جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره:"وَعَدَ اللّهُ الّذِين آمَنُوا" بالله ورسوله "مِنْكُمْ "أيها الناس، "وَعمِلُوا الصّالِحاتِ"، يقول: وأطاعوا الله ورسوله فيما أمراه ونهياه "لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ" يقول: لَيُورثنهم الله أرض المشركين من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها، "كمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ"، يقول: كما فعل من قبلهم ذلك ببني إسرائيل، إذ أهلك الجبابرة بالشأم وجعلهم ملوكها وسكانها، "وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَى لَهُمْ" يقول: وليوطئنّ لهم دينهم، يعني ملتهم التي ارتضاها لهم فأمرهم بها...
قوله: "وَلَيُبَدّلَنّهُمْ":.. وليغّيرَنّ حالهم عما هي عليه من الخوف إلى الأمن، والعرب تقول: قد بُدّل فلان: إذا غيرت حاله ولم يأت مكان غيره، وكذلك كلّ مغير عن حاله فهو عندهم مبدّل (بالتشديد)...
وقوله: "يَعْبُدُونَني" يقول: يخضعون لي بالطاعة ويتذللون لأمري ونهيي.
"لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئا" يقول: لا يشركون في عبادتهم إياي الأوثان والأصنام ولا شيئا غيرها، بل يخلصون لي العبادة فيفردونها إليّ دون كلّ ما عُبد من شيء غيري. وذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل شكاية بعض أصحابه إليه في بعض الأوقات التي كانوا فيها من العدوّ في خوف شديد مما هُمْ فيه من الرّعب والخوف وما يَلْقَون بسبب ذلك من الأذى والمكروه...
عن أبي العالية، قوله: "وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحات..."، قال: مكث النبيّ صلى الله عليه وسلم عَشْر سنين خائفا يدعو إلى الله سرّا وعلانية، قال: ثم أُمر بالهجرة إلى المدينة. قال: فمكث بها هو وأصحابه خائفون، يُصبحون في السلاح ويُمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تَغْبُرُونَ إلاّ يَسِيرا حتى يَجْلِسَ الرّجُلُ مِنْكُمْ فِي المَلإ العَظيمِ مُحْتَبِيا فِيهِ لَيْسَ فِيهِ حَدِيدَةٌ». فأنزل الله هذه الآية: "وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ" إلى قوله: "فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلكَ" قال: يقول: من كفر بهذه النعمة فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسقُونَ وليس يعني الكفر بالله. قال: فأظهره الله على جزيرة العرب، فآمنوا، ثم تجَبّروا، فغَيّر الله ما بهم، وكفروا بهذه النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفعه عنهم...
واختلف أهل التأويل في معنى الكفر الذي ذكره الله في قوله: "فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلكَ" فقال أبو العالية ما ذكرنا عنه من أنه كفر بالنعمة لا كفر بالله. ورُوى عن حُذيفة في ذلك ما:
حدثنا به ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي الشعثاء، قال: كنت جالسا مع حُذيفة وعبد الله بن مسعود، فقال حُذيفة: ذهب النفاق، وإنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو الكفر بعد الإيمان قال: فضحك عبد الله، فقال: لم تقول ذلك؟ قال: علمت ذلك، قال: "وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ..." حتى بلغ آخرها...
والذي قاله أبو العالية من التأويل أشبه بتأويل الآية، وذلك أن الله وعد الإنعام على هذه الأمة بما أخبر في هذه الآية أنه منعم به عليهم، ثم قال عقيب ذلك: فمن كفر هذه النعمة بعد ذلك "فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ".
