التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (107)

قوله : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( رحمة ) ، منصوب على الحال . وقيل على أنه مفعول لأجله . وهذا إخبار من الله ، يخاطب به رسوله إلى الناس كافة ، محمدا ( ص ) ، معلنا فيه أنه رحمة للعالمين . والرحمة في اللغة بمعنى الرأفة والمغفرة والتعطف{[3064]} ، وهذه المعاني أو الصفات تأتي في ذروة الدرجات من الخصال الحسان في هذه الحياة . فلا عجب أن تكون الرحمة مسبارا تقاس به طبائع البشر . بل تقاس به المبادئ والشرائع ومختلف الثقافات ، والتصورات ؛ للكشف عن حقيقتها ومدى صلوحها للعباد . فمن كانت سجيته القسوة والغلظة والفظاظة ؛ فإنه أبعد الخلق عن الخير والصلوح لهداية الناس . لقد كان محمد ( ص ) مثالا كاملا وفريدا فيما تجلى فيه من جمال الطبع ، وروعة الخلق وكامل السجايا والأوصاف النفسية والعقلية والروحية فكان بذلك خليقا أن يكون رحمة للناس ، وأهلا لدعوة العالمين إلى الهداية والخير .

وكذلك الإسلام فإنه بكمال تشريعه وجمال عقيدته وما اشتمل عليه من عظيم المزايا والخصائص ، وفي طليعتها الرحمة ، فإنه بذلك كله للعالمين رحمة من الله .

وما ينبغي ذكره دائما أن محمدا ( ص ) قد بعث رحمة للعالمين . بما جبل عليه من كامل الصفات الخَلقية والخُلقية ، وجمال الفطرة الناصعة الفضلى . جاء عليه الصلاة والسلام بآيات الله البينات هاديا للناس ومبشرا ونذيرا . وذلكم الكمال العجيب المثير . كمال النبي الطهور المفضال ، الذي يعجز عن بلوغ معشاره النوابغ العظماء من عباقرة الإنس والجن . وكمال الكتاب الحكيم ، القرآن الرباني المبارك الذي يحمل للعالمين كل أطراف الحق والخير والسلامة والسداد مما يحقق لهم بالضرورة السعادة في هذه الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين . فلا جرم أن يكون محمد ( ص ) . بما أوتيه من عجائب الطبع وآيات الكتاب العظيم رحمة للعالمين . وليس أدل على ذلك مما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : قيل : يا رسول الله ادع على المشركين . قال : " إني لم أبعث لعانا وإنما بعثتُ رحمة " وفي رواية أخرى لمسلم : " إنما أنا رحمة مهداة " {[3065]} .


[3064]:القاموس المحيط ص 1436.
[3065]:- تفسير ابن كثير جـ3 ص 202 وتفسير النسفي جـ3 ص 91.