تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{فاستجبنا له} دعاءه {فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله} فأحياهم الله، عز وجل، {ومثلهم معهم}... {رحمة} يقول: نعمة {من عندنا وذكرى للعابدين} يقول: وتفكرا للموحدين فأعطاه الله، عز وجل، مثل كل شيء ذهب له، يعني: أيوب، وكان أيوب من أعبد الناس فجهد إبليس ليزيله عن عبادة ربه، عز وجل، فلم يستطع.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: فاستجبنا لأيوب دعاءه إذ نادانا، فكشفنا ما كان به من ضرّ وبلاء وجهد. وكان الضرّ الذي أصابه والبلاء الذي نزل به، امتحانا من الله له واختبارا...
واختلف أهل التأويل في الأهل الذي ذكر الله في قوله:"وآتَيْناهُ أهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ" أهم أهله الذين أوتيهم في الدنيا، أم ذلك وعد وعده الله أيوب أن يفعل به في الآخرة؟
فقال بعضهم: إنما آتى الله أيوب في الدنيا مثل أهله الذين هلكوا، فإنهم لم يُرَدّوا عليه في الدنيا، وإنما وعد الله أيوب أن يؤتيه إياهم في الآخرة...
وقال آخرون: بل ردّهم إليه بأعيانهم وأعطاه مثلهم معهم...
وقال آخرون: بل آتاه المثل من نسل ماله الذي ردّه عليه وأهله، فأما الأهل والمال فإنه ردّهما عليه...
وقوله: "رَحْمَةً "بمعنى: فعلنا بهم ذلك رحمة منا له.
"وَذِكْرَى للْعابِدِينَ": وتذكره للعابدين ربهم فعلنا ذلك به ليعتبروا به؛ ويعلموا أن الله قد يبتلي أولياءه ومن أحبّ من عباده في الدنيا بضروب من البلاء في نفسه وأهله وماله، من غير هوان به عليه، ولكن اختبارا منه له ليبلغ بصبره عليه واحتسابه إياه وحسن يقينه منزلته التي أعدها له تبارك وتعالى من الكرامة عنده.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر} هو ظاهر أنه كشف عنه ما أصابه من البلاء في بدنه وأهله حتى عاد إلى الحال التي كان قبل ذلك. وقال بعضهم: أوتي أهله في الدنيا ومثل أجورهم في الآخرة... وقال بعضهم: {وآتيناه أهله} أي ما يتأهل به من الأهل والأنصار على ما كان له من قبل، والله أعلم.
{رحمة من عندنا وذكرى للعابدين} يحتمل وجهين: أحدهما: أن من ابتلي ببلاء، فصبر عليه كما صبر أيوب على بلائه، فرَّج الله عنه ذلك البلاء...كما فرجه عن أيوب. والثاني: يُعلِمُ أن ما أصابه ليس لأمر سبق منه، ولكنه ابتداء محنة من الله، امتحنه بها، وله أن يمتحن من شاء بما شاء من المحن.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{وذكرى للعابدين} أي وتذكرة وموعظة للمؤمنين، ولا يعبد الله تعالى إلا مؤمن، والذكرى إنما هي في محنته والرحمة في زوال ذلك.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{فاستجبنا له} أي أوجدنا إجابته إيجاد من كأنه طالب لها بسبب ندائه، هذا بعظمتنا في قدرتنا على الأمور الهائلة، وسبب عن ذلك قوله: {فكشفنا} أي بما لنا من العظمة {ما به من ضر} بأن أمرناه أن يركض برجله، فتنبع له عين من ماء، فيغتسل فيها، فينبت لحمه وجلده أحسن ما كان وأصحه ودل على تعاظم هذا الأمر بقوله: {وءاتيناه أهله} أي أولاده وما تبعهم من حشمه، أحييناهم له بعد أن كانوا ماتوا {ومثلهم} أي وأوجدنا له مثلهم في الدنيا، فإن قوله: {معهم} يدل على أنهم وجدوا عند وجدان الأهل، حال كون ذلك الكشف والإيتاء {رحمة} أي نعمة عظيمة تدل على شرفه بما من شأنه العطف والتحنن، وهو من تسمية المسبب باسم السبب، وفخمها بقوله: {من عندنا} بحيث لا يشك من ينظر ذلك أنا ما فعلناه إلا رحمة منا له وأن غيرنا لم يكن يقدر على ذلك {وذكرى} أي عظة عظيمة {للعابدين} كلهم، ليتأسوا به فيصبروا إذا ابتلوا بفتنة الضراء ولا يظنوا أنها لهوانهم، ويشكروا إذا ابتلوا بنعمة السراء لئلا تكون عين شقائهم.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
والإشارة (للعابدين) بمناسبة البلاء إشارة لها مغزاها، فالعابدون معرضون للابتلاء والبلاء، وتلك تكاليف العبادة وتكاليف العقيدة وتكاليف الإيمان، والأمر جد لا لعب، والعقيدة أمانة لا تسلم إلا للأمناء القادرين عليها، المستعدين لتكاليفها وليست كلمة تقولها الشفاه، ولا دعوى يدعيها من يشاء، ولا بد من الصبر ليجتاز العابدون البلاء.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لكون ثناء أيوب تعريضاً بالدعاء فرع عليه قوله تعالى: {فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر}. والسين والتاء للمبالغة في الإجابة، أي استجبنا دعوته العُرْضية بإثر كلامه وكشفنا ما به من ضرّ، إشارة إلى سرعة كشف الضرّ عنه، والتعقيب في كل شيء بحَسَبه، وهو ما تقتضيه العادة في البُرء وحصولِ الرزق وولادة الأولاد.
والكشف: مستعمل في الإزالة السريعة. شبهت إزالة الأمراض والأضرار المتمكنة التي يعتاد أنها لا تزول إلا بطول بإزالة الغطاء عن الشيء في السرعة. والموصول في قوله تعالى: {ما به من ضر} مقصود منه الإبهام. ثم تفسيره ب (مِن) البيانية لقصد تهويل ذلك الضرّ لكثرة أنواعه بحيث يطول عدّها. ومثله قوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: 53] إشارة إلى تكثيرها. ألا ترى إلى مقابلته ضدها بقوله تعالى: {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} [النحل: 53]، لإفادة أنهم يهرعون إلى الله في أقل ضرّ وينسون شكره على عظيم النعم،... والذكرى: التذكير بما هو مظنة أن ينسى أو يغفل عنه.
{رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} ليعلم كل عابد أخلص عبادته لله تعالى، أنه إذا مسه ضر أو كرب ولجأ إلى الله أجابه الله إلى ما يريد، وأعطاه فوق الإجابة نافلة أخرى، وكأن ما حدث لنبي الله أيوب نموذج يجب أن يحتذى.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
إنّ رجال الحقّ لا تتغيّر أفكارهم وأعمالهم بتغيّر النعم، فهم يتوجّهون إلى الله في حريتهم وسجنهم وسلامتهم ومرضهم وقوّتهم وضعفهم، وبكلمة واحدة في كلّ الأحوال، ولا تغيّرهم حوادث الحياة، فإنّ أرواحهم كالمحيط العظيم لا يؤثّر في هدوئه تلاطم الرياح العاتية. كما أنّهم لا ييأسون لهول الحوادث المرّة وكثرتها، بل يواجهونها ويصمدون لها حتّى تفتح أبواب الرحمة الإلهيّة، لعلمهم أنّ الحوادث والظروف الصعبة امتحانات إلهيّة يُعدّها الله لخاصّة عباده ليكونوا أكثر مراناً ومراساً.
قوله تعالى : " فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم " قال مجاهد وعكرمة قيل لأيوب صلى الله عليه وسلم : قد آتيناك أهلك في الجنة فإن شئت تركناهم لك في الجنة وإن شئت آتيناكهم في الدنيا . قال مجاهد : فتركهم الله عز وجل له في الجنة وأعطاه مثلهم في الدنيا . قال النحاس : والإسناد عنهما بذلك صحيح .
قلت : وحكاه المهدوي عن ابن عباس . وقال الضحاك : قال عبد الله بن مسعود كان أهل أيوب قد ماتوا إلا امرأته فأحياهم الله عز وجل في أقل من طرف البصر ، وآتاه مثلهم معهم . وعن ابن عباس أيضا : كان بنوه قد ماتوا فأحيوا له وولد له مثلهم معهم . وقال قتادة وكعب الأحبار والكلبي وغيرهم . قال ابن مسعود : مات أولاده وهم سبعة من الذكور وسبعة من الإناث فلما عوفي نشروا له ، وولدت امرأته سبعة بنين وسبع بنات . الثعلبي : وهذا القول أشبه بظاهر الآية .
قلت : لأنهم ماتوا ابتلاء قبل آجالهم حسب ما تقدم بيانه في سورة " البقرة " {[11327]} في قصة " الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت " [ البقرة : 243 ] . وفي قصة السبعين الذين أخذتهم الصعقة فماتوا ثم أحيوا{[11328]} ، وذلك أنهم ماتوا قبل آجالهم ، وكذلك هنا والله أعلم . وعلى قول مجاهد وعكرمة يكون المعنى : " وأتيناه أهله " في الآخرة " ومثلهم معهم " في الدنيا . وفي الخبر : إن الله بعث إليه جبريل عليه السلام حين ركض برجله على الأرض ركضة فظهرت عين ماء حار{[11329]} ، وأخذ بيده ونفضه نفضة فتناثرت عنه الديدان ، وغاص في الماء غوصة فنبت لحمه وعاد إلى منزله ، ورد الله عليه أهله ومثلهم معهم ، ونشأت سحابة على قدر قواعد داره فأمطرت ثلاثة أيام بلياليها جرادا من ذهب . فقال له جبريل : أشبعت ؟ فقال : ومن يشبع من فضل الله . فأوحى الله إليه : قد أثنيت عليك بالصبر قبل وقوعك في البلاء وبعده ، ولولا أني وضعت تحت كل شعرة منك صبرا ما صبرت . " رحمة من عندنا " أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا . وقيل : ابتليناه ليعظم ثوابه غدا . " وذكرى للعابدين " أي وتذكيرا للعباد ؛ لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب وصبره عليه ومحنته له وهو أفضل أهل زمانه وطنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا نحو ما فعل أيوب ، فيكون هذا تنبيها لهم على إدامة العبادة ، واحتمال الضرر . واختلف في مدة إقامته في البلاء ، فقال ابن عباس : كانت مدة البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ليال . وهب : ثلاثين سنة . الحسن : سبع سنين وستة أشهر .
قلت : وأصح من هذا والله أعلم ثماني عشرة سنة ، رواه ابن شهاب عن النبي صلى ، ذكره ابن المبارك وقد تقدم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.