المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (107)

107- وما أرسلناك - أيها النبي - إلا لتكون رحمة عامة للعالمين .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (107)

قوله تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين } قال ابن زيد : يعني رحمة للمؤمنين خاصة فهو رحمة لهم . وقال ابن عباس : هو عام في حق من آمن ومن لم يؤمن فمن آمن فهو رحمة له في الدنيا والآخرة ، ومن لم يؤمن فهو رحمة له في الدنيا بتأخير العذاب عنهم ورفع المسخ والخسف والاستئصال عنهم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما أنا رحمة مهداة " .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (107)

ثم أثنى على رسوله ، الذي جاء بالقرآن فقال : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } فهو رحمته المهداة لعباده ، فالمؤمنون به ، قبلوا هذه الرحمة ، وشكروها ، وقاموا بها ، وغيرهم كفرها ، وبدلوا نعمة الله كفرا ، وأبوا رحمة الله ونعمته .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (107)

ثم بين - سبحانه - أن من مظاهر فضله على الناس أن أرسل إليهم نبيه - صلى الله عليه وسلم - ليكون رحمة لهم فقال : { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } .

أى : وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - بهذا الدين الحنيف وهو دين الإسلام ، إلا من أجل أن تكون رحمة للعالمين من الإنس والجن .

وذلك لأننا قد أرسلناك بما يسعدهم فى دينهم وفى دنياهم وفى آخرتهم متى اتبعوك ، واستجابوا لما جئتهم به ، وأطاعوك فيما تأمرهم به أو تنهاهم عنه .

وفى الحديث الشريف : " إنما أنا رحمة مهداة " فرسالته - صلى الله عليه وسلم - رحمة فى ذاتها ، ولكن هذه الرحمة انتفع بها من استجاب لدعوتها ، أما من أعرض عنها فهو الذى ضيع على نفسه فرصة الانتفاع .

ورحم الله صاحب الكشاف فقد وضح هذا المعنى فقال : أرسل - صلى الله عليه وسلم - " رحمة للعالمين " لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه ، ومن خالف ولم يتبع ، فإنما أتى من عند نفسه ، حيث ضيع نصيبه منها . ومثاله : أن يفجر الله عينا عذيقة - أى : كبيرة عذبه - ، فيسقى ناس زرعهم ، ومواشيهم بمائها فيفلحوا ، ويبقى ناس مفرطون فيضيعوا . فالعين المفجرة فى نفسها نعمة من الله - تعالى - ورحمة للفريقين . ولكن الكسلان محنة على نفسه ، حيث حرمها ما ينفعها " .

 
تفسير القرآن العظيم لابن كثير - ابن كثير [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (107)

وقوله [ تعالى ]{[19929]} : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } : يخبر تعالى أن الله جَعَل محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ، أي : أرسله رحمة لهم كلّهم ، فمن قَبِل هذه الرحمةَ وشكَر هذه النعمةَ ، سَعد في الدنيا والآخرة ، ومن رَدّها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ{[19930]} الْقَرَارُ } [ إبراهيم : 28 ، 29 ] ، وقال الله تعالى في صفة القرآن : { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } [ فصلت : 44 ] .

وقال مسلم في صحيحه : حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا مروان الفَزَاريّ ، عن يزيد بن كَيْسَان ، عن ابن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قيل : يا رسول الله ، ادع على المشركين ، قال : " إني لم أبعَثْ لَعَّانًا ، وإنما بُعثْتُ رحمة " . انفرد بإخراجه مسلم{[19931]} .

وفي الحديث الآخر : " إنما أنا رحمة مهداة " . رواه عبد الله بن أبي عرابة ، وغيره ، عن وَكِيع ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا{[19932]} قال إبراهيم الحربي : وقد رواه غيره عن وكيع ، فلم يذكر أبا هريرة{[19933]} . وكذا قال البخاري ، وقد سئل عن هذا الحديث ، فقال : كان عند حفص بن غياث مرسلا .

قال الحافظ ابن عساكر : وقد رواه مالك بن سُعَير بن الْخِمْس ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا{[19934]} . ثم ساقه من طريق أبي بكر بن المقرئ وأبي أحمد الحاكم ، كلاهما عن بكر بن محمد بن إبراهيم الصوفي : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، عن أبي أسامة ، عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس{[19935]} بن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما أنا رحمة مهداة " .

ثم أورده من طريق الصَّلْت بن مسعود ، عن سفيان بن عيينة ، عن مِسْعَر{[19936]} ، عن سعيد بن خالد ، عن رجل ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله بعثني رحمة مهداة ، بُعثْتُ برفع قوم وخفض آخرين " {[19937]} .

قال أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن محمد بن نافع الطحان ، حدثنا أحمد بن صالح قال : وجدت كتابًا بالمدينة عن عبد العزيز الدّراوردي وإبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف ، عن محمد بن صالح التمار ، عن ابن [ شهاب ]{[19938]} عن محمد بن جُبَير بن مطعم ، عن أبيه قال : قال أبو جهل حين قدم [ مكة ]{[19939]} منصرفة عن حَمْزَة : يا معشر قريش ، إن محمدًا نزل يثرب وأرسل طلائعه ، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئا ، فاحذروا أن تمروا طريقَه أو تقاربوه{[19940]} ، فإنه كالأسد الضاري ؛ إنه حَنِق عليكم ؛ لأنكم نفيتموه نفي القِرْدَان عن المناسم{[19941]} والله إن له لَسحْرَةً ، ما رأيته قط ولا أحدًا من أصحابه إلا رأيت معهم الشيطان ، وإنكم قد عرفتم عداوة ابني قَيلَةَ - يعني : الأوس والخزرج - لهو عدو استعان بعدو ، فقال له مطعم بن عدي : يا أبا الحكم ، والله ما رأيتُ أحدًا أصدقَ لسانًا ، ولا أصدق موعدًا ، من أخيكم الذي طردتم ، وإذ فعلتم الذي فعلتم فكونوا أكف الناس عنه . قال [ أبو سفيان ]{[19942]} بن الحارث : كونوا أشدّ ما كنتم عليه ، إن{[19943]} ابني قيلَةَ إن ظفَرُوا بكم لم يرْقُبوا فيكم إلا ولا ذمة ، وإن أطعتموني ألجأتموهم خير كنابة ، أو تخرجوا محمدًا