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
"ومن كفر بعد ذلك" يعني بعد الذي قصصنا عليك ووعدناهم به "فأولئك هم الفاسقون" وانما ذكر الفسق بعد الكفر مع أن الكفر أعظم من الفسق،لأحد أمرين: أحدهما -أنه أراد الخارجين في كفرهم إلى أفحشه، لأن الفسق في كل شيء هو الخروج إلى أكبره. الثاني- أراد من كفر تلك النعمة بالفساد بعدها فسق، وليس يعني الكفر بالله...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
وَعْدُ الله حقٌّ وكلامُه صدقٌ، والآية تدل على صحة الخلفاء الأربعة لأنه -بالإجماع- لم يتقدمهم في الفضيلة -إلى يومنا- أحدٌ؛ فأولئك مقطوعٌ بإمامتهم، وصدَق وعدُ الله فيهم، وهم على الدين المرضيِّ من قِبلِ الله، ولقد أَمِنُوا بعد خوفهم، وقاموا بسياسة المسلمين، والذَّبِّ عن حوزة الإسلام أحسنَ قيام. وفي الآية إشارة إلى أئمة الدين الذين هم أركان المِلَّة ودعائم الإسلام، الناصحون لعباده، الهادون مَنْ يسترشِدُ في الله..
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
وعدهم الله أن ينصر الإسلام على الكفر، ويورّثهم الأرض، ويجعلهم فيها خلفاء، كما فعل ببني إسرائيل، حين أورثهم مصر والشام بعد إهلاك الجبابرة، وأن يمكن الدين المرتضى وهو دين الإسلام. وتمكينه: تثبيته وتوطيده، وأن يؤمن سربهم ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه...
{وَمَن كَفَرَ} يريد كفران النعمة...فإن قلت: هل في هذه الآية دليل على أمر الخلفاء الراشدين؟ قلت: أوضح دليل وأبينه؛ لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم.
بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون، فقد وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات أي الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض فيجعلهم الخلفاء والغالبين والمالكين كما استخلف عليها من قبلهم في زمن داود وسليمان عليهما السلام وغيرهما، وأنه يمكن لهم دينهم وتمكينه ذلك هو أن يؤيدهم بالنصرة والإعزاز ويبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمنا بأن ينصرهم عليهم فيقتلوهم ويأمنوا بذلك شرهم، فيعبدونني آمنين لا يشركون بي شيئا ولا يخافون {ومن كفر} أي من بعد هذا الوعد وارتد {فأولئك هم الفاسقون}...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
هذا وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم. بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمةَ الناس والولاةَ عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، ولَيُبدلَنّ بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك، وله الحمد والمنة، فإنه لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مَجُوس هَجَر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية -وهو المقوقس- وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، الذي تَملَّك بعد أصْحَمة، رحمه الله وأكرمه.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
هذا من أوعاده الصادقة، التي شوهد تأويلها ومخبرها، فإنه وعد من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة، أن يستخلفهم في الأرض، يكونون هم الخلفاء فيها، المتصرفين في تدبيرها، وأنه يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو دين الإسلام...فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي، والأمن التام، بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئا، ولا يخافون أحدا إلا الله، فقام صدر هذه الأمة، من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وبعد استعراض أمر المنافقين، والانتهاء منه على هذا النحو.. يدعهم السياق وشأنهم، ويلتفت عنهم إلى المؤمنين المطيعين، يبين جزاء الطاعة المخلصة، والإيمان العامل، في هذه الأرض قبل يوم الحساب الأخير:
(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم؛ وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم؛ وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا. يعبدونني لا يشركون بي شيئا. ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)..
ذلك وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد [صلى الله عليه وسلم] أن يستخلفهم في الأرض. وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم. وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا.. ذلك وعد الله. ووعد الله حق. ووعد الله واقع. ولن يخلف الله وعده.. فما حقيقة ذلك الإيمان؟ وما حقيقة هذا الاستخلاف؟
إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني كله؛ وتوجه النشاط الإنساني كله. فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وبناء وإنشاء موجه كله إلى الله؛ لا يبتغي به صاحبه إلا وجه الله؛ وهي طاعة لله واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة، لا يبقى معها هوى في النفس، ولا شهوة في القلب، ولا ميل في الفطرة إلا وهو تبع لما جاء به رسول الله [صلى الله عليه وسلم] من عند الله.
فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله، بخواطر نفسه، وخلجات قلبه. وأشواق روحه، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعا.. يتوجه بهذا كله إلى الله.. يتمثل هذا في قول الله سبحانه في الآية نفسها تعليلا للاستخلاف والتمكين والأمن: (يعبدونني لا يشركون بي شيئا) والشرك مداخل وألوان، والتوجه إلى غير الله بعمل أو شعور هو لون من ألوان الشرك بالله.
ذلك الإيمان منهج حياة كامل، يتضمن كل ما أمر الله به، ويدخل فيما أمر الله به توفير الأسباب، وإعداد العدة، والأخذ بالوسائل، والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض.. أمانة الاستخلاف..
إنها ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم.. إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء؛ وتحقيق المنهج الذي رسمه الله للبشرية كي تسير عليه؛ وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقدر لها في الأرض، اللائق بخليقة أكرمها الله.
إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد. وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة، لا على الظلم والقهر. وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري، لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان!
وهذا الاستخلاف هو الذي وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. وعدهم الله أن يستخلفهم في الأرض -كما استخلف المؤمنين الصالحين قبلهم- ليحققوا النهج الذي أراده الله؛ ويقرروا العدل الذي أراده الله؛ ويسيروا بالبشرية خطوات في طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها الله.. فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض، وينشرون فيها البغي والجور، وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان.. فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض. إنما هم مبتلون بما هم فيه، أو مبتلى بهم غيرهم، ممن يسلطون عليهم لحكمة يقدرها الله.
آية هذا الفهم لحقيقة الاستخلاف قوله تعالى بعده: (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم).. وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب، كما يتم بتمكينه في تصريف الحياة وتدبيرها. فقد وعدهم الله إذن أن يستخلفهم في الأرض، وأن يجعل دينهم الذي ارتضى لهم هو الذي يهيمن على الأرض. ودينهم يأمر بالإصلاح، ويأمر بالعدل، ويأمر بالاستعلاء على شهوات الأرض. ويأمر بعمارة هذه الأرض، والانتفاع بكل ما أودعها الله من ثروة، ومن رصيد، ومن طاقة، مع التوجه بكل نشاط فيها إلى الله.
(وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا).. ولقد كانوا خائفين، لا يأمنون، ولا يضعون سلاحهم أبدا حتى بعد هجرة الرسول [صلى الله عليه وسلم] إلى قاعدة الإسلام الأولى بالمدينة.
قال الربيع بن أنس عن أبي العالية في هذه الآية: كان النبي [صلى الله عليه وسلم] وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، وإلى عبادته وحده بلا شريك له، سرا وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال؛ حتى أمروا بعد الهجرة إلى المدينة، فقدموها، فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح؛ فصبروا على ذلك ما شاء الله. ثم إن رجلا من الصحابة قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عليه وسلم -"لن تصبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم ليست فيه حديدة" . وأنزل الله هذه الآية، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن الله قبض نبيه [صلى الله عليه وسلم] فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان. حتى وقعوا فيما وقعوا فيه، فأدخل الله عليهم الخوف؛ فاتخذوا الحجزة والشرط، وغيروا فغير بهم..
(ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون).. الخارجون على شرط الله. ووعد الله. وعهد الله..
