الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (39)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

إن الله جلّ ثناؤه، أخبر أن الملائكة نادته، والظاهر من ذلك أنها جماعة من الملائكة دون الواحد وجبريل واحد، فلن يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلا على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب، دون الأقلّ ما وجد إلى ذلك سبيل، ولم يضطرنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى واحد، فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفيّ من الكلام والمعاني.

{وَهُوَ قائمٌ يُصَلّي فِي المِحْرَابِ أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى}: فنادته الملائكة في حال قيامه مصليا. فقوله: {وَهُوَ قَائِمٌ} خبر عن وقت نداء الملائكة زكريا. وأما المحراب: [فهو] مقدم المسجد.

{أنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ} بتشديد الشين وضمّ الياء على وجه تبشير الله زكريا بالولد.

{بِيَحْيَى} فإنه اسم أصله يَفْعَل، من قول القائل: حي فلان فهو يحيا، وذلك إذا عاش فيحيى «يَفْعَل» من قولهم «حيي». وقيل: إن الله جلّ ثناؤه سماه بذلك لأنه يتأوّل اسمه أحياه بالإيمان. {مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ}: إن الله يبشرك يا زكريا بيحيى ابنا لك، {مُصَدّقا بِكَلِمَةٍ مِنَ الله}: يعني بعيسى ابن مريم، وعلى سننه ومنهاجه... كان أوّل رجل صدّق عيسى وهو كلمة من الله وروح.

{وَسَيّدا}: وشريفا في العلم والعبادة.

وتأويل الكلام: إن الله يبشرك بيحيى مصدّقا بهذا وسيدا، والسيد: من قول القائل: ساد يسود... في العبادة والحلم والعلم والورع... السيد: التقيّ... الكريم على الله... الفقيه العالم... الذي لا يغلبه الغضب.

{وَحَصُورا وَنَبِيّا مِنَ الصّالِحِينَ}: ممتنعا من جماع النساء من قول القائل: حصرت من كذا أحصر: إذا امتنع منه ومنه قولهم: حصر فلان في قراءته: إذا امتنع من القراءة فلم يقدر عليها، وكذلك حصر العدوّ: حبسهم الناس ومنعهم إياهم التصرّف.

وأصل جميع ذلك واحد: وهو المنع والحبس.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال ثني ابن العاص، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلّ بَنِي آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ، إلاّ ما كانَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيّا»، قال: ثم دلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إلى الأرض، فأخذ عويدا صغيرا، ثم قال: «وَذَلكَ أنّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما للرّجالِ إلاّ مِثْلَ هَذَا العودِ، وبذلك سماه الله سيدا وحصورا».

{وَحَصُورا}: هو الذي لا ماء له... الذي لا يقرب النساء.

{وَنَبِيّا مِنَ الصالِحِينَ}: رسولاً لربه إلى قومه، ينبئهم عنه بأمره ونهيه، وحلاله وحرامه، ويبلغهم عنه ما أرسله به إليهم. {مِنَ الصّالِحِينَ}: من أنبيائه الصالحين.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قيل: السيد: الذي يطيع ربه ولا يعصيه... {بيحيى}: قيل: سماه به لما حيي به الدين والمروءة، أو حيي به العلم والحكمة، أو حيي به الأخلاق الفاضلة والأفعال المرضية،... ولهذا، والله أعلم، سمي سيدا، لأن السود في الخلق يكسب بهذا النوع من الأحوال، وسمي مسيحا بالبركة، أو يبارك في كل شيء يمسه بيده نحو أن يبرأ به، ويحيى، والله أعلم. وحقيقة السود أنه يكتسب بالأخلاق الحسنة والأفعال المرضية. وجائز أن يكون عليه السلام جمعهما فيه، فسمي بهما، والله أعلم.

أحكام القرآن للجصاص 370 هـ :

قوله تعالى: {وَسَيِّداً وَحَصُوراً ونَبِيّاً مِنَ الصّالِحِينَ} يدل على أن غير الله تعالى يجوز أن يُسمَّى بهذا الاسم؛ لأن الله تعالى سَمَّى يحيى سيداً، والسيد هو الذي تَجِبُ طاعته؛ وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للأنصار حين أقبل سعد بن معاذ للحُكْمِ بينه وبين بني قُرَيْظة:"قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ"؛ وقال صلى الله عليه وسلم للحسن: "إنَّ ابْني هَذَا سَيِّدٌ"؛ ... وقال لبني سَلِمَةَ: "مَنْ سَيِّدُكُمْ يا بني سَلِمَةَ؟ "قالوا: الحرّ بن قيس على بُخْلٍ فيه، قال: "وأيّ دَاءٍ أدْوَى مِنَ الْبُخْلِ! ولَكِنْ سَيِّدُكُمْ الجَعْدُ الأَبْيَضُ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ"...