من بين ظهرانيهم ، فيكون وحيدا مطرودا ، وأما [ ابنا قَيْلة فوالله ما هما ]{[19944]} وأهل [ دهلك ]{[19945]} في المذلة إلا سواء وسأكفيكم حدهم ، وقال :

سَأمْنَحُ جَانبًا منّي غَليظًا *** عَلَى مَا كَانَ مِنْ قُرب وَبُعْد

رجَالُ الخَزْرَجيَّة أهْلُ ذُل *** إذا مَا كَانَ هَزْل بَعْدَ جد .

فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال : " والذي نفسي بيده ، لأقتلنهم ولأصلبَنَّهم ولأهدينهم وهم كارهون ، إني رحمة بعثني الله ، ولا يَتَوفَّاني حتى يظهر الله دينه ، لي خمسة أسماء : أنا محمد ، وأحمد ، وأنا الماحي الذي يمحي الله بي الكفر ، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي ، وأنا العاقب " {[19946]} .

وقال أحمد بن صالح : أرجو أن يكون الحديث صحيحًا .

وقال الإمامُ أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو ، حدثنا زائدة ، حدثني عَمْرو بن قَيس ، عن عمرو بن أبي قُرّة الكِنْديّ قال : كان حُذيفةُ بالمدائن ، فكان يذكر أشياء قالها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء حذيفةُ إلى سَلْمان فقال سلمان : يا حذيفةَ ، إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم [ كان يغضب فيقول ، ويرضى فيقول : لقد علمت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ]{[19947]} خطَب فقال : " أيما رجل من أمتي سَبَبتُه [ سَبَّةً ]{[19948]} في غَضَبي أو لعنته لعنةً ، فإنما أنا رجل من ولد آدم ، أغضب كما يغضبون ، وإنما بعثني رحمةً للعالمين ، فاجعلها صلاة عليه يوم القيامة " .

ورواه أبو داود ، عن أحمد بن يونس ، عن زائدة{[19949]} .

فإن قيل : فأيّ رحمة حصلت لمن كَفَر به ؟ فالجواب ما رواه أبو جعفر بن جرير : حدثنا إسحاق بن شاهين ، حدثنا إسحاق الأزرق ، عن المسعودي ، عن رجل يقال له : سعيد ، عن سعيد بن جُبَير ، عن ابن عباس في قوله : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } قال : من آمن بالله واليوم الآخر ، كُتِبَ له الرحمة في الدنيا والآخرة ، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عُوِفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف{[19950]} .

وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، من حديث المسعودي ، عن أبي سعد - وهو سعيد بن المرزبان البقّال - عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، فذكره بنحوه ، والله أعلم .

وقد رواه أبو القاسمُ الطبراني عن عبدان بن أحمد ، عن عيسى بن يونس الرَمْلِي ، عن أيوب ابن سُوَيد ، عن المسعودي ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جُبَير ، عن ابن عباس : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } قال : من تبعه كان له رحمة في الدنيا والآخرة ، ومن لم يتبعه عُوفِي مما كان يبتلى به سائر الأمم من الخسف والقذف{[19951]} .


[19929]:- زيادة من ت ، وفي ف ، أ : "عز وجل".
[19930]:- في ت ، ف ، أ : "فبئس".
[19931]:- صحيح مسلم برقم (2559).
[19932]:- رواه أبو الحسن السكري في "الفوائد المنتقاة" (157/2). كما في السلسلة الصحيحة (1/803) للألباني - حدثنا عبد الله بن محمد ابن أسد ، حدثنا حاتم بن منصور الشاشي قال : حدثنا عبد الله بن أبي عرابة الشاشي به. ورواه غيره متصلا : فرواه عبد الله بن نصر الأصم عن وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا. خرجه ابن عدي في الكامل (4/231) من طريق عمر بن سنان عن عبد الله بن نصر.وقال : "هكذا حدثناه عمر بن سنان عن عبد الله بن نصر عن وكيع عن الأعمش، وهذا غير محفوظ عن وكيع عن الأعمش ، إنما يرويه مالك بن سعيد عن الأعمش ، وعبد الله بن نصر هذا له غير ما ذكرت مما أنكرت عليه".
[19933]:- رواه ابن أبي شيبة في المصنف (11/504) عن وكيع مرسلا ، ورواه ابن سعد في الطبقات (1/182) عن وكيع مرسلا ، ورواه البيهقي في دلائل النبوة (1/157) من طريق إبراهيم بن عبد الله عن وكيع مرسلا.
[19934]:- ورواه البزار في مسنده برقم (2369) "كشف الأستار" والبيهقي في دلائل النبوة (1/158) من طريق زياد بن يحيى عن مالك بن سعيد به ، وقال البزار : "لا نعلم أحدا وصله إلا مالك بن سعيد ، وغيره يرسله".
[19935]:- في ت ، أ : "حسن".
[19936]:- في أ : "عن شعبة".
[19937]:- وذكره السيوطي في الجامع الصغير ورمز له الألباني بالضعف.
[19938]:- زيادة من أ.
[19939]:- زيادة من أ.
[19940]:- في ت : "أو تحاربوه".
[19941]:- في أ : "الناس".
[19942]:- زيادة من أ.
[19943]:- في ت : "فإن".
[19944]:- زيادة من ت ، أ.
[19945]:- زيادة من ت ، أ.
[19946]:- المعجم الكبير (2/123).
[19947]:- زيادة من ت ، أ ، والمسند.
[19948]:- زيادة من ت ، أ ، والمسند.
[19949]:المسند (5/437) وسنن أبي داود برقم (4659).-
[19950]:- تفسير الطبري (17/83).
[19951]:- المعجم الكبير (12/23).
 
