخل مع قومه على جبار عظيم فخاطبوه في أمر ، فجعل أيوب يلين له في القول من أجل زرع كان له فامتحنه الله بذهاب مال وأهله ، وبالضر في جسمه حتى تناثر لحمه وتدود جسمه ، حتى أخرجه أهل قريته إلى خارج القرية ، وكانت امرأته تخدمه . قال الحسن : مكث بذلك تسع سنين وستة أشهر . فلما أراد الله أن يفرج عنه قال الله تعالى له : " اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب " [ ص : 42 ] فيه شفاؤك ، وقد وهبت لك أهلك ومالك وولدك ومثلهم معهم . وسيأتي في " ص " {[11322]} ما للمفسرين في قصة أيوب من تسليط الشيطان عليه ، والرد عليهم إن شاء الله تعالى . واختلف في قول أيوب : " مسني الضر " على خمسة عشر قولا :
الأول : أنه وثب ليصلي فلم يقدر على النهوض فقال : " مسني الضر " إخبارا عن حاله ، لا شكوى لبلائه ، رواه أنس مرفوعا . الثاني : أنه إقرار بالعجز فلم يكن منافيا للصبر . الثالث : أنه سبحانه أجراه على لسانه ليكون حجة لأهل البلاء بعده في الإفصاح بما ينزل بهم . الرابع : أنه أجراه على لسانه إلزاما له في صفة الآدمي في الضعف عن تحمل البلاء . الخامس : أنه انقطع الوحي عنه أربعين يوما فخاف هجران ربه فقال : " مسني الضر " . وهذا قول جعفر بن محمد . السادس : أن تلامذته الذين كانوا يكتبون عنه لما أفضت حال إلى ما انتهت إليه محوا ما كتبوا عنه ، وقالوا : ما لهذا عند الله قدر ، فاشتكى الضر في ذهاب الوحي والدين من أيدي الناس . وهذا مما لم يصح سنده . والله أعلم ، قاله ابن العربي . السابع : أن دودة سقطت{[11323]} من لحمه فأخذها وردها في موضعها فعقرته فصاح " مسني الضر " فقيل : أعلينا تتصبر . قال ابن العربي : وهذا بعيد جدا مع أنه يفتقر إلى نقل صحيح ، ولا سبيل إلى وجوده . الثامن : أن الدود كان يتناول بدنه فصبر حتى تناولت دودة قلبه وأخرى لسانه ، فقال : " مسني الضر " لاشتغاله عن ذكر الله ، قال ابن العربي : وما أحسن هذا لو كان له سند ولم تكن دعوى عريضة . التاسع : أنه أبهم عليه جهة أخذ البلاء له هل هو تأديب ، أو تعذيب ، أو تخصيص ، أو تمحيص ، أو ذخر أو طهر ، فقال : " مسني الضر " أي ضر الإشكال في جهة أخذ البلاء . قال ابن العربي : وهذا غلو لا يحتاج إليه . العاشر : أنه قيل له : سل الله العافية فقال : أقمت في النعيم سبعين سنة ، وأقيم في البلاء سبع سنين ، وحينئذ أسأله فقال : " مسني الضر " . قال ابن العربي : وهذا ممكن ، ولكنه لم يصح في إقامته مدة خبر ولا في هذه القصة . الحادي عشر : أن ضره قول إبليس لزوجه اسجدي لي فخاف ذهاب الإيمان عنها فتهلك ويبقي بغير كافل . الثاني عشر : لما ظهر به البلاء قال قومه : قد أضر بنا كونه معنا وقذره فليخرج عنا ، فأخرجته امرأته إلى ظاهر البلد ، فكانوا إذا خرجوا رأوه وتطيروا به وتشاءموا برؤيته ، فقالوا : ليبعد بحيث لا نراه . فخرج إلى بعد من القرية ، فكانت امرأته تقوم عليه وتحمل قوته إليه . فقالوا : إنها تتناوله وتخالطنا فيعود بسببه ضره إلينا . فأرادوا قطعها عنه ، فقال : " مسني الضر " . الثالث عشر : قال عبد الله بن عبيد بن عمير : كان لأيوب أخوان فأتياه فقاما . بعيد لا يقدران أن يدنوا منه من نتن ريحه ، فقال أحدهما : لو علم الله في أيوب خيرا ما ابتلاه به البلاء ، فلم يسمع شيئا أشد عليه من هذه الكلمة ، فعند ذلك قال : " مسني الضر " ثم قال : " اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت شبعان قط وأنا أعلم مكان جائع فصدقني " فنادى مناد من السماء " أن صدق عبدي " وهما يسمعان فخرا ساجدين . الرابع عشر : أن معنى " مسني الضر " من شماتة الأعداء ؛ ولهذا قيل له : ما كان أشد عليك في بلائك ؟ قال شماتة الأعداء . قال ابن العربي : وهذا ممكن فإن الكليم قد سأله أخوه العافية من ذلك فقال : " إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء " {[11324]} [ الأعراف : 150 ] . الخامس عشر : أن امرأته كانت ذات ذوائب فعرفت حين منعت أن تتصرف لأحد بسببه ما تعود به عليه ، فقطعت ذوائبها واشترت بها يصلها قوتا وجاءت به إليه ، وكان يستعين بذوائبها في تصرفه وتنقله ، فلما عدمها وأراد الحركة في تنقله لم يقدر قال : " مسني الضر " . وقيل : إنها لما اشترت القوت بذوائبها جاءه إبليس{[11325]} في صفة رجل وقال له : إن أهلك بغت فأخذت وحلق شعرها . فحلف أيوب أن يجلدها ، فكانت المحنة على قلب المرأة أشد من المحنة على قلب أيوب .
قلت : وقول سادس عشر : ذكر ابن المبارك : أخبرنا يونس بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوما النبي صلى الله عليه وسلم وما أصابه من البلاء ، الحديث . وفيه أن بعض إخوانه ممن صابره ولازمه قال : يا نبي الله لقد أعجبني أمرك وذكرته إلى أخيك وصاحبك ، أنه قد ابتلاك بذهاب الأهل والمال وفي جسدك منذ ثمان عشرة سنة حتى بلغت ما ترى ألا يرحمك فيكشف عنك ! لقد أذنبت ذنبا ما أظن أحدا بلغه ! فقال أيوب عليه السلام : " ما أدري ما يقولان غير أن ربي عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتزاعمان وكل يحلف بالله - أو على النفر يتزاعمون - فأنقلب إلى أهلي فأكفر عن أيمانهم إرادة ألا يأثم أحد ذكره ولا يذكره أحد إلا بالحق " فنادى ربه " أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " إنما كان دعاؤه عرضا عرضه على الله تبارك وتعالى يخبره بالذي بلغه ، صابرا لما يكون من الله تبارك وتعالى فيه . وذكر الحديث . وقول سابع عشر : سمعته ولم أقف عليه أن دودة سقطت من جسده فطلبها ليردها إلى موضعها فلم يجدها فقال : " مسني الضر " لما فقد من أجر ألم تلك الدودة ، وكان أراد أن يبقي له الأجر موفرا إلى وقت العافية ، وهذا حسن إلا أنه يحتاج إلى سند . قال العلماء : ولم يكن قوله " مسني الضر " جزعا ؛ لأن الله تعالى قال : " إنا وجدناه صابرا " {[11326]} [ ص : 44 ] بل كان ذلك دعاء منه ، والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلى الله تعالى ، والدعاء لا ينافي الرضا . قال الثعلبي : سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول : حضرت مجلسا غاصا بالفقهاء والأدباء في دار السلطان ، فسألت عن هذه الآية بعد إجماعهم على أن قول أيوب كان شكاية قد قال الله تعالى : " إنا وجدناه صابرا " [ ص : 44 ] فقلت : ليس هذا شكاية وإنما كان دعاء ، بيانه " فاستجبنا له " والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء . فاستحسنوه وارتضوه . وسئل الجنيد عن هذه الآية فقال : عرفه فاقة السؤال ليمُنَّ عليه بكرم النَّوال .