فهذا كله يدل على أن من تجب طاعته يجوز أن يسمَّى سيداً. وليس السيد هو المالَك فحسب؛ ... وقد رُوي أن وفد بني عامر قَدِمُوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنت سيدنا وذو الطَّوْلِ علينا! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "السَّيِّدُ هو اللهُ تَكَلَّمُوا بكَلاَمِكُمْ ولا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ"، وقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم أفضل السادة من بني آدم، ولكنه رآهم متكلّفين لهذا القول، فأنكره عليهم، كما قال:"إنَّ أَبْغَضَكُمْ إليَّ الثَّرْثَارُونَ المُتَشَدِّقُونَ المُتَفَيْهقُونَ"، فكره لهم تكلُّفَ الكلام على وجه التّصنّع...

وقد رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تَقُولُوا للمُنَافِقِ سَيِّداً فإنّه إنْ يَكُ سَيِّداً فَقَدْ هَلِكْتُمْ"، فنهى أن يُسَمَّى المنافق سيداً، لأنه لا تجب طاعته...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

واختلفوا في تسميته كلمة من الله على قولين: أحدهما: أنه خلقه بكلمته من غير أب. والثاني: أنه سُمِيَ بذلك لأن الناس يهتدون به في دينهم كما يهتدون بكلام الله عز وجل...

وسَيِّداً} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه الخليفة. والخامس: سيد المؤمنين، يعني بالرياسة عليهم...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

لما سأل السؤال، ولازم الباب أَتَتْهُ الإجابةُ. وفيه إشارة إلى أن من له إلى الملوك حاجة فعليه بملازمة الباب إلى وقت الإجابة...

"مصدقاً بكلمة من الله": أن تصديقه بكلمة "الله "فيما تعبده به، أو هو مكوَّن بكلمة الله...

"وَسَيِّدًا": السيدُ من ليس في رق مخلوق، تحرَّر عن أسر هواه وعن كل مخلوق، ويقال:السيد: من تحقق بعلويته سبحانه، ويقال السيد من فاق أهل عصره، وكذلك كان يحيى عليه السلام...

"وَحَصُورًا": أي مُعْتَقاً من الشهوات، مكفياً أحكام البشرية مع كونه من جملة البشر...

{وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ}: مستحقاً لبلوغ رتبتهم...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

فما الذي كان من هذا الدعاء الخاشع الحار المنيب؟ كانت الاستجابة التي لا تتقيد بسن، ولا تتقيد بمألوف الناس؛ لأنها تنطلق من المشيئة المطلقة التي تفعل ما تريد: (فنادته الملائكة -وهو قائم يصلي في المحراب- أن الله يبشرك بيحيى، مصدقا بكلمة من الله. وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين)...

. لقد استجيبت الدعوة المنطلقة من القلب الطاهر، الذي علق رجاءه بمن يسمع الدعاء؛ ويملك الإجابة حين يشاء. وبشرت الملائكة زكريا بمولود ذكر، اسمه معروف قبل مولده؛ " يحيى"؛ وصفته معروفة كذلك: سيدا كريما، وحصورا يحصر نفسه عن الشهوات، ويملك زمام نزعاته من الانفلات. ومؤمنا مصدقا بكلمة تأتيه من الله. ونبيا صالحا في موكب الصالحين...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

قوله: {فنادته الملائكة} للتعقيب أي استجيبت دعوته للوقت. وقوله: {وهو قائم} جملة حالية والمقصود من ذكرها بيان سرعة إجابته؛ لأنّ دعاءه كان في صلاته...

والسيد فَيْعِل من سَاد يسود إذا فاق قومه في محامد الخصال حتى قدموه على أنفسهم، واعترفوا له بالفضل...

والسيّد في اصطلاح الشرع من يقوم بإصلاح حال الناس في دنياهم وأخراهم معاً...