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري - الطبري [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (107)

وقوله : وَما أرْسَلْناكَ إلاّ رَحْمَةً للْعَالَمِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وما أرسلناك يا محمد إلى خلقنا إلا رحمة لمن أرسلناك إليه من خلقي .

ثم اختلف أهل التأويل في معنى هذه الاَية ، أجميع العالم الذي أرسل إليهم محمد أُريد بها مؤمنهم وكافرهم ؟ أم أريد بها أهل الإيمان خاصة دون أهل الكفر ؟ فقال بعضهم : عُني بها جميع العالم المؤمن والكافر . ذكر من قال ذلك :

حدثني إسحاق بن شاهين ، قال : حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق ، عن المسعوديّ ، عن رجل يقال له سعيد ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس ، في قول الله في كتابه : وَما أرْسَلْناكَ إلاّ رَحْمَةً للْعَالَمِينَ قال : من آمن بالله واليوم الاَخر كُتب له الرحمة في الدنيا والاَخرة ، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عُوفِيَ مما أصاب الأمم من الخَسْف والقذف .

حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا عيسى بن يونس ، عن المسعوديّ ، عن أبي سعيد ، عن سعيد جُبير ، عن ابن عباس ، في قوله : وَما أرْسَلْناكَ إلاّ رَحْمَةً للْعَالَمِينَ قال : تمت الرحمة لمن آمن به في الدنيا والاَخرة ، ومن لم يؤمن به عُوفيَ مما أصاب الأمم قبل .

وقال آخرون : بل أريد بها أهل الإيمان دون أهل الكفر . ذكر من قال ذلك :

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَما أرْسَلْناكَ إلاّ رَحْمَةً للْعَالَمِينَ قال : العالمون : من آمن به وصدّقه . قال : وَإنْ أدْرِي لَعَلّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إلى حِينِ قال : فهو لهؤلاء فتنة ولهؤلاء رحمة ، وقد جاء الأمر مجملاً رحمة للعالمين . والعالَمون ههنا : من آمن به وصدّقه وأطاعه .

وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي رُوي عن ابن عباس ، وهو أن الله أرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع العالم ، مؤمنهم وكافرهم . فأما مؤمنهم فإن الله هداه به ، وأدخله بالإيمان به وبالعمل بما جاء من عند الله الجنة . وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذّبة رسلها من قبله .

 
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (107)

{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } لأن ما بعثت به سبب لإسعادهم وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم ، وقيل كونه رحمة للكفار أمنهم به من الخسف والمسخ وعذاب الاستئصال .

 
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية - ابن عطية [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (107)

وقوله { إلا رحمة للعالمين } قالت فرقة عم العالمين وهو يريد من آمن فقط ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس برحمة على من كفر به ومات على الكفر ، وقالت فرقة «العالمون » عام ورحمته للمؤمنين بينة وهي للكافرين بأن الله تعالى رفع عن الأمم أن يصيبهم ما كان يصيب القرون قبلهم من أنواع العذاب المستأصلة كالطوفان وغيره .

قال القاضي أبو محمد : ويحتمل الكلام أن يكون معناه «وما أرسلنك للعالمين إلا رحمة » أي هو رحمة في نفسه وهذا بين أخذ من أخذ ، وأعرض عنه من أعرض .

 
التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (107)

أقيمت هذه السورة على عماد إثبات الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديق دعوته . فافتتحت بإنذار المعاندين باقتراب حسابهم ووشْك حلول وعد الله فيهم وإثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكن بدعاً من الرسل ، وذُكروا إجمالاً ، ثم ذُكرت طائفة منهم على التفصيل ، وتُخُلِّل ذلك بمواعظ ودلائل .

وعطفت هذه الجملة على جميع ما تقدم من ذكر الأنبياء الذين أوتوا حكماً وعلماً وذكر ما أوتوه من الكرامات ، فجاءت هذه الآية مشتملة على وصف جامع لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم ومزيتها على سائر الشرائع مزية تناسب عمومَها ودوامها ، وذلك كونها رحمة للعالمين ، فهذه الجملة عطف على جملة { وجعلناها وابنها آية للعالمين } [ الأنبياء : 91 ] ختاماً لمناقب الأنبياء ، وما بينهما اعتراض واستطراد .

ولهذه الجملة اتصال بآية { وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } [ الأنبياء : 3 ] .

ووزانها في وصف شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وزان آية : { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان } [ الأنبياء : 48 ] وآية : { ولقد آتينا إبراهيم رشده } [ الأنبياء : 51 ] والآيات التي بعدهما في وصف ما أوتيه الرسل السابقون .

وصيغت بأبلغ نظم إذ اشتملت هاته الآية بوجازة ألفاظها على مدح الرسول عليه الصلاة والسلام ومدح مرسله تعالى ، ومدح رسالته بأن كانت مظهر رحمة الله تعالى للناس كافة وبأنها رحمة الله تعالى بخلقه .