لقد تحقق وعد الله مرة. وظل متحققا وواقعا ما قام المسلمون على شرط الله: (يعبدونني لا يشركون بي شيئا).. لا من الآلهة ولا من الشهوات. ويؤمنون- من الإيمان -ويعملون صالحا. ووعد الله مذخور لكل من يقوم على الشرط من هذه الأمة إلى يوم القيامة. إنما يبطى ء النصر والاستخلاف والتمكين والأمن. لتخلف شرط الله في جانب من جوانبه الفسيحة؛ أو في تكليف من تكاليفه الضخمة؛ حتى إذا انتفعت الأمة بالبلاء، وجازت الابتلاء، وخافت فطلبت الأمن، وذلت فطلبت العزة، وتخلفت فطلبت الاستخلاف.. كل ذلك بوسائله التي أرادها الله، وبشروطه التي قررها الله.. تحقق وعد الله الذي لا يتخلف، ولا تقف في طريقه قوة من قوى الأرض جميعا.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والاستخلاف: جعلهم خلفاء، أي عن الله في تدبير شؤون عباده...وتعليق فعل الاستخلاف بمجموع الذين آمنوا وعملوا الصالحات وإن كان تدبير شؤون الأمة منوطاً بولاة الأمور لا بمجموع الأمة من حيث إن لمجموع الأمة انتفاعاً بذلك وإعانة عليه كل بحسب مقامه في المجتمع...ولهذا فالوجه أن المراد من الأرض جميعُها، وأن الظرفية المدلولة بحرف (في) ظاهرة في جزء من الأرض وهو موطن حكومة الأمة وحيث تنال أحكامُها سكانه. والأصل في الظرفية عدم استيعاب المظروف الظرف كقوله تعالى: {واستعمركم فيها} [هود: 61]. وإنما صيغ الكلام في هذا النظم ولم يقتصر على قوله: {ليستخلفنهم} دون تقييد بقوله: {في الأرض} ل {ليستخلفنهم} للإيماء إلى أن الاستخلاف يحصل في معظم الأرض. وذلك يقبل الامتداد والانقباض كما كان الحال يوم خروج بلاد الأندلس من حكم الإسلام. ولكن حرمة الأمة واتقاء بأسها ينتشر في المعمورة كلها بحيث يخافهم من عداهم من الأمم في الأرض التي لم تدخل تحت حكمهم ويسعون الجهد في مرضاتهم ومسالمتهم.
أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للشنقيطي 1393 هـ :
والآيات تدلّ على أن طاعة اللَّه بالإيمان به، والعلم الصالح سبب للقوّة والاستخلاف في الأرض ونفوذ الكلمة...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ} اللام تنبئ عن قسم مضمر في القول، فالله وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بسبب إيمانهم، وعلمهم الصالح في الطاعات والمعاملات الإنسانية وعدهم سبحانه بأن يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من بعد نوح كعاد، وغيرهم خلفاء مسيطرين على ما في الأرض، وقد أكد سبحانه وتعالى وعده بالقسم، وبنون التوكيد الثقيلة، وبالمشابهة بينهم، وبين من سبقوهم ممن جعلهم خلفاء في الأرض. وإن ذلك تبشير للمؤمنين الذين آمنوا واتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم في جهاده، وهو ماض إلى يوم القيامة، وليست الخلافة هي خلافة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها خلافة الله في الأرض بمقتضى الفطرة الإنسانية التي قال تعالى فيها: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ... (30)} [البقرة]، فهي السلطان في الأرض بمقتضى التمكين الإلهي... وإن استخلافهم في الأرض كان معه أمور أعزتهم وأعلتهم، ذكرها سبحانه في قوله تعالى: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمّْ} وهذا هو الأمر الأول...والثاني بينه سبحانه وتعالى بقوله: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}، أي يجعل الله تعالى من بعد الخوف المستمر من المشركين آمنا دائما مستقرا، وكان التنكير لبيان عظيم الأمن، وإنه أمن مستقر ثابت... {يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}، أي يعبدونني وحدي في عامة أمورهم، لا يشركون بي شيئا في عبادة ولا طاعة ولا عمل...فإن استمروا على ذلك استمر لهم السلطان في الأرض.
{وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، أي من كفر وخالف وعصى الله بعد التمكين والأمن والاستقرار {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، أي الخارجون الجائرون البائرون فلا يكون كفرهم مجرد جحود، بل هو الضياع لا محالة...
{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} فمن فعل ذلك كان أهلا للخلافة عن الله، إنها معركة ابتلاءات وتمحيص تبين الغث من السمين، ألا ترى المسلمين الأوائل كيف كانوا يعذبون ويضطهدون، ولا يجرؤ أحد على حمايتهم حتى اضطروا للهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة...والوعد: بشارة بخير لم يأت زمنه بعد، حتى يستعد الناس بالوسيلة له، وضده الوعيد أو الإنذار بشر أو الإنذار بشر لم يأت زمنه بعد، لتكون هناك فرصة للاحتياط وتلافى الوقوع في أسبابه.وما دام الوعد من الله تعالى فهو صدق...فبماذا وعد الله الذين آمنوا؟ {ليستخلفنهم في الأرض} وهذه ليست جديدة، فقد سبقهم أسلافهم الأوائل {كما استخلف الذين من قبلهم}، فاستخلاف الذين آمنوا ليس بدعا، إنما هو أمر مشاهد في مواكب الرسل والنبوة ومشاهد في المسلمين الأوائل من الصحابة الذين أوذوا وعذبوا واضطهدوا وأخرجوا من ديارهم وأولادهم وأموالهم ولم يؤمروا برد العدوان...