وفي الحديث "أَنا سيّد ولد آدم ولا فخر "وفيه « إنّ ابني هذا سيّد» يعني الحسنَ بن علي فقد كان الحسنُ جامعاً خصال السؤدد الشرعي، وحسبك من ذلك أنّه تنازل عن حق الخلافة لجمع كلمة الأمة، ولإصلاح ذات البين،...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

قوله تعالى: {أن الله يبشرك بيحيى}... واقتران التبشير بالتسمية بيحيى للإشارة إلى ان ذلك المولود سيحيى اسمه وذكره بعد موته،وبذلك تتحقق الإجابة الكاملة للدعاء،إذ قال كما في سورة مريم {يرثني ويرث آل يعقوب واجعله رب رضيا} [مريم 6]. وقد أجاب المولى القدير كل دعاء زكريا،فكان المبشر به رضيا في خلقه ودينه؛ ولذا قال سبحانه في وصفه: {مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين}... والسيد فيعل من السيادة،وهي الشرف والتفوق والعلو،وتبتدئ السيادة بسيادة الإنسان على نفسه بأن يملك زمامها،ويضبطها ويأخذ بعنانها،فلا تذل،ولا تتكبر ولا تجمح،ولا يزال يترقى في معنى السيادة من ضبط النفس والعلو عن سفساف الأمور،والاستغناء عما في هذا المصر؟فقيل له:الحسن البصري فقال:وبم ساده؟قيل استغنى عما في أيدي الناس،واحتاج الناس إلى ما في يده،فقال:ذلك هو السيد حقا. فكلمة السيد في النص القرآني الكريم تتضمن كل معاني السؤدد ومكارم الأخلاق...

أنه نبي من الصالحين،وفي هذا بشارة أخرى لزكريا بأن الله سيختار ابنه نبيا؛ فإن الوصاف السابقة فيها إجابة لدعائه،ولكن الله سبحانه وتعالى من عليه بأعظم مما دعا به، وأعطاه النبوة وقوله {ومن الصالحين} إشارة إلى موطن النبوة.وموضع اختيارها،والله سبحانه وتعالى اعلم حيث يجعل رسالته،وهو سبحانه وتعالى لا يختارهم إلا من الصالحين،فالله سبحانه يقيهم الانغماس في الشر قبل النبوة،ويعصمهم عن المعاصي بعدها...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

إن زكريا قد دعا الله في الأمر الذي حزبه، وبمجرد أن دعا في الأمر الذي حزبه، قام إلى الصلاة، فنادته الملائكة، وهو قائم يصلي، إن الملائكة لم تنتظر إلى أن ينتهي من صلاته، {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ}...

والبشارة هي إخبار بخير زمنه لم يأت، فإذا كانت البشارة بخير زمنه لم يأت فلنر من الذي يخبر بالبشارة؟ أمن يقدر على إيجاده أم من لا يقدر؟ فإذا كان الله هو الذي يبشر، فهو الذي يقدر، لذلك فالمبشر به قادم لا محالة، {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} لقد قال له الله: سأعطيك. وزيادة على العطاء سماه الله ب {يَحْيَى} وفوق كل ذلك: {مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ}...

ولننظر إلى دقة الحق حين يقول: {بِيَحْيَى مُصَدِّقاً}. هذا دليل على أنه سيعيش بمنهج الله وما يعرفه من الطاعات سيسير في هذا الطريق وهو مصدق، وهو سيأتي بكلمة من الله، أو هو يأتي ليصدق بكلمة من الله، لأن سيدنا يحيى هو أول من آمن برسالة عيسى عليه السلام...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (39)

قوله تعالى : " فنادته الملائكة " قرأ حمزة والكسائي " فناداه " بالألف على التذكير ويميلانها ؛ لأن أصلها الياء ، ولأنها رابعة . وبالألف قراءة ابن عباس وابن مسعود ، وهو اختيار أبي عبيد . وروي عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال : كان عبد الله يذكر الملائكة في كل{[3046]} القرآن . قال أبو عبيد : نراه اختار ذلك خلافا على المشركين لأنهم قالوا : الملائكة بنات الله . قال النحاس : هذا احتجاج لا يحصل منه شيء ؛ لأن العرب تقول : قالت الرجال ، وقال الرجال ، وكذا النساء ، وكيف يحتج عليهم بالقرآن ، ولو جاز أن يحتج عليهم بالقرآن بهذا لجاز أن يحتجوا بقوله تعالى : " وإذ قالت الملائكة " ولكن الحجة عليهم في قوله عز وجل : " أشهدوا خلقهم " {[3047]} [ الزخرف : 19 ] أي فلم يشاهدوا ، فكيف يقولون إنهم إناث فقد علم أن هذا ظن وهوى . وأما " فناداه " فهو جائز على تذكير الجمع ، " ونادته " على تأنيث الجماعة . قال مكي : والملائكة ممن يعقل في التكسير فجرى في التأنيث مجرى ما لا يعقل ، تقول : هي الرجال ، وهي الجذوع ، وهي الجِمال ، وقالت الأعراب . ويقوي ذلك قوله : " وإذ قالت الملائكة " وقد ذكر في موضع آخر فقال : " والملائكة باسطو أيديهم " {[3048]} [ الأنعام : 93 ] وهذا إجماع . وقال تعالى : " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب " {[3049]} [ الرعد : 23 ] فتأنيث هذا الجمع وتذكيره حسنان . وقال السدي : ناداه جبريل وحده ، وكذا في قراءة ابن مسعود . وفي التنزيل " ينزل الملائكة بالروح من أمره " {[3050]} يعني جبريل ، والروح الوحي . وجائز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع . وجاء في التنزيل " الذين قال لهم الناس " {[3051]} [ آل عمران : 173 ] يعني نعيم بن مسعود ، على ما يأتي . وقيل : ناداه جميع الملائكة ، وهو الأظهر . أي جاء النداء من قبلهم .