فهي تشتمل على أربعة وعشرين حرفاً بدون حرف العطف الذي عطفت به ، ذكر فيه الرسول ، ومرسله ، والمرسَل إليهم ، والرسالة ، وأوصاف هؤلاء الأربعة ، مع إفادة عموم الأحوال ، واستغراق المرسل إليهم ، وخصوصية الحصر ، وتنكير { رحمة } للتعظيم ، إذ لا مقتضى لإيثار التنكير في هذا المقام غير إرادة التعظيم وإلا لقيل : إلا لنرحم العالمين ، أو إلا أنك الرحمة للعالمين . وليس التنكير للإفراد قطعاً لظهور أنّ المراد جنس الرحمة وتنكير الجنس هو الذي يعرض له قصد إرادة التعظيم . فهذه اثنا عشر معنى خصوصياً ، فقد فاقت أجمع كلمةٍ لبلغاء العرب ، وهي :

قِفا نَبْككِ من ذِكرَى حبيببٍ ومنزل

إذ تلك الكلمة قصاراها كما قالوا : « أنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل » دون خصوصية أزيد من ذلك فجمَع ستة معان لا غير . وهي غير خصوصية إنما هي وفرة معان . وليس تنكير « حبيب ومنزل » إلا للوحدة لأنه أراد فرداً معيّناً من جنس الأحباب وفرداً معيناً من جنس المنازل ، وهما حبيبه صاحب ذلك المنزل ، ومنزلُه .

واعلم أن انتصاب { رحمة } على أنه حال من ضمير المخاطب يجعله وصفاً من أوصافه فإذا انضم إلى ذلك انحصار الموصوف في هذه الصفة صار من قصر الموصوف على الصفة . ففيه إيماء لطيف إلى أن الرسول اتحد بالرحمة وانحصر فيها ، ومن المعلوم أن عنوان الرسُولية ملازم له في سائر أحواله ، فصار وجوده رحمةً وسائر أكوانه رحمة . ووقوع الوصف مصدراً يفيد المبالغة في هذا الاتحاد بحيث تكون الرحمة صفة متمكنة من إرساله ، ويدلّ لهذا المعنى ما أشار إلى شرحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " إنما أنا رحمة مهداة{[278]} " وتفصيل ذلك يظهر في مظهرين : الأول تخلق نفسه الزكية بخلق الرحمة ، والثاني إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته .

فأما المظهر الأول فقد قال فيه أبو بكر محمد بن طاهر القيسي الإشبيلي أحد تلاميذه أبي علي الغساني وممن أجاز لهم أبو الوليد الباجي من رجال القرن الخامس : « زين الله محمداً صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة فكان كونه رحمة وجميع شمائله رحمة وصفاته رحمة على الخلق » اه . وذكره عنه عياض في « الشفاء » . قلت : يعني أن محمداً صلى الله عليه وسلم فُطر على خُلق الرحمة في جميع أحوال معاملته الأمة لتتكون مناسبة بين روحه الزكية وبين ما يلقى إليه من الوحي بشريعته التي هي رحمة حتى يكون تلقيه الشريعة عن انشراح نفس أن يجد ما يوحَى به إليه ملائماً رغبتَه وخلقه . قالت عائشة : « كان خلقُه القرآن » . ولهذا خصّ الله محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه السورة بوصف الرحمة ولم يصف به غيره من الأنبياء ، وكذلك في القرآن كله ، قال تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } [ التوبة : 128 ] وقال تعالى : { فبما رحمة من الله لنت لهم } [ آل عمران : 159 ] أي برحمة جبلَك عليها وفَطرك بها فكنت لهم لَيِّناً . وفي حديث مسلم : أن رسول الله لما شُجّ وجههُ يوم أُحد شقّ ذلك على أصحابه فقالوا : لو دعوت عليهم فقال : " إني لم أُبعث لعاناً وإنما بُعثتُ رحمة " . وأما المظهر الثاني من مظاهر كونه رحمة للعالمين فهو مظهر تصاريف شريعته ، أي ما فيها من مقومات الرحمة العامة للخلق كلهم لأن قوله تعالى { للعالمين } متعلق بقوله { رحمة } .

والتعريف في { العالمين } لاستغراق كل ما يصدق عليه اسم العالم . والعالَم : الصنف من أصناف ذوي العلم ، أي الإنسان ، أو النوع من أنواع المخلوقات ذات الحياة كما تقدم من احتمال المعنيين في قوله تعالى : { الحمد لله رب العالمين } [ الفاتحة : 2 ] . فإن أريد أصناف ذوي العلم فمعنى كون الشريعة المحمدية منحصرة في الرحمة أنها أوسع الشرائع رحمة بالناس فإن الشرائع السالفة وإن كانت مملوءة برحمة إلا أن الرحمة فيها غير عامة إمّا لأنها لا تتعلق بجميع أحوال المكلفين ، فالحنيفية شريعة إبراهيم عليه السلام كانت رحمة خاصة بحالة الشخص في نفسه وليس فيها تشريع عام ، وشريعة عيسى عليه السلام قريبة منها في ذلك ؛ وإما لأنها قد تشتمل في غير القليل من أحكامها على شدّة اقتضتها حكمة الله في سياسة الأمم المشروعة هي لها مثل شريعة التوراة فإنها أوسع الشرائع السالفة لتعلقها بأكثر أحوال الأفراد والجماعات ، وهي رحمة كما وصفها الله بذلك في قوله تعالى : { ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن وتفصيلاً لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون } [ الأنعام : 154 ] ، فإن كثيراً من عقوبات أمتها جعلت في فرض أعمال شاقة على الأمة بفروض شاقة مستمرة قال تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات أحلّت لهم } وقال : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم إلى آيات كثيرة .

لا جرم أن الله تعالى خصّ الشريعة الإسلامية بوصف الرحمة الكاملة . وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى فيما حكاه خطاباً منه لموسى عليه السلام : { ورَحمتي وسِعت كل شيء فسأكتبها للذين يتّقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } [ الأعراف : 156157 ] الآية . ففي قوله تعالى : { وسعت كل شيء إشارة إلى أن المراد رحمة هي عامة فامتازت شريعة الإسلام بأن الرحمة ملازمة للناس بها في سائر أحوالهم وأنها حاصلة بها لجميع الناس لا لأمة خاصة .