لكن، ما المراد بالأرض في {ليستخلفنهم في الأرض}؟ إذا جاءت الأرض هكذا مفردة غير مضافة لشيء فتعني كل الأرض...
ثم يقول تعالى: {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} ففوق الاستخلاف في الأرض يمكن الله لهم الدين، ومعنى تمكين الدين: سيطرته على حركة الحياة، فلا يصدر من أمور الحياة أمر إلا في ضوئه وعلى هديه، لا يكون دينا معطلا كما نعطله نحن اليوم، تمكين الدين يعني توظيفه وقيامه بدوره في حركة الحياة تنظيما وصيانة. وقوله سبحانه: {وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} وهم الذين قالوا: نبيت في السلاح، ونصبح في السلاح، فيبدلهم الله بعد هذا الخوف أمنا، فإذا ما حدث ذلك فعليهم أن يحافظوا على الخلافة هذه، وأن يقوموا بحقها {يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأرض} فيجعل لهم القوّة والسيطرة والخلافة، بحيث يصبحون الأمناء على إدارة شؤون الأرض التي يسيطرون عليها {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم السابقة التي عاشت الاضطهاد والقهر والإذلال، ولكن الله جعلها في موقع الانتصار والقوّة، فاستطاعت تكوين مجتمعاتها الصالحة، كما حدّثنا الله عن بعض هؤلاء في قوله تعالى: {وَمَا لنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ *وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أرضنا أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين} [إبراهيم: 12-13] وبذلك تكون الإشارة إلى القوم الصالحين الذين سبقوهم من أتباع الأنبياء...
{وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارْتَضَى لَهُمْ} وذلك بانتشاره بين الناس، بحيث يتحوّل إلى مركز قوّة في الساحة الفكرية والعملية، لكثرة المنتسبين إليه، والداعين إلى اعتناقه، والمتحركين من خلال مفاهيمه، والدارسين له، والحاكمين باسمه...وإننا نعتقد أن الآية جاءت من أجل أن تثير في نفوس المسلمين الثقة الكبيرة بالله وبأنفسهم، وتكشف لهم الغيب الإلهيّ الذي يتحرك من سنن الله في الكون، في ما يمنحهم الله من لطفه وفي ما يأخذ به الناس من أسباب النصر، في الدعوة والحركة والجهاد، في كل ما تحتاجه الحياة من عناصر القوّة للرسالة وللإنسان، كي لا يتساقطوا تحت تأثير الضغوط الصعبة التي تطبق عليهم وتحيط بهم من كل جانب، وكي لا يضعفوا أمام نوازع الضعف الكامنة فيهم، ليستمروا في التحرك، وليتابعوا المسيرة بقوّةٍ وجدٍّ وإخلاص..
نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، قاله مالك . وقيل : إن سبب هذه الآية أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شكا جهد مكافحة العدو ، وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم ، وأنهم لا يضعون أسلحتهم ، فنزلت الآية . وقال أبو العالية : مكث رسول صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين بعدما أوحي إليه خائفا هو وأصحابه ، يدعون إلى الله سرا وجهرا ، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة ، وكانوا فيها خائفين يصبحون ويمسون في السلاح . فقال رجل : يا رسول الله ، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ؟ فقال عليه السلام : ( لا تلبثون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس عليه حديدة ) . ونزلت هذه الآية ، وأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فوضعوا السلاح وأمنوا . قال النحاس : فكان في هذه الآية دلالة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله جل وعز أنجز ذلك الوعد . قال الضحاك في كتاب النقاش : هذه [ الآية ]{[12041]}تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ؛ لأنهم أهل الإيمان وعملوا الصالحات . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الخلافة بعدي ثلاثون ) . وإلى هذا القول ذهب ابن العربي في أحكامه ، واختاره ، وقال : قال علماؤنا هذه الآية دليل على خلافة الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم ، وأن الله استخلفهم ورضي أمانتهم ، وكانوا على الدين الذي ارتضى لهم ؛ لأنهم لم يتقدمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا ، فاستقر الأمر لهم ، وقاموا بسياسة المسلمين ، وذبوا عن حوزة الدين ، فنفذ الوعد فيهم ، وإذا لم يكن هذا الوعد لهم نجز ، وفيهم نفذ ، وعليهم ورد ، ففيمن يكون إذا ، وليس بعدهم مثلهم إلى يومنا هذا ، ولا يكون فيما بعده . رضي الله عنهم . وحكى هذا القول القشيري عن ابن عباس . واحتجوا بما رواه سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا ) . قال سفينة : أمسك عليك{[12042]} ، خلافة أبي بكر سنتين ، وخلافة عمر عشرا ، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة ، وخلافة علي ستا . وقال قوم : هذا وعد لجميع الأمة في ملك الأرض كلها تحت كلمة الإسلام ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ( زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها ) . واختار هذا القول ابن عطية في تفسيره حيث قال : والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور ، واستخلافهم هو أن يملكهم البلاد ويجعلهم أهلها ، كالذي جرى في الشام والعراق وخراسان والمغرب . قال ابن العربي : قلنا لهم هذا وعد عام في النبوة والخلافة وإقامة الدعوة وعموم الشريعة ، فنفذ الوعد في كل أحد بقدره وعلى حاله ، حتى في المفتين والقضاة والأئمة ، وليس للخلافة محل تنفذ فيه الموعدة الكريمة إلا من تقدم من الخلفاء . ثم ذكر اعتراضا وانفصالا معناه : فإن قيل هذا الأمر لا يصح إلا في أبي بكر وحده ، فأما عمر وعثمان فقتلا غيلة ، وعلي قد نوزع في الخلافة . قلنا : ليس في ضمن الأمن السلامة من الموت بأي وجه كان ، وأما علي فلم يكن نزاله في الحرب مذهبا للأمن ، وليس من شرط الأمن رفع الحرب إنما شرطه ملك الإنسان لنفسه باختياره ، لا كما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة . ثم قال في آخر كلامه : وحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين فصاروا قاهرين ، وكانوا مطلوبين فصاروا طالبين ، فهذا نهاية الأمن والعز .
قلت : هذه الحال لم تختص بالخلفاء الأربعة رضي الله عنهم حتى يخصوا بها من عموم الآية ، بل شاركهم في ذلك جميع المهاجرين بل وغيرهم . ألا ترى إلى إغزاء قريش المسلمين في أحد وغيرها وخاصة الخندق ، حتى أخبر الله تعالى عن جميعهم فقال : " إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا . هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا " {[12043]} [ الأحزاب : 10 - 11 ] . ثم إن الله رد الكافرين لم ينالوا خيرا ، وأمن المؤمنين وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم ، وهو المراد بقوله : " ليستخلفنهم في الأرض " . وقوله : " كما استخلف الذين من قبلهم " يعني بني إسرائيل ، إذ أهلك الله الجبابرة بمصر ، وأورثهم أرضهم وديارهم فقال : " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها " {[12044]} [ الأعراف : 137 ] . وهكذا كان الصحابة مستضعفين خائفين ، ثم إن الله تعالى أمنهم ومكنهم وملكهم ، فصح أن الآية عامة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غير مخصوصة ؛ إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب له التسليم ، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم . وجاء في معنى تبديل خوفهم بالأمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال أصحابه : أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ؟ فقال عليه السلام : ( لا تلبثون إلا قليلا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم مُحْتَبِيا ليس عليه حديدة ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) . خرجه مسلم في صحيحه ، فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم . فالآية معجزة النبوة ؛ لأنها إخبار عما سيكون فكان .
قوله تعالى : " ليستخلفنهم في الأرض " فيه قولان : أحدهما : يعني أرض مكة ؛ لأن المهاجرين سألوا الله تعالى ذلك فوعدوا كما وعدت بنو إسرائيل ، قال معناه النقاش . الثاني : بلاد العرب والعجم . قال ابن العربي : وهو الصحيح ؛ لأن أرض مكة محرمة على المهاجرين ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لكن البائس سعد بن خولة ) . يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة . وقال في الصحيح أيضا : ( يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا ) . واللام في " ليستخلفهم " جواب قسم مضمر ؛ لأن الوعد قول ، مجازها : قال الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات والله ليستخلفنهم في الأرض فيجعلهم ملوكها وسكانها . " كما استخلف الذين من قبلهم " يعني بني إسرائيل ، أهلك الجبابرة بمصر والشام وأورثهم أرضهم وديارهم . وقراءة العامة " كما استخلف " بفتح التاء واللام ؛ لقوله : " وعد " . وقوله : " ليستخلفنهم " . وقرأ عيسى بن عمر وأبو بكر والمفضل عن عاصم " استخلف " بضم التاء وكسر اللام على الفعل المجهول . " وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم " وهو الإسلام ، كما قال تعالى : " ورضيت لكم الإسلام دينا " [ المائدة : 3 ] وقد تقدم{[12045]} . وروي سليم بن عامر عن المقداد بن الأسود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما على ظهر الأرض بيت حجر ولا مدر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل أما بعزهم فيجعلهم من أهلها وأما بذلهم فيدينون بها ) . ذكره الماوردي حجة لمن قال : إن المراد بالأرض بلاد العرب والعجم ، وهو القول الثاني ، على ما تقدم آنفا . " وليبدلنهم " قرأ ابن محيصن وابن كثير ويعقوب وأبو بكر بالتخفيف ، من أبدل ، وهي قراءة الحسن ، واختيار أبي حاتم . الباقون بالتشديد ، من بدل ، وهي اختيار أبي عبيد ؛ لأنها أكثر ما في القرآن ، قال الله تعالى : " لا تبديل لكلمات الله " {[12046]} [ يونس : 64 ] . وقال : " وإذا بدلنا{[12047]} آية " [ النحل : 101 ] ونحوه ، وهما لغتان . قال النحاس : وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال : قرأ عاصم والأعمش " وليبدلنهم " مشددة ، وهذا غلط على عاصم ، وقد ذكر بعده غلطا أشد منه ، وهو أنه حكى عن سائر الناس التخفيف . قال النحاس : وزعم أحمد بن يحيى أن بين التثقيل والتخفيف فرقا ، وأنه يقال : بدلته أي غيرته ، وأبدلته أزلته وجعلت غيره . قال النحاس : وهذا القول صحيح ، كما تقول : أبدل لي هذا الدرهم ، أي أزله وأعطني غيره . وتقول : قد بدلت بعدنا ، أي غيرت ، غير أنه قد يستعمل أحدهما موضع الآخر ، والذي ذكره أكثر . وقد مضى هذا في " النساء " {[12048]} والحمد لله ، وذكرنا في سورة " إبراهيم " الدليل من السنة على أن بدل معناه إزالة العين ، فتأمله هناك{[12049]} . وقرئ " عسى ربنا أن يبدلنا " {[12050]} [ القلم : 32 ] مخففا ومثقلا . " يعبدونني " هو في موضع الحال ، أي في حال عبادتهم الله بالإخلاص . ويجوز أن يكون استئنافا على طريق الثناء عليهم . " لا يشركون بي شيئا " فيه أربعة أقوال : أحدها : لا يعبدون إلها غيري ، حكاه النقاش . الثاني : لا يراؤون بعبادتي أحدا . الثالث : لا يخافون غيري ، قاله ابن عباس . الرابع : لا يحبون غيري ، قاله مجاهد . " ومن كفر بعد ذلك " أي بهذه النعم . والمراد كفران النعمة ؛ لأنه قال تعالى : " فأولئك هم الفاسقون " والكافر بالله فاسق بعد هذا الإنعام وقبله .