قوله تعالى : " وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك " " وهو قائم " ابتداء وخبر " يصلي " في موضع رفع ، وإن شئت كان نصبا على الحال من المضمر . " أن الله " أي بأن الله . وقرأ حمزة والكسائي{[3052]} " إن " أي قالت إن الله ، فالنداء بمعنى القول . " يبشرك " بالتشديد قراءة أهل المدينة . وقرأ حمزة " يَبْشُرُك " مخففا ؛ وكذلك حميد بن القيس المكي إلا أنه كسر الشين وضم الياء وخفف الباء . قال الأخفش : هي ثلاث لغات بمعنى واحد .

دليل الأولى هي قراءة الجماعة أن ما في القرآن من هذا من فعل ماض أو أمر فهو بالتثقيل ، كقوله تعالى : " فبشر عباد " {[3053]} [ الزمر : 17 ] " فبشره بمغفرة " [ يس : 11 ] " فبشرناها بإسحاق " {[3054]} [ هود : 71 ] " قالوا بشرناك بالحق " {[3055]} [ الحجر : 55 ] . وأما الثانية وهي قراءة عبدالله بن مسعود فهي من بَشَر{[3056]} يَبْشُر وهي لغة تهامة ؛ ومنه قول الشاعر :

بشرتُ عِيالي إذ رأيت صحيفة *** أتتك من الحجاج يُتْلَى كتابها

وقال آخر{[3057]} :

وإذا رأيت الباهشين{[3058]} إلى النَّدَى *** غُبْراً أكفُّهُمُ بقاعٍ مُمْحِلِ

فأعِنْهُم وابشَرْ بما بَشِروا به *** وإذا هم نزلوا بضنك فانزلِ

وأما الثالثة فهي من أبشر يُبشر إبشارا قال :

يا أم عمرو أبشري بالبشرى *** موتٌ ذريعٌ وجراد عَظْلَى{[3059]}

قوله تعالى : " بيحيى " كان اسمه في الكتاب الأول حيا ، وكان اسم سارة زوجة إبراهيم عليه السلام بسارة ، وتفسيره بالعربية لا تلد ، فلما بشرت بإسحاق قيل لها : سارة ، سماها بذلك جبريل عليه السلام . فقالت : يا إبراهيم لم نقص من اسمي حرف ؟ فقال إبراهيم ذلك لجبريل عليهما السلام . فقال : ( إن ذلك الحرف زيد في اسم ابن لها من أفضل الأنبياء اسمه حيي وسمي بيحيى ) . ذكره النقاش . وقال قتادة : سمي بيحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان والنبوة . وقال بعضهم : سمي بذلك لأن الله تعالى أحيا به الناس بالهدى . وقال مقاتل : اشتق اسمه من اسم الله تعالى حي فسمي يحيى . وقيل : لأنه أحيا به رحم أمه .

قوله تعالى : " مصدقا بكلمة من الله " يعني عيسى في قول أكثر المفسرين . وسمي عيسى كلمة لأنه كان بكلمة الله تعالى التي هي " كن " فكان من غير أب . وقرأ أبو السمال العدوي " بكِلْمة " مكسورة الكاف ساكنة اللام في جميع القرآن ، وهي لغة فصيحة مثل كِتْف وفِخْذ . وقيل : سمي كلمة ؛ لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بكلام الله تعالى . وقال أبو عبيد : معنى " بكلمة من الله " بكتاب من الله . قال : والعرب تقول أنشدني كلمة أي قصيدة ، كما روي أن الحويدرة{[3060]} ذكر لحسان فقال : لعن الله كلمته ، يعني قصيدته . وقيل غير هذا من الأقوال . والقول الأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر . و " يحيى " أول من آمن بعيسى عليهما السلام وصدقه ، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين ويقال بستة أشهر . وكانا ابني خالة ، فلما سمع زكريا شهادته قام إلى عيسى فضمه إليه وهو في خرقه . وذكر الطبري أن مريم لما حملت بعيسى حملت أيضا أختها بيحيى ، فجاءت أختها زائرة فقالت : يا مريم أشعرت أني حملت ؟ فقالت لها مريم : أشعرت أنت أني حملت ؟ فقالت لها : وإني لأجد ما في بطني يسجد لما في بطنك . وذلك أنه روي أنها أحست جنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم . قال السدي : فذلك قوله " مصدقا بكلمة من الله " . " ومصدقا " نصب على الحال . " وسيدا " السيد : الذي يسود قومه وينتهى إلى قوله ، وأصله سَيْوِد يقال : فلان أسود من فلان ، أفعل من السيادة ، ففيه دلالة على جواز تسمية الإنسان سيدا كما يجوز أن يسمى عزيزا أو كريما . وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبني قريظة : ( قوموا إلى سيدكم ) . وفي البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحسن : ( إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ) وكذلك كان ، فإنه لما قتل علي رضي الله عنه بايعه أكثر من أربعين ألفا وكثير ممن تخلف عن أبيه وممن نكث بيعته ، فبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراءها من خراسان ، ثم سار إلى معاوية في أهل الحجاز والعراق وسار إليه معاوية في أهل الشام ، فلما تراءى الجمعان بموضع يقال له " مَسْكِن " من أرض السواد بناحية الأنبار كره الحسن القتال لعلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى تهلك أكثر الأخرى فيهلك المسلمون ، فسلم الأمر إلى معاوية على شروط شرطها عليه ، منها : أن يكون الأمر له من بعد معاوية ، فالتزم كل ذلك معاوية فصدق قوله عليه السلام : ( إن ابني هذا سيد ) ولا أسود ممن سوده الله تعالى ورسوله . قال قتادة في قوله تعالى " وسيدا " قال : في العلم والعبادة . ابن جبير والضحاك : في العلم والتقى . مجاهد : السيد الكريم . ابن زيد : الذي لا يغلبه الغضب . وقال الزجاج : السيد الذي يفوق أقرانه في كل شيء من الخير . وهذا جامع . وقال الكسائي : السيد من المَعِز المسِن . وفي الحديث ( ثني من الضأن خير من السيد المعز ) . قال :

سواءٌ عليه شاةُ عام دَنتْ له *** ليذبحها للضيف أم شاةُ سيد

قوله : " وحصورا " أصله من الحصر وهو الحبس . حصرني الشيء وأحصرني إذا حبسني . قال ابن ميادة :

وما هُجر ليلى أن تكون تباعدت *** عليك ولا أن أحصرتك شُغُولُ

وناقة حصور : ضيقة الإحليل . والحصور الذي لا يأتي النساء كأنه محجم عنهن ؛ كما يقال : رجل حصور وحصير إذا حبس رفده ولم يخرج ما يخرجه الندامى . يقال : شرب القوم فحصر عليهم فلان ، أي بخل ، عن أبي عمرو . قال الأخطل :

وشاربٍ مربحٍ بالكأس نادمني *** لا بالحَصُورِ ولا فيها بِسَوَّارِ{[3061]}

وفي التنزيل " وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا " {[3062]} [ الإسراء : 8 ] أي محبسا . والحصير الملك لأنه محجوب . وقال لبيد :

وقُمَاقِمٌ{[3063]} غُلْب الرقاب كأنهم *** جِنٌّ لدى باب الحصير قِيَام

فيحيى عليه السلام حصور ، فعول بمعنى مفعول لا يأتي النساء ، كأنه ممنوع مما يكون في الرجال ، عن ابن مسعود وغيره . وفعول بمعنى مفعول كثير في اللغة ، من ذلك حلوب بمعنى محلوبة ، قال الشاعر :