وحكمة تمييز شريعة الإسلام بهذه المزية أن أحوال النفوس البشرية مضت عليها عصور وأطوار تهيأت بتطوراتها لأن تُساس بالرحمة وأن تدفع عنها المشقة إلا بمقادير ضرورية لا تُقام المصالح بدونها ، فما في الشرائع السالفة من اختلاط الرحمة بالشدة وما في شريعة الإسلام من تمحّض الرحمة لم يجر في زمن من الأزمان إلا على مقتضى الحكمة ، ولكن الله أسعد هذه الشريعة والذي جاء بها والأمة المتبعة لها بمصادفتها للزمن والطور الذي اقتضت حكمة الله في سياسة البشر أن يكون التشريع لهم تشريع رحمة إلى انقضاء العالم .

فأقيمت شريعة الإسلام على دعائم الرحمة والرفق واليسر . قال تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } [ الحجّ : 78 ] وقال تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ البقرة : 185 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " بُعثت بالحنيفية السمحة " . وما يتخيل من شدة في نحو القِصاص والحدود فإنما هو لمراعاة تعارض الرحمة والمشقة كما أشار إليه قوله تعالى : { ولكم في القصاص حياة } [ البقرة : 179 ] فالقصاص والحدود شدة على الجناة ورحمة ببقية الناس .

وأما رحمة الإسلام بالأمم غير المسلمين فإنما نعني به رحمته بالأمم الداخلة تحت سلطانه وهم أهل الذمة . ورحمته بهم عدمُ إكراههم على مفارقة أديانهم ، وإجراءُ العدل بينهم في الأحكام بحيث لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم في الحقوق العامة .

هذا وإن أريد ب { العالمين } في قوله تعالى : { إلا رحمة للعالمين } النوع من أنواع المخلوقات ذات الحياة فإن الشريعة تتعلق بأحوال الحيوان في معاملة الإنسان إياه وانتفاعه به . إذ هو مخلوق لأجل الإنسان ، قال تعالى : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً } [ البقرة : 29 ] وقال تعالى : { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم } [ النحل : 57 ] .

وقد أذنت الشريعة الإسلامية للناس في الانتفاع بما يُنتفع به من الحيوان ولم تأذن في غير ذلك . ولذلك كُره صيد اللهو وحرم تعذيب الحيوان لغير أكله ، وعدّ فقهاؤنا سباقَ الخيل رخصة للحاجة في الغرو ونحوه .

ورغبت الشريعة في رحمة الحيوان ففي حديث « الموطأ » عن أبي هريرة مرفوعاً : " أن الله غفر لرجل وجد كلباً يلهثُ من العطش فنزل في بئر فملأ خفّه ماء وأمسكه بفمه حتى رقِي فسقَى الكلب فغفر الله له " . أما المؤذي والمضرّ من الحيوان فقد أُذن في قتله وطرده لترجيح رحمة الناس على رحمة البهائم . وهي تفاصيل الأحكام من هذا القبيل كثرة لا يعوز الفقيه تتبعها .


[278]:- رواه محمد بن طاهر المقدسي في كتاب ذخيرة الحفاظ عن أبي هريرة ولم يصفه بالضعف
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (107)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وما أرسلناك} يا محمد {إلا رحمة للعالمين} يعني: الجن والإنس، فمن تبع محمدا صلى الله عليه وسلم على دينه، فهو له رحمة...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك يا محمد إلى خلقنا إلا رحمة لمن أرسلناك إليه من خلقي.

ثم اختلف أهل التأويل في معنى هذه الآية، أجميع العالم الذي أرسل إليهم محمد أُريد بها مؤمنهم وكافرهم؟ أم أريد بها أهل الإيمان خاصة دون أهل الكفر؟ فقال بعضهم: عُني بها جميع العالم المؤمن والكافر... عن ابن عباس، في قول الله في كتابه:"وَما أرْسَلْناكَ إلاّ رَحْمَةً للْعَالَمِينَ" قال: من آمن بالله واليوم الاَخر كُتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عُوفِيَ مما أصاب الأمم من الخَسْف والقذف...

وقال آخرون: بل أريد بها أهل الإيمان دون أهل الكفر...

وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي رُوي عن ابن عباس، وهو أن الله أرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع العالم، مؤمنهم وكافرهم؛ فأما مؤمنهم فإن الله هداه به، وأدخله بالإيمان به وبالعمل بما جاء من عند الله الجنة، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذّبة رسلها من قبله.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

... الرحمة فيه تحتمل وجوها:

أحدها: تأخير العذاب عنهم.

والثاني: أنه رحمة حتى إذا اتبعوه تكون به نجاتهم، وبه عزهم في الدنيا والآخرة.

والثالث: شفاعته لأهل الكبائر في الآخرة ونحو ذلك.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

ثم قال لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) (وما أرسلناك) يا محمد (إلا رحمة للعالمين) أي نعمة عليهم، ولان ترحمهم...

ووجه النعمة على الكافر أنه عرضه للإيمان ولطف له في ترك معاصيه...

جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :

مَن قبل شرعه، واتبع دينه، وأطاع أمره، فهو في الدنيا مرحوم وفي الآخرة مسعود، منعم مكرم أبد الآبدين برحمة رب العالمين. وما كان محمد بذاته رحمة بل كان بنبوته وشريعته رحمة.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

أرسل صلى الله عليه وسلم {رَحْمَةً للعالمين} لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه. ومن خالف ولم يتبع، فإنما أتي من عند نفسه حيث ضيع نصيبه منها. ومثاله: أن يفجر الله عينا غديقة، فيسقي ناس زروعهم ومواشيهم بمائها فيفلحوا، ويبقى ناس مفرطون عن السقي فيضيعوا، فالعين المفجرة في نفسها، نعمة من الله ورحمة للفريقين، ولكن الكسلان محنة على نفسه؛ حيث حرمها ما ينفعها.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

المسألة الأولى: أنه عليه السلام كان رحمة في الدين وفي الدنيا، أما في الدين فلأنه عليه السلام بعث والناس في جاهلية وضلالة، وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر دينهم لطول مكثهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم، فبعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب، فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الثواب، وشرع لهم الأحكام وميز الحلال من الحرام، ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همته طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والاستكبار وكان التوفيق قرينا له، قال الله تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} إلى قوله: {وهو عليهم عمى}، وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من كثير من الذل والقتال والحروب ونصروا ببركة دينه...

التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :

أصح القولين في هذه الآية: أنها على عمومها. وفيها على هذا التقدير وجهان:

أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته؛ أما أتباعه: فنالوا به كرامة الدنيا والآخرة. أما أعداؤه المحاربون له: فالذين عجل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم، لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة. وهم قد كتب عليهم الشقاء، فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر. وأما المعاهدون له، فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شرا بذلك العهد من المحاربين له، وأما المنافقون: فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهليهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيرها. وأما الأمم النائية عنه: فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض، فأصاب كل العالمين النفع برسالته.

الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنون قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة لهم، لكن لم يقبلوها، كما يقال: هذا دواء لهذا المرض. فإذا لم يستعمله المريض لم يخرج عن أن يكون دواء لذلك المرض.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

أي: أرسله رحمة لهم كلّهم، فمن قَبِل هذه الرحمةَ وشكَر هذه النعمةَ، سَعد في الدنيا والآخرة، ومن رَدّها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} [إبراهيم: 28، 29]، وقال الله تعالى في صفة القرآن: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44].

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان هذا مشيراً إلى رشادهم، فكان التقدير: فما أرسلناك إلا لإسعادهم والكفاية لهم في البلاغ إلى جنات النعيم، عطف عليه ما يفهم سبب التأخير لإنجاز ما يستعجله غير العابدين من العذاب فقال: {وما أرسلناك} أي بعظمتنا العامة على حالة من الأحوال {إلا} على حال كونك {رحمة للعالمين} كلهم، أهل السماوات وأهل الأرض من الجن والأنس وغيرهم، طائعهم بالثواب، وعاصيهم بتأخير العقاب، الذي كنا نستأصل به الأمم، فنحن نمهلهم ونترفق بهم، إظهاراً لشرفك وإعلاء لقدرك، حتى نبين أنهم مع كثرتهم وقوتهم وشوكتهم وشدة تمالئهم عليك لا يصلون إلى ما يريدون منك، ثم نرد كثيراً منهم إلى دينك، ونجعلهم من أكابر أنصارك وأعاظم أعوانك، بعد طول ارتكابهم الضلال، وارتباكهم في أشراك المحال، وإيضاعهم في الجدال والمحال، فيلعم قطعاً أنه لا ناصر لك إلا الله الذي يعلم القول في السماء والأرض، ومن أعظم ما يظهر فيه هذا الشرف في عموم الرحمة وقت الشفاعة العظمى يوم يجمع الأولون والآخرون، وتقوم الملائكة صفوفاً والثقلان وسطهم، ويموج بعضهم في بعض من شدة ما هم فيه، يطلبون من يشفع لهم في أن يحاسبوا ليستريحوا من ذلك الكرب أما إلى جنة أو نار، فيقصدون أكابر الأنبياء نبياً نبياً عليهم الصلاة والسلام، والتحية والإكرام، فيحيل بعضهم على بعض، وكل منهم يقول: لست لها، حتى يأتوه صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها، ويقوم ومعه لواء الحمد فيشفعه الله وهو المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون وقد سبقت أكثر الحديث بذلك في سورة غافر عند {ولا شفيع يطاع} [الآية: 18].

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ولقد أرسل الله رسوله رحمة للناس كافة ليأخذ بأيديهم إلى الهدى، وما يهتدي إلا أولئك المتهيئون المستعدون، وإن كانت الرحمة تتحقق للمؤمنين ولغير المؤمنين..

إن المنهج الذي جاء مع محمد [صلى الله عليه وسلم] منهج يسعد البشرية كلها ويقودها إلى الكمال المقدر لها في هذه الحياة.

ولقد جاءت هذه الرسالة للبشرية حينما بلغت سن الرشد العقلي: جاءت كتابا مفتوحا للعقول في مقبل الأجيال، شاملا لأصول الحياة البشرية التي لا تتبدل، مستعدا لتلبية الحاجات المتجددة التي يعلمها خالق البشر، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.

ولقد وضع هذا الكتاب أصول المنهج الدائم لحياة إنسانية متجددة. وترك للبشرية أن تستنبط الأحكام الجزئية التي تحتاج إليها ارتباطات حياتها النامية المتجددة، واستنباط وسائل تنفيذها كذلك بحسب ظروف الحياة وملابساتها، دون اصطدام بأصول المنهج الدائم.

وكفل للعقل البشري حرية العمل، بكفالة حقه في التفكير، وبكفالة مجتمع يسمح لهذا العقل بالتفكير. ثم ترك له الحرية في دائرة الأصول المنهجية التي وضعها لحياة البشر، كيما تنمو وترقى وتصل إلى الكمال المقدر لحياة الناس في هذه الأرض.

ولقد دلت تجارب البشرية حتى اللحظة على أن ذلك المنهج كان وما يزال سابقا لخطوات البشرية في عمومه، قابلا لأن تنمو الحياة في ظلاله بكل ارتباطاتها نموا مطردا. وهو يقودها دائما، ولا يتخلف عنها، ولا يقعد بها، ولا يشدها إلى الخلف، لأنه سابق دائما على خطواتها متسع دائما لكامل خطواتها.

