الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ} (44)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ذلك}: أن الذي ذكر في هؤلاء الآيات، {من أنباء الغيب}: حديثا من الغيب لم تشهده يا محمد، فذلك قوله: {نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم} في القرعة، {أيهم يكفل مريم}: يضم مريم إلى نفسه. {وما كنت لديهم} يا محمد، {إذ يختصمون} في مريم، يعني القراء أيهم يكفلها...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني جل ثناؤه بقوله:"ذلك" الأخبار التي أخبر بها عباده عن امرأة عمران وابنتها مريم وزكريا، وابنه يحيى، وسائر ما قصّ في الآيات من قوله: {إنّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحا} ثم جمع جميع ذلك تعالى ذكره بقوله "ذلك"، فقال: هذه الأنباء من أنباء الغيب: أي من أخبار الغيب. ويعني بالغيب، أنها من خفيّ أخبار القوم التي لم تطلع أنت يا محمد عليها ولا قومك، ولم يعلمها إلا قليل من أحبار أهل الكتابين ورهبانهم ثم أخبر تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنه أوحى ذلك إليه حجة على نبوّته، وتحقيقا لصدقه، وقطعا منه به عذر منكري رسالته من كفار أهل الكتابين الذين يعلمون أن محمدا لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها ولم يدرك معرفتها مع خمولها عند أهلها إلا بإعلام الله ذلك إياه، إذ كان معلوما عندهم أنه محمدا صلى الله عليه وسلم أمي لا يكتب فيقرأ الكتب فيصل إلى علم ذلك من قِبَل الكتب، ولا صاحب أهل الكتب فيأخذ علمه من قِبَلهم.

وأما الغيب: فمصدر من قول القائل: غاب فلان عن كذا...

{نُوحيهِ إِلَيْكَ}: ننزله إليك، وأصل الإيحاء: إلقاء الموحي إلى الموحَى إليه، وذلك قد يكون بكتاب وإشارة وإيماء وبإلهام وبرسالة، كما قال جلّ ثناؤه: {وَأوْحَى رَبّكَ إلى النّحْلِ}: ألقى ذلك إليها فألهمها، وكما قال: {وَإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيّينَ}: ألقيت إليهم علم ذلك إلهاما، وكما قال جلّ ثناؤه: {فأوْحَى إلَيْهِمْ أنْ سَبّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّا}: فألقى ذلك إليهم أيضا، والأصل فيه ما وصفت من إلقاء ذلك إليهم. وقد يكون إلقاؤه ذلك إليهم إيماء، ويكون بكتاب، ومن ذلك قوله: {وَإنّ الشّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ}: يلقون إليهم ذلك وسوسة، وقوله: {وأُوحِيَ إليّ هَذَا القُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}: ألقي إليّ بمجيء جبريل عليه السلام به إليّ من عند الله عزّ وجلّ. وأما الوحي: فهو الواقع من الموحِي إلى الموحَى إليه، ولذلك سمت العرب الخط والكتاب وحيا، لأنه واقع فيما كتب ثابت فيه، وقد يقال في الكتاب خاصة إذا كتبه الكاتب وَحَى، بغير ألف. {وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلاَمَهُمْ أيّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}: وما كنت يا محمد عندهم، فتعلم ما نعلمكه من أخبارهم التي لم تشهدها، ولكنك إنما تعلم ذلك فتدرك معرفته بتعريفناكه.

{لَدَيْهِمْ}: عندهم. {إذْ يُلْقُونَ}: حين يلقون أقلامهم. وأما أقلامهم: فسهامهم التي استهم بها المتسهمون من بني إسرائيل على كفالة مريم، على ما قد بينا قبل في قوله: {وَكَفّلَها زَكَرِيّا}.

وإنما قيل: {أيّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} لأن إلقاء المستهمين أقلامهم على مريم إنما كان لينظروا أيهم أولى بكفالتها وأحقّ، ففي قوله عزّ وجلّ: {إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ} دلالة على محذوف من الكلام، وهو: «لينظروا أيهم يكفل، وليتبينوا ذلك ويعلموه».

{وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ}: وما كنت يا محمد عند قوم مريم، إذ يختصمون فيها أيهم أحقّ بها وأولى، وذلك من الله عزّ وجلّ وإن كان خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم، فتوبيخ منه عزّ وجلّ للمكذّبين به من أهل الكتابين، يقول: كيف يشكّ أهل الكفر بك منهم، وأنت تنبئهم هذه الأنباء ولم تشهدها، ولم تكن معهم يوم فعلوا هذه الأمور، ولست ممن قرأ الكتب فعلم نبأهم، ولا جالس أهلها فسمع خبرهم... يخبره بخفيّ ما كتموا منه من العلم عندهم، لتحقيق نبوّته والحجة عليهم، لما يأتيهم به مما أخفوا منه.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{ذلك} إشارة إلى ما سبق من نبإ زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم السلام، يعني أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي...

فإن قلت: لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم بغير شبهة؟ وترك نفي استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم؟ قلت: كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي، فلم يبق إلا المشاهدة وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة، فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة. ونحوه {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي} [القصص: 44]، {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور} [القصص: 46]، {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ} [يوسف: 102]... {أقلامهم} أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر مقترعين...

{إِذْ يَخْتَصِمُونَ} في شأنها تنافساً في التكفل بها...

فإن قلت: {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ} بم يتعلق؟ قلت: بمحذوف دلّ عليه يلقون أقلامهم، كأنه قيل: يلقونها ينظرون أيهم يكفل، أو ليعلموا، أو يقولون...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

هذه المخاطبة لمحمد عليه السلام، والإشارة ب {ذلك} إلى ما تقدم ذكره من القصص، والأنباء: الأخبار، و {الغيب} ما غاب عن مدارك الإنسان،... وفي هذه الآية بيان لنبوة محمد عليه السلام، إذ جاءهم بغيوب لا يعلمها إلا من شاهدها وهو لم يكن لديهم، أو من قرأها في كتب أهل الكتاب، ومحمد عليه السلام أمي من قوم أميين، أو من أعلمه الله بها وهو ذاك صلى الله عليه وسلم، ولديهم معناه عندهم ومعهم،... و {يختصمون} معناه يتراجعون القول الجهير في أمرها، وفي هذه الآية استعمال القرعة والقرعة سنة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر أقرع بين نسائه، وقال عليه السلام: {لو يعلمون ما في الصف الأول لاستهموا عليه}، وجمهور الأمة على تجويز القرعة إلا من شذ فظنها قماراً، وهذا كله فيما يصلح التراضي بكونه دون قرعة فكأن القرعة محسنة لذلك الاختصاص،...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما أتى نبينا صلى الله عليه وسلم بهذه الأخبار الغريبة المحررة العجيبة التي لا يعرفها على وجهها إلا الحذاق من علماء بني إسرائيل كان من حق سامعها أن يتنبه من غفلته ويستيقظ من رقدته، لأنها منبهة بنفسها للمنصف الفطن على أن الآتي بها -والسامع خبير بأنه لم يخالط عالماً قط- صادقاً لا مرية في صدقه في كل ما يدعيه عن الله سبحانه وتعالى، وكان من حق من يتنبه أن يبادر إلى الإذعان فيصرح بالإيمان، فلما لم يفعلوا التفت إلى تنبيه الغبي وتبكيت العتي فقال: {ذلك} أي الخطاب العلي المقام الصادق المرام البديع النظام {من أنباء الغيب نوحيه} أي نجدد إيحاءه في أمثاله {إليك} في كل حين، فما كنت لديهم في هذا الذي ذكرناه لك يوماً على هذا التحرير مع الإعجاز في البلاغة،... {لديهم} قال الحرالي: لدى هي عند حاضرة لرفعة ذلك الشيء الذي ينبأ به عنه -انتهى...

{وما كنت لديهم إذ} أي حين {يختصمون} أي في ذلك حتى نقصّ مثل هذه الأخبار على هذا الوجه السديد- يعني أنه لا وجه لك إلى علم ذلك إلا بالكون معهم إذ ذاك، أو أخذ ذلك عن أهل الكتاب، أو بوحي منا؛ ومن الواضح الجلي أن بعد نسبتك إلى التعلم من البشر كبعد نسبتك إلى الحضور بينهم في ذلك الوقت، لشهرتك بالنشأة أمياً مباعداً للعلم والعلماء... فانحصر إخبارك بذلك في الوحي منا، وجعل هذا التنبيه في نحو وسط هذه القصص ليكون السامع على ذكر مما مضى ويلقي السمع وهو شهيد لما بقي، وجعله بعد الافتتاح بقصة مريم عليها السلام تنبيهاً على عظم شأنها وأنها المقصودة بالذات للرد على وفد نصارى نجران...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{ذلك} الذي قصصناه عليك يا محمد من أخبار مريم وزكريا: {من أنباء الغيب} لم تشهده أنت ولا أحد من قومك، ولم تطلع على شيء منه في الكتاب وإنما نحن: {نوحيه إليك} بإنزال الروح الأمين الذي خاطب مريم وزكريا بما خاطبهما به على قلبك وإلقائه في روعك خبر ما وقع بين بني إسرائيل في ذلك وغير ذلك. فضمير "نوحيه "راجع إلى الغيب: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم} أي قداحهم المبرية، فالسهام والأزلام التي يضربون بها القرعة ويقامرون تسمى أقلاما: {أيهم يكفل مريم} أي يستهمون بهذه الأقلام ويقترعون على كفالة مريم، حتى قرعهم زكريا فكان كافلها: {وما كنت لديهم إذ يختصمون} في ذلك ولم يتفقوا على كفالتها إلا بعد القرعة.

قال الأستاذ الإمام: أعقب هذه القصة بهذه الآية الناطقة بأنها من أنباء الغيب وأخر خبر إلقاء الأقلام لكفالة مريم وذكره في سياق نفي حضور النبي صلى الله عليه وسلم مجلس القوم ما جرى منهم. ولا بد لهذه العناية من نكتة وقد قالوا في بيانها: إن كونه صلى الله عليه وسلم لم يقرأ أخبار القوم ولم يروها سماعا عن أحد معلوم عند منكري نبوته فلم يبق له طريق للعلم بها إلا مشاهدتها فنفاها تهكما بهم وبذلك تعين أنه لم يبق له طريق لمعرفتها إلا وحي الله تعالى إليه بها. وهذا الجواب منقوض وإن اتفق عليه من نعرف من المفسرين وذلك أن القرآن نطق بأنهم قالوا: {إنما يعلمه بشر} [النحل: 103] و {قالوا أساطير الأولين اكتتبها} [الفرقان: 5].

قال: والصواب أن النكتة في النص على نفي حضور النبي القوم إذ يلقون أقلامهم أي بعد النص على كون القصة من أنباء الغيب هي أن المسألة لم تكن معلومة عند أهل الكتاب فيكون للمنكرين شبهة على أنه أخذها عنهم.

أقول: ويرد على هذا قوله تعالى في آخر قصة يوسف: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} [يوسف: 102] وإذا كان بعض المجاحدين قد ادعوا أنه يعلمه بشر فهذه الدعوى قد ردها القرآن بقوله: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} [النحل: 103] ورد أنهم قالوا هذا إذ رأوه يقف على قين (حداد) رومي بمكة وذلك القين لم يكن يحسن العربية، وأنى للقين بمثل هذا العلم؟ عرف العربية أم لم يعرفها.

فالقرآن لا يعتد بتلك الشبهة إذ الأمي الناشئ بين الأميين لا يمكن أن يتلقى أخبار الأولين من حداد ولا من عالم كحبر أو راهب بمجرد وقوفه عليه أو اجتماعه به ولو أمكن ذلك عادة أو عقلا لما كان لعاقل أن يثق بحفظ ذلك القين أو غير القين وبأماناته في النقل ولا يختلف أحد من المنكرين لنبوته صلى الله عليه وسلم في كمال عقله وسمو إدراكه وفطنته. ولا شك في أن إتيانه في هذه القصص بما لا يعرفه أهل الكتاب مما يؤكد دفع تلك الشبهة الواهية ويدعم ذلك الأصل الراسخ وهو كونه صلى الله عليه وسلم أميا نشأ بين أميين لا علم لهم بأخبار الأنبياء مع أممهم كما قال في سورة هود بعد ذكر قصة نوح عليه السلام: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} [هود: 49] وقد سمع كفار قريش هذه الآية وسائر سورتها ولم يقل أحد منهم بل كنا نعلمها. ومثل هذا قوله بعد ذكر قصة موسى وشعيب في سورة القصص: {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر} [القصص: 44] إلى آخر الآيات الثلاث.

أما المجاحدون من أهل الكتاب لا سيما دعاة النصرانية في هذا الزمان فهم يقولون فيما وافق القرآن به كتبهم أنه مأخوذ منها بدليل موافقته لها وفيما خالفها أنه غير صحيح بدليل أنه خالفها وفيما لم يوافقها ولم يخالفها به أنه غير صحيح لأنه لم يوجد عندنا، وهذا منتهى ما يكابر به مناظر وأبطل ما يرد به خصم على خصم. ويقول المسلمون إننا نحتج على أن ما جاء به القرآن هو الحق بما قام من الأدلة على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم مع حفظ كتابه ونقله بالتواتر الصحيح. ومن تلك الدلائل التي يشتمل عليها القرآن معرفة قصص الأنبياء مع كونه أميا لم يتعلم شيئا كما تقدم. فهي دليل على صحة نفسها وما جاء فيها مخالفا لما في الكتب السابقة نعده مصححا لما وقع فيها من الغلط والنسيان بانقطاع أسانيدها، حتى أن أعظمها وأشهرها كالأسفار المنسوبة إلى موسى عليه السلام لا يعرف كاتبها ولا زمن كتابتها ولا اللغة التي كتبت بها أولا. وقد تقدم الإلماع إلى ذلك من قبل.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

ولما أخبر الله نبيه بما أخبر به عن مريم، وكيف تنقلت بها الأحوال التي قيضها الله لها، وكان هذا من الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا بالوحي. قال {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم} أي: عندهم... {إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}... فلما أَخْبَرتَهُم يا محمد بهذه الأخبار التي لا علم لك ولا لقومك بها دل على أنك صادق وأنك رسول الله حقا، فوجب عليهم الانقياد لك وامتثال أوامرك، كما قال تعالى: {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر} الآيات...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

هذه قصة مريم في ولادتها، وتهيئتها للآية الكبرى الدالة على ان الخالق فاعل مختار،قد قصها الله جل شأنه في القرآن الذي جاء به أمي لا يقرأ ولا يكتب،لم يتعلم ولم يجلس إلى معلم، ولم يختلط باليهود والنصارى، وفوق ذلك هذه القصة لم تكتب في التوراة قط،ولم يتعرض لها الإنجيل، وجاء بها القرآن الكريم. وهي صادقة كل الصدق فمن أين جاء علم هذا إلى ذلك الأمي؟إنه من عند الله. أشار المولى إلى هذا المعنى بقوله: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك}... الإشارة إلى القصص الحكيم الذي شمل نذر أم مريم، وولادتها،وكفالة زكريا لها،ودعا زكريا وإجابة الله دعاءه،ولزوم مريم للعبادة،وخطاب الملائكة؛ فبين الله سبحانه وتعالى ان هذا القصص من أنباء الغيب،أي من الأخبار العظيمة الشأن التي اختص بها علم الله،وهي مغيبة عن الناس لم يدونها تاريخ،ولم يذكرها كتاب،فهي مغيبة عن علم الناس لا يعلمها أحد إلا من الله تعالى،وهي عظيمة الشأن في مجرى التاريخ الديني،وجرى الفكر الإنساني،... والأنباء جمع نبأ،والنبأ هو الخبر العظيم الشأن،فليس كل خبر يسمى نبأ،والغيب هو الأمر المغيب المستور الذي لا يعلم إلا من قبل الله تعالى...

وقوله: {نوحيه إليك} إشارة إلى موضع الصدق وهو انه بوحي من الله تعالى؛ وهو كالنتيجة لكون الموضوع مغيبا،لم يذكر في واقعة تاريخية ولا في كتاب ديني من قبل،لأنه إذا كان مغيبا عن الناس جميعا فعلمه لا يكون إلا من الله تعالى...

{وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون}... والاختصام معناه في الأصل ان يكون كل في خصم أي جانب،والاختصام هنا هو التنافس بينهم في كفالة مريم... والمعنى الجملي للنص الكريم: وما كنت لديهم أي عندهم إذ يختصمون ويتنافسون على كفالة مريم،كل يريدها في كنفه ورعايته،وما كنت لديهم إذ يحتكمون إلى القرعة،ليعرفوا بطريق التفويض للغيب أيهم يكفل مريم فتضم إليه،وقد ذكر سبحانه من قبل ان الكفالة بهذه القرعة آلت إلى زكريا عليه السلام،إذ قال من قبل: {وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا...37} [آل عمران]...

أن "لدى "معناها "عند، و"لدى" هنا تشير إلى معنى ليس في "عند"؛ ذلك انها تشير إلى عندية بعيدة غير حاضرة ولا قريبة في الزمن؛ فهي تشير إلى أن خبر مريم وولادتها خبر بعيد موغل في القدم بالنسبة للإنسان،فما كانت هذه العندية متصورة،وما كان لأحد ان يعلم ما عند القوم علم من يشاهد ويعاين؛ لأن كثيرا منها كان نفسيا قلبيا،وبعضه كان حسيا ماديا ولكن لم يعلم للناس...

ان هذه القصة ليست معلومة على هذا الوجه عند المسيحيين،ولا يسعهم تكذيبها؛ لأنها اقرب إلى العقول مما ينسبونه لمريم من انها كانت ذات بعل،أو مخطوبة او نحو ذلك،فما عندهم مدعاة للشك،وما ذكره القرآن مدعاة للصدق والطهر والنقاء،وهذا الذي يرشح للآية الكبرى بولادتها من غير حمل؛ فأي الخبرين أصدق قيلا؟... وهو ان هذه القصة بما تشير إليه الآية الكريمة: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم} تشير إلى بعض معاني الإعجاز في القرآن الكريم،وهو حكاية أخبار الأولين التي لم يكن يعلمها احد إلا رب العالمين،وهي حكاية دلائل الصدق فيها واضحة،وبينات الحق فيها لائحة؛ وإذا كان النبي لا يعلمها عن مشاهدة ولا عن سماع،فطريق العلم بها هو الله،وهذا يدل على ان القرآن من عند العزيز الحكيم،وهو سجل الشرائع السماوية الخالد إلى يوم القيامة،ولوكره الكافرون،كما قال منزله سبحانه: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون9} [الحجر]...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ} (44)

فيه أربع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ذلك من أنباء الغيب " أي الذي ذكرنا من حديث زكريا ويحيى ومريم عليهم السلام من أخبار الغيب . " نوحيه إليك " فيه دلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم ولم يكن قرأ الكتب ، وأخبر عن ذلك وصدقه أهل الكتاب بذلك ، فذلك قوله تعالى : " نوحيه إليك " فرد الكناية إلى " ذلك " فلذلك ذكر . والإيحاء هنا الإرسال إلى النبي صلى الله عليه وسلم . والوحي يكون إلهاما وإيماء وغير ذلك . وأصله في اللغة إعلام في خفاء ؛ ولذلك صار الإلهام يسمى وحيا ، ومنه " وإذ أوحيت إلى الحواريين " {[3084]} [ المائدة : 111 ] وقوله : " وأوحى ربك إلى النحل " {[3085]} [ النحل : 68 ] وقيل : معنى " أوحيت إلى الحواريين " أمرتهم ، يقال : وحى وأوحى ، ورمى وأرمى ، بمعناه . قال العجاج :

أوحى لها القرار فاستقرتِ

أي أمر الأرض بالقرار . وفي الحديث : ( الوحي الوحي ) وهو السرعة ، والفعل منه : توحيت توحيا . قال ابن فارس : الوحي الإشارة والكتابة والرسالة ، وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى يعلمه وحي كيف كان . والوحي : السريع . والوَحَى : الصَّوْت ، ويقال : استوحيناهم أي استصرخناهم . قال :

أوحيت ميمونا لها{[3086]} والأزراق

الثانية : قوله تعالى : " وما كنت لديهم " أي وما كنت يا محمد لديهم ، أي بحضرتهم وعندهم . " إذ يلقون أقلامهم " جمع قلم ، من قلمه إذا قطعه . قيل : قداحهم وسهامهم . وقيل : أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة ، وهو أجود ؛ لأن الأزلام قد نهى الله عنها فقال " ذلكم فسق " {[3087]} [ المائدة : 3 ] . إلا أنه يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على غير الجهة التي كانت عليها الجاهلية تفعلها . " أيهم يكفل مريم " أي يحضنها ، فقال زكريا : أنا أحق بها ، خالتها عندي . وكانت عنده أشيع بنت فاقود أخت حنة بنت فاقود أم مريم . وقال بنو إسرائيل : نحن أحق بها ، بنت عالمنا . فاقترعوا عليها وجاء كل واحد بقلمه ، واتفقوا أن يجعلوا الأقلام في الماء الجاري ، فمن وقف قلمه ولم يجره الماء فهو حاضنها . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فجرت الأقلام وعال قلم زكريا ) . وكانت آية له ؛ لأنه نبي تجري الآيات على يديه . وقيل غير هذا . و " أيهم يكفل مريم " ابتداء وخبر في موضع نصب بالفعل المضمر الذي دل عليه الكلام ، التقدير : ينظرون أيهم يكفل مريم . ولا يعمل الفعل في لفظ " أي " لأنها استفهام .

الثالثة : استدل بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات القرعة ، وهي أصل في شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة ، وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم وترتفع الظِّنَّة عمن يتولى قسمتهم ، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد اتباعا للكتاب والسنة . ورد العمل بالقرعة أبو حنيفة وأصحابه ، وردوا الأحاديث الواردة فيها ، وزعموا أنها لا معنى لها وأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها . وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوزها وقال : القرعة في القياس لا تستقيم ، ولكنا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنة . قال أبو عبيد : وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء : يونس وزكريا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم . قال ابن المنذر : واستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء ، فلا معنى لقول من ردها . وقد ترجم البخاري في آخر كتاب الشهادات ( باب القرعة في المشكلات وقول الله عز وجل " إذ يلقون أقلامهم " ) وساق حديث النعمان بن بشير : ( مثل القائم على حدود الله والمُدْهِن{[3088]} فيها مثل قوم استهموا على سفينة . . . ) الحديث . وسيأتي في " الأنفال " {[3089]} إن شاء الله تعالى ، وفي سورة " الزخرف " {[3090]} أيضا بحول الله سبحانه ، وحديث أم العلاء ، وأن عثمان بن مظعون طار لهم سهمه في السكنى حين اقترعت الأنصار سكنى المهاجرين ، الحديث ، وحديث عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها ، وذكر الحديث .

وقد اختلفت الرواية عن مالك في ذلك ، فقال مرة : يقرع للحديث . وقال مرة : يسافر بأوفقهن له في السفر . وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ) . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة . وكيفية القرعة مذكورة في كتب الفقه والخلاف . واحتج أبو حنيفة بأن قال : إن القرعة في شأن زكريا وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانت مما لو تراضوا عليه دون قرعة لجاز . قال ابن العربي : " وهذا ضعيف ؛ لأن القرعة إنما فائدتها استخراج الحكم الخفي عند التشاح{[3091]} ، فأما ما يخرجه التراضي فيه{[3092]} فباب آخر ، ولا يصح لأحد أن يقول : إن القرعة تجري مع موضع التراضي ، فإنها لا تكون أبدا مع التراضي " وإنما تكون فيما يَتَشَاحّ الناس فيه ويُضَن به . وصفة القرعة عند الشافعي ومن قال بها : أن تقطع رقاع صغار مستوية فيكتب في كل رقعة اسم ذي السهم ثم تجعل في بنادق طين مستوية لا تفاوت فيها ثم تجفف قليلا ثم تلقى في ثوب رجل لم يحضر ذلك ويغطي عليها ثوبه ثم يدخل ويخرج ، فإذا أخرج اسم رجل أعطي الجزء الذي أقرع عليه .

الرابعة : ودلت الآية أيضا على أن الخالة أحق بالحضانة من سائر القرابات ما عدا الجدة ، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم في ابنة حمزة - واسمها أمة الله - لجعفر وكانت عنده خالتها ، وقال : ( إنما الخالة بمنزلة الأم ) وقد تقدمت في البقرة هذه المسألة{[3093]} . وخرج أبو داود عن علي قال : خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة فقال جعفر : أنا آخذها أنا أحق بها ابنة عمي وخالتها عندي ، وإنما الخالة أم . فقال علي : أنا أحق بها ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أحق بها . وقال زيد : أنا أحق بها ، أنا خرجت إليها وسافرت وقدمت بها ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا قال : ( وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أم ) . وذكر ابن أبي خيثمة أن زيد بن حارثة كان وصي حمزة ، فتكون الخالة على هذا أحق من الوصي ويكون ابن العم إذا كان زوجا غير قاطع بالخالة في الحضانة وإن لم يكن محرما لها .


[3084]:- راجع جـ6 ص 363.
[3085]:- راجع جـ10 ص 133.
[3086]:- في نسخة: د، لهم.
[3087]:- راجع جـ6 ص 60.
[3088]:- كذا في نسخ الأصل، وهو لفظ البخاري عن النعمان في "كتاب المظالم". وروايته. في "كتاب الشهادات": "...مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل..." والمدهن الذي يرائي.
[3089]:- راجع جـ7 ص 392.
[3090]:- راجع جـ16 ص 86.
[3091]:- تشاح الخصمان: أراد كل أن يكون هو الغالب.
[3092]:- زيادة عن أحكام القرآن لابن العربي.
[3093]:- راجع جـ3 ص 164.