فيها اثنتان وأربعون حلوبةً *** سُوداً كخافية الغراب الأَسْحَمِ{[3064]}

وقال ابن مسعود أيضا وابن عباس وابن جبير وقتادة وعطاء وأبو الشعثاء والحسن والسدي وابن زيد : هو الذي يكف عن النساء ولا يقربهن مع القدرة . وهذا أصح الأقوال{[3065]} لوجهين : أحدهما أنه مدح وثناء عليه ، والثناء إنما يكون عن الفعل المكتسب دون الجبلة في الغالب . الثاني أن فعولا في اللغة من صيغ الفاعلين ، كما قال{[3066]} :

ضَروب بنصل السيف سوقَ سمانها *** إذا عدموا زادا فإنك عاقر

فالمعنى أنه يحصر نفسه عن الشهوات . ولعل هذا كان شرعه ، فأما شرعنا فالنكاح ، كما تقدم . وقيل : الحصور العِنِّين الذي لا ذكر له يتأتى له به النكاح ولا ينزل ، عن ابن عباس أيضا وسعيد بن المسيب والضحاك . وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ) - ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى قَذاةٍ{[3067]} من الأرض فأخذها وقال : ( كان ذَكَره هكذا{[3068]} مثل هذه القذاة ) . وقيل : معناه الحابس نفسه عن معاصي الله عز وجل . و " نبيا من الصالحين " قال الزجاج : الصالح الذي يؤدي لله ما افترض عليه ، وإلى الناس حقوقهم .


[3046]:- زيادة عن إعراب القرآن للنحاس.
[3047]:- راجع جـ16 ص 73.
[3048]:- راجع جت7 ص 39.
[3049]:- راجع جـ9 ص 312.
[3050]:- راجع جـ10 ص 67.
[3051]:- راجع ص 279 من هذا الجزء.
[3052]:- كذا في الأصل وإعراب القرآن للنحاس، والذي في البحر وغرائب القرآن للنيسابوري وابن عطية: وقرأ ابن عامر وحمزة "إن الله" بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بفتح الهمزة.
[3053]:- راجع جـ15 ص 243. و ص 11 و ص 112. وفي أكثر الأصول: "عبادي" بالياء وهو رسم ورش في مصاحف المغرب.
[3054]:- راجع جـ9 ص 69.
[3055]:- راجع جـ10 ص 35.
[3056]:- كذا في الأصول والبغوي. والذي في البحر وابن عطية: "وفي قراءة عبد الله بن مسعود يبشرك بضم الياء وتخفيف الشين المكسورة من أبشر، وهكذا قرأ في كل القرآن".
[3057]:- هو عطية بن زيد، وقال ابن بري هو لعبد القيس بن خفاف البرجمي. (عن اللسان).
[3058]:- قال أبو عبيدة: يقال للإنسان إذا نظر إلى شيء فأعجبه واشتهاه فتناوله وأسرع نحوه وفرح به: بهش إليه.
[3059]:- جراد عاظلة وعظلى: لا تبرح. في اللسان: "أراد أن يقول: يا أم عامر فلم يستقم له البيت فقال: يا أم عمرو، وأم عامر كنية الضبع: ومن كلامهم للضبع: أبشري بجراد عظلى، وكم رجال قتلى".
[3060]:- الحويدرة تصغير الحادرة وهو لقب غلب عليه، واسمه قطبة بن محصن بن جرول. ويعني حسان بن ثابت رضي الله عنه قصيدته التي مطلعها: بكرت سمية غدونا فتمتعي *** وغدت غدوّ مفارق لم يربع. (راجع المفضليات ص 48 طبع أوروبا وكتاب الأغاني جـ3 ص 270 طبع دار الكتب المصرية).
[3061]:- سوار: معربد وثاب. وقد روي "سآر" بوزن سعار، أي أنه لا يسئر في الإناء سؤرا بل يشتفه كله.
[3062]:- راجع جـ10 ص 224.
[3063]:- القماقم من الرجال: السيد الكثير الخير الواسع الفضل. والقماقم العدد الكثير.
[3064]:- البيت لعنترة العبسي في معلقته. والخوافي: أواخر ريش الجناح مما يلي الظهر.
[3065]:- كذا في د. قلت: هذا هو اللائق بالعصمة النبوية.
[3066]:- البيت لأبي طالب بن عبد المطلب. مدح رجلا بالكرم فيقول: يضرب بسيفه سوق السمان من الإبل للأضياف إذا عدموا الزاد ولم يظفروا بجواد لشدة الزمان وكلبه، وكانوا إذا أرادوا نحر الناقة ضربوا ساقها بالسيف. فخرت ثم نحروها. (عن شرح الشواهد).
[3067]:- القذاة: ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك.
[3068]:- من د.