وهو في تلبية لرغبة البشرية في النمو والتقدم لا يكبت طاقاتها في صورة من صور الكبت الفردي أو الجماعي، ولا يحرمها الاستمتاع بثمرات جهدها وطيبات الحياة التي تحققها.

وقيمة هذا المنهج أنه متوازن متناسق. لا يعذب الجسد ليسمو بالروح، ولا يهمل الروح ليستمتع الجسد. ولا يقيد طاقات الفرد ورغائبه الفطرية السليمة ليحقق مصلحة الجماعة أو الدولة. ولا يطلق للفرد نزواته وشهواته الطاغية المنحرفة لتؤذي حياة الجماعة، أو تسخرها لإمتاع فرد أو أفراد.

وكافة التكاليف التي يضعها ذلك المنهج على كاهل الإنسان ملحوظ فيها أنها في حدود طاقته، ولمصلحته؛ وقد زود بالاستعدادات والمقدرات التي تعينه على أداء تلك التكاليف، وتجعلها محببة لديه -مهما لقي من أجلها الآلام أحيانا- لأنها تلبي رغيبة من رغائبه، أو تصرف طاقة من طاقاته.

ولقد كانت رسالة محمد [صلى الله عليه وسلم] رحمة لقومه ورحمة للبشرية كلها من بعده والمبادئ التي جاء بها كانت غريبة في أول الأمر على ضمير البشرية، لبعد ما كان بينها وبين واقع الحياة الواقعية والروحية من مسافة. ولكن البشرية أخذت من يومها تقرب شيئا فشيئا من آفاق هذه المبادئ. فتزول غرابتها في حسها، وتتبناها وتنفذها ولو تحت عنوانات أخرى.

لقد جاء الإسلام لينادي بإنسانية واحدة تذوب فيها الفوارق الجنسية والجغرافية. لتلتقي في عقيدة واحدة ونظام اجتماعي واحد.. وكان هذا غريبا على ضمير البشرية وتفكيرها وواقعها يومذاك. والأشراف يعدون أنفسهم من طينة غير طينة العبيد.. ولكن ها هي ذي البشرية في خلال نيف وثلاثة عشر قرنا تحاول أن تقفو خطى الإسلام، فتتعثر في الطريق، لأنها لا تهتدي بنور الإسلام الكامل. ولكنها تصل إلى شيء من ذلك المنهج -ولو في الدعاوي والأقوال- وإن كانت ما تزال أمم في أوربا وأمريكا تتمسك بالعنصرية البغيضة التي حاربها الإسلام منذ نيف وثلاث مائة وألف عام.

ولقد جاء الإسلام ليسوي بين جميع الناس أمام القضاء والقانون. في الوقت الذي كانت البشرية تفرق الناس طبقات، وتجعل لكل طبقة قانونا. بل تجعل إرادة السيد هي القانون في عهدي الرق والإقطاع.. فكان غريبا على ضمير البشرية يومذاك أن ينادي ذلك المنهج السابق المتقدم بمبدأ المساواة المطلقة أمام القضاء.. ولكن ها هي ذي شيئا فشيئا تحاول أن تصل -ولو نظريا- إلى شيء مما طبقه الإسلام عمليا منذ نيف وثلاث مائة وألف عام.

وغير هذا وذلك كثير يشهد بأن الرسالة المحمدية كانت رحمة للبشرية وأن محمدا [ص] إنما أرسل رحمة للعالمين. ومن آمن به ومن لم يؤمن به على السواء. فالبشرية كلها قد تأثرت بالمنهج الذي جاء به طائعة أو كارهة، شاعرة أو غير شاعرة؛ وما تزال ظلال هذه الرحمة وارفة، لمن يريد أن يستظل بها، ويستروح فيها نسائم السماء الرخية، في هجير الأرض المحرق وبخاصة في هذه الأيام.

وإن البشرية اليوم لفي أشد الحاجة إلى حس هذه الرحمة ونداها. وهي قلقة حائرة، شاردة في متاهات المادية، وجحيم الحروب، وجفاف الأرواح والقلوب..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

