المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (5)

5- وربكم الذي خلق السماوات والأرض ، والذي جعل الشمس تشع الضياء ، والقمر يرسل النور ، وجعل للقمر منازل ينتقل فيها ، فيختلف نوره تبعاً لهذه المنازل ، لتستعينوا بهذا في تقدير مواقيتكم ، وتعلموا عدد السنين والحساب{[89]} ، وما خلق الله ذلك إلا بالحكمة ، وهو سبحانه يبسط في كتابه الآيات الدالة على ألوهيته وكمال قدرته ، لكي تتدبروها بعقولكم وتستجيبوا لما يقتضيه العلم .


[89]:{هو جعل الشمس ضياء والقمر نورا}: الشمس جرم سماوي ملتهب مضيء بذاته، وهو مصدر الطاقات على الأرض ومنها الضوء والحرارة، بينما القمر جرم غير مضيء بذاته بل يعكس ما يقع عليه من ضوء الشمس فيبدو منيرا. {وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} منازل القمر أوضاعه المختلفة بالنسبة للأرض والشمس، وهي التي تنتج عنها أوجه القمر، ومن ثم يمكن تحديد الشهر القمري، وهو العلامة الفلكية الظاهرة لتحديد الشهر، ويتم القمر دورته حول الأرض في تسعة وعشرين يوما، واثنتي عشرة ساعة، وأربع وأربعين دقيقة، واثنتين وثمانية من عشر ثانية.
 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (5)

{ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 5 إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ 6 }

المفردات :

ضياء : أي : ذات ضياء واشتعال ، والضياء : اسم مