الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ} (90)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{فاستجبنا له} دعاءه {ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه} يعني: امرأته فحاضت، وكانت لا تحيض من الكبر.

{إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} يعني: أعمال الصالحات، يعني: زكريا وامرأته. {ويدعوننا رغبا} في ثواب الله، عز وجل، {ورهبا} من عذاب الله، عز وجل. {وكانوا لنا خاشعين} يعني لله سبحانه متواضعين.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول الله جلّ ثناؤه: فاستجبنا لزكريا دعاءه، ووهبنا له يحيى ولدا ووارثا يرثه، وأصلحنا له زوجه... بأن جعلها ولودا حسنة الخلق...

"إنّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ": إن الذين سميناهم، يعني زكريا وزوجه ويحيى كانوا يسارعون في الخيرات في طاعتنا، والعمل بما يقرّبهم إلينا.

"وَيَدْعُونَنا رَغَبا وَرَهَبا": وكانوا يعبدوننا رغبا ورهَبا. وعَنَى بالدعاء في هذا الموضع: العبادة... ويعني بقوله: "رَغَبا "أنهم كانوا يعبدونه رغبة منهم فيما يرجون منه من رحمته وفضله، "وَرَهَبا "يعني: رهبة منهم من عذابه وعقابه، بتركهم عبادته وركوبهم معصيته...

وقوله: "وكانُوا لَنا خاشِعِينَ" يقول: وكانوا لنا متواضعين متذللين، ولا يستكبرون عن عبادتنا ودعائنا.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{ووهبنا له يحيى} قال الحسن: إنه كان يحيى على ما سماه الله في الطاعة والعبادة، وفي الآخرة يحيى في الكرامات والثواب الجزيل...

{وأصلحنا له زوجه} يخرج على وجهين: أحدهما: أن جعلناها بحيث يرغب فيها زوجها ذات هيئة ومنظر لأنه ذكر في القصة أنها بلغت في السن مئة غير شيء. والعرف في النساء أنهن إذا بلغن المبلغ الذي ذكر أنها بلغت زوجة زكريا يكن من القواعد اللاتي لا يرغب فيها أحد، فأخبر أنه أصلحها، وصيرها بحيث يرغب فيها ذات هيئة ومنظر...

{إنهم كانوا يسارعون في الخيرات}. ثم المسارعة في الخيرات أنه كان لا يمنعهم شيء عن فعل الخيرات. وهكذا المؤمن، هو يرغب في الخيرات كلها إلا أن يمنعه شيء من شهوة أو سهو...

{وكانوا لنا خاشعين} قال بعضهم: الخشوع هو الخوف الدائم الملازم للقلب، لا يفارقه...

تفسير الخشوع ما ذكر بقوله: {ويدعوننا رغبا ورهبا}...

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

{إِنَّهُمْ} يعني الأنبياء الذين سمّاهم في هذه السورة.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ في الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا} وفي هذه بشارة لجميع المؤمنين، لأن المؤمن لا يخلو من حالة من أحوال الرغبة أو الرهبة؛ إذ لو لم تكن رغبة لكان قنوطاً والقنوط كفر، ولو لم تكن رهبة لكان أمناً والأمن كفر. قوله: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} الخشوع قشعريرة القلب عند اطلاع الربِّ، وكان لهم ذلك على الدوام.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه} يدل على أن الواو لا تفيد الترتيب لأن إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد مع أنه تعالى أخره في اللفظ وبين تعالى مصداق ما ذكرناه فقال: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} وأراد بذلك زكريا وولده وأهله فبين أنه آتاهم ما طلبوه وعضد بعضهم ببعض من حيث كانت طريقتهم أنهم يسارعون في الخيرات، والمسارعة في طاعة الله تعالى من أكبر ما يمدح المرء به لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة...

{ويدعوننا رغبا ورهبا}... هو كقوله: {يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه} والمعنى أنهم ضموا إلى فعل الطاعات والمسارعة فيها أمرين: أحدهما: الفزع إلى الله تعالى لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة في عقابه. والثاني: الخشوع وهو المخافة الثابتة في القلب، فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفا من الإثم.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

... ثم استأنف البيان لخيرية الموروث والوارث والمصلحة للولادة فقال، مؤكداً ترغيباً في مثل أحوالهم وأنها مما يلتذ بذكره ويعجب من أمره: {إنهم كانوا} مجبولين في أول ما خلقناهم جبلة خير، مهيئين لأنهم {يسارعون في الخيرات} أي يبالغون في الإسراع بها مبالغة من يسابق آخر.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى} النبي الكريم، الذي لم يجعل الله له من قبل سميا...

{وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} بعدما كانت عاقرا، لا يصلح رحمها للولادة فأصلح الله رحمها للحمل، لأجل نبيه زكريا، وهذا من فوائد الجليس، والقرين الصالح، أنه مبارك على قرينه، فصار يحيى مشتركا بين الوالدين...

إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} أي: يبادرون إليها ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ويكملونها على الوجه اللائق الذي ينبغي ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها، إلا انتهزوا الفرصة فيها، {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} أي: يسألوننا الأمور المرغوب فيها، من مصالح الدنيا والآخرة، ويتعوذون بنا من الأمور المرهوب منها، من مضار الدارين، وهم راغبون راهبون لا غافلون، لاهون ولا مُدِلُّون.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وكانت الاستجابة سريعة ومباشرة: (فاستجبنا له، ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه) وكانت عقيما لا تصلح للنسل.. ويختصر السياق تفصيلات هذا كله ليصل مباشرة إلى استجابة الله للدعاء.

(إنهم كانوا يسارعون في الخيرات).. فسارع الله في استجابة الدعاء.

(ويدعوننا رغبا ورهبا).. رغبة في الرضوان ورهبة للغضب. فقلوبهم وثيقة الصلة دائمة التطلع. (وكانوا لنا خاشعين).. لا متكبرين ولا متجبرين..

بهذه الصفات في زكريا وزوجه وابنهما يحيى استحق الوالدان أن ينعم عليهما بالابن الصالح. فكانت أسرة مباركة تستحق رحمة الله ورضاه.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشعين} جملة واقعة موقع التعليل للجمل المتقدمة في الثناء على الأنبياء المذكورين، وما أوتوه من النصر، واستجابة الدعوات، والإنجاء من كيد الأعداء، وما تبع ذلك، ابتداءً من قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء} [الأنبياء: 48]. فضمائر الجمع عائدة إلى المذكورين. وحرف التأكيد مفيد معنى التعليل والتسبب، أي ما استحقّوا ما أوتوه إلا لمبادرتهم إلى مسالك الخير وجدّهم في تحصيلها. وأفاد فعل الكون أن ذلك كان دأبَهم وهجِّيراهم. والمسارعة: مستعارة للحرص وصرف الهمة والجِدّ للخيرات، أي لفعلها، تشبيهاً للمداومة والاهتمام بمسارعة السائر إلى المكان المقصود الجادّ في مسالكه.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

"الفاء" عاطفة تدل على الترتيب والتعقيب، أي أجبناه عقب سؤاله، والتعدية باللام تدل على كمال الاختصاص بالداعي والعناية به،... وقوله {له} "اللام" معناها لأجله وتكريما له، وعناية به واستجابة لدعائه،... وكانت التعدية ب {في} للإشارة إلى أنهم يسارعون يسابق بعضهم بعضا في دائرة الخيرات لا يخرجون عنها، فالخيرات أحاطت بهمه إحاطة الدائرة، و {الخيرات} الأعمال النافعة التي قصد بها وجه الله والعبادة الخالصة له سبحانه، {ويدعوننا رغبا ورهبا}، الرغب معناه السعة، والمعنى يدعون ربهم في حال السعة والرخاء، والرهب الخوف مع الاضطراب والانزعاج، والمعنى يدعونه سبحانه وتعالى في حال رخائهم، وحال شدتهم وانزعاجهم، فهم يدعونه في كل الأحوال، لا كأولئك المشركين الذين يدعون الله في الشدة، فإذا ذهبت إذا هم يشركون.

.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْراَتِ} لأن الخير لم يكن في حياتهم حالة طارئة، أو انفعالاً سريعاً، بل كان قيمةً روحيةً تتحرك في خط العقيدة وحركة الرسالة على أساس المسؤولية المنفتحة على الناس كلهم، الذين يحتاجون الخدمات على كافة مستوياتها الفكرية والروحية والحياتية... وكان هذا الخير الذي يتحرك في عمق شخصيتهم، نتيجةً للإيمان بالله، والانفتاح عليه... وذلك في أجواء اللقاء الكامل بالله، حتى يستلهم الإنسان روحيته في كل حال، في أوقات الرغبة والرهبة، لأن ذلك هو التعبير الحيّ عن الانشداد إلى الله في كل الأمور، بحيث يشعر الإنسان بأن الله هو مصدر القوّة والحياة.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ} (90)

قوله تعالى : " فاستجبنا له " أي أجبنا دعاءه : " ووهبنا له يحيى " . تقدم . " وأصلحنا له زوجه " قال قتادة وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين : إنها كانت عاقرا فجعلت ولودا . وقال ابن عباس وعطاء : كانت سيئة الخلق ، طويلة اللسان ، فأصلحها الله فجعلها حسنة الخلق .

قلت : ويحتمل أن تكون جمعت المعنيين فجعلت حسنة الخلق ولودا . " إنهم " يعني الأنبياء المسلمين في هذه السورة " إنهم كانوا يسارعون في الخيرات " وقيل : الكناية راجعة إلى زكريا وامرأته ويحيى .

فيه مسألتان :

الأولى- قوله تعالى : " ويدعوننا رغبا ورهبا " أي يفزعون إلينا فيدعوننا في حال الرخاء وحال الشدة . وقيل : المعنى يدعون وقت تعبدهم وهم بحال رغبة ورجاء ورهبة وخوف ؛ لأن الرغبة والرهبة متلازمان . وقيل : الرغب رفع بطون الأكف إلى السماء ، والرهب رفع ظهورها ، قاله خصيف ، وقال ابن عطية : وتلخيص هذا أن عادة كل داع من البشر أن يستعين بيديه ، فالرغب من حيث هو طلب يحسن منه أن يوجه باطن الراح نحو المطلوب منه ، إذ هو موضع إعطاء أو بها يتملك ، والرهب من حيث هو دفع يحسن معه طرح ذلك ، والإشارة إلى ذهابه وتوقيه بنفض اليد ونحوه .

الثانية-روى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يسمح بهما وجهه ، وقد مضى في " الأعراف " {[11356]} الاختلاف في رفع الأيدي ، وذكرنا هذا الحديث وغيره هناك . وعلى القول بالرفع فقد اختلف الناس في صفته وإلى أين ؟ فكان بعضهم يختار أن يبسط كفيه رافعهما حذو صدره وبطونهما إلى وجهه ، روي عن ابن عمر وابن عباس . وكان علي يد بباطن كفيه ، وعن أنس مثله ، وهو ظاهر حديث الترمذي . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها وامسحوا بها وجوهكم ) . وروي عن ابن عمر وابن الزبير برفعهما إلى وجهه ، واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري ، قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فجعل يدعو وجعل ظهر كفيه مما يلي وجهه ، ورفعهما فوق ثدييه وأسفل من منكبيه وقيل حتى يحاذي بهما وجهه وظهورهما مما يلي وجهه . قال أبو جعفر الطبري : والصواب أن يقال : إن كل هذه الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم متفقة غير مختلفة المعاني ، وجائز أن يكون ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لاختلاف أحوال الدعاء كما قال ابن عباس : إذا أشار أحدكم بإصبع واحد فهو الإخلاص ، وإذا رفع يديه حذو صدره فهو{[11357]} الدعاء ، وإذا رفعهما حتى يجاوز بهما رأسه وظاهرهما مما يلي وجهه فهو الابتهال . قال الطبري وقد روى قتادة عن أنس قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بظهر كفيه وباطنهما . و " رغبا ورهبا " منصوبان على المصدر ، أي يرغبون رغبا ويرهبون رهبا . أو على المفعول من أجله ، أي للرغب والرهب . أو على الحال . وقرأ طلحة بن مصرف " ويدعونا " بنون واحدة . وقرأ الأعمش بضم الراء وإسكان الغين والهاء مثل السقم والبخل ، والعدم والضرب لغتان وابن وثاب والأعمش أيضا " رغبا ورهبا " بالفتح في الراء والتخفيف في الغين والهاء ، وهما لغتان . مثل نهر ونهر وصخر وصخر . ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو . " وكانوا لنا خاشعين " أي متواضعين خاضعين .


[11356]:راجع جـ 7 ص 224 فما بعد.
[11357]:في ك: آلة الدعاء. لعله الأصل.