أقيمت هذه السورة على عماد إثبات الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديق دعوته. فافتتحت بإنذار المعاندين باقتراب حسابهم ووشْك حلول وعد الله فيهم وإثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكن بدعاً من الرسل، وذُكروا إجمالاً، ثم ذُكرت طائفة منهم على التفصيل، وتُخُلِّل ذلك بمواعظ ودلائل. وعطفت هذه الجملة على جميع ما تقدم من ذكر الأنبياء الذين أوتوا حكماً وعلماً وذكر ما أوتوه من الكرامات، فجاءت هذه الآية مشتملة على وصف جامع لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم ومزيتها على سائر الشرائع مزية تناسب عمومَها ودوامها، وذلك كونها رحمة للعالمين، فهذه الجملة عطف على جملة {وجعلناها وابنها آية للعالمين} [الأنبياء: 91] ختاماً لمناقب الأنبياء، وما بينهما اعتراض واستطراد. ولهذه الجملة اتصال بآية {وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون} [الأنبياء: 3]. ووزانها في وصف شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وزان آية: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان} [الأنبياء: 48] وآية: {ولقد آتينا إبراهيم رشده} [الأنبياء: 51] والآيات التي بعدهما في وصف ما أوتيه الرسل السابقون. وصيغت بأبلغ نظم إذ اشتملت هاته الآية بوجازة ألفاظها على مدح الرسول عليه الصلاة والسلام ومدح مرسله تعالى، ومدح رسالته بأن كانت مظهر رحمة الله تعالى للناس كافة وبأنها رحمة الله تعالى بخلقه. فهي تشتمل على أربعة وعشرين حرفاً بدون حرف العطف الذي عطفت به، ذكر فيه الرسول، ومرسله، والمرسَل إليهم، والرسالة، وأوصاف هؤلاء الأربعة، مع إفادة عموم الأحوال، واستغراق المرسل إليهم، وخصوصية الحصر، وتنكير {رحمة} للتعظيم، إذ لا مقتضى لإيثار التنكير في هذا المقام غير إرادة التعظيم وإلا لقيل: إلا لنرحم العالمين، أو إلا أنك الرحمة للعالمين. وليس التنكير للإفراد قطعاً لظهور أنّ المراد جنس الرحمة وتنكير الجنس هو الذي يعرض له قصد إرادة التعظيم. فهذه اثنا عشر معنى خصوصياً... واعلم أن انتصاب {رحمة} على أنه حال من ضمير المخاطب يجعله وصفاً من أوصافه فإذا انضم إلى ذلك انحصار الموصوف في هذه الصفة صار من قصر الموصوف على الصفة. ففيه إيماء لطيف إلى أن الرسول اتحد بالرحمة وانحصر فيها، ومن المعلوم أن عنوان الرسُولية ملازم له في سائر أحواله، فصار وجوده رحمةً وسائر أكوانه رحمة. ووقوع الوصف مصدراً يفيد المبالغة في هذا الاتحاد بحيث تكون الرحمة صفة متمكنة من إرساله، ويدلّ لهذا المعنى ما أشار إلى شرحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"إنما أنا رحمة مهداة" وتفصيل ذلك يظهر في مظهرين: الأول تخلق نفسه الزكية بخلق الرحمة، والثاني إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته.

فأما المظهر الأول... [ف] يعني أن محمداً صلى الله عليه وسلم فُطر على خُلق الرحمة في جميع أحوال معاملته الأمة لتتكون مناسبة بين روحه الزكية وبين ما يلقى إليه من الوحي بشريعته التي هي رحمة حتى يكون تلقيه الشريعة عن انشراح نفس أن يجد ما يوحَى به إليه ملائماً رغبتَه وخلقه. قالت عائشة: « كان خلقُه القرآن». ولهذا خصّ الله محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه السورة بوصف الرحمة ولم يصف به غيره من الأنبياء، وكذلك في القرآن كله، قال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة: 128] وقال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم} [آل عمران: 159] أي برحمة جبلَك عليها وفَطرك بها فكنت لهم لَيِّناً. وفي حديث مسلم: أن رسول الله لما شُجّ وجههُ يوم أُحد شقّ ذلك على أصحابه فقالوا: لو دعوت عليهم فقال: "إني لم أُبعث لعاناً وإنما بُعثتُ رحمة".

وأما المظهر الثاني من مظاهر كونه رحمة للعالمين فهو مظهر تصاريف شريعته، أي ما فيها من مقومات الرحمة العامة للخلق كلهم لأن قوله تعالى {للعالمين} متعلق بقوله {رحمة}...

أقيمت شريعة الإسلام على دعائم الرحمة والرفق واليسر. قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحجّ: 78] وقال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "بُعثت بالحنيفية السمحة". وما يتخيل من شدة في نحو القِصاص والحدود فإنما هو لمراعاة تعارض الرحمة والمشقة كما أشار إليه قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] فالقصاص والحدود شدة على الجناة ورحمة ببقية الناس. وأما رحمة الإسلام بالأمم غير المسلمين فإنما نعني به رحمته بالأمم الداخلة تحت سلطانه وهم أهل الذمة. ورحمته بهم عدمُ إكراههم على مفارقة أديانهم، وإجراءُ العدل بينهم في الأحكام بحيث لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم في الحقوق العامة. هذا وإن أريد ب {العالمين} في قوله تعالى: {إلا رحمة للعالمين} النوع من أنواع المخلوقات ذات الحياة فإن الشريعة تتعلق بأحوال الحيوان في معاملة الإنسان إياه وانتفاعه به. إذ هو مخلوق لأجل الإنسان، قال تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة: 29] وقال تعالى: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم} [النحل: 57]. وقد أذنت الشريعة الإسلامية للناس في الانتفاع بما يُنتفع به من الحيوان ولم تأذن في غير ذلك. ولذلك كُره صيد اللهو وحرم تعذيب الحيوان لغير أكله، وعدّ فقهاؤنا سباقَ الخيل رخصة للحاجة في الغزو ونحوه. ورغبت الشريعة في رحمة الحيوان ففي حديث « الموطأ» عن أبي هريرة مرفوعاً: "أن الله غفر لرجل وجد كلباً يلهثُ من العطش فنزل في بئر فملأ خفّه ماء وأمسكه بفمه حتى رقِي فسقَى الكلب فغفر الله له". أما المؤذي والمضرّ من الحيوان فقد أُذن في قتله وطرده لترجيح رحمة الناس على رحمة البهائم. و [في] تفاصيل الأحكام من هذا القبيل كثرة لا يعوز الفقيه تتبعها.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

وهكذا اجتمعت فيه رحمة الرسول، ورحمة الرسالة في الفكر والحركة والإنسان والحياة. وهذا هو ما يجب أن يعيشه المسلمون في دعوتهم للإسلام، وفي ممارستهم له، وفي حركتهم من أجله، وذلك بتجسيد الرحمة في مواقفهم وكلماتهم وعلاقاتهم وروحيتهم في كل المجالات، لا أن تكون الرحمة حركة انفعال، بل أن تكون موقف حق وخير واستقامة وإيمان، لأن الرحمة تمثل العمق في شخصية الإنسان الفكرية والعملية، فتتفاعل في كل دوائره الصغيرة أو الكبيرة، ليكون القدوة في الرحمة، والرحمة في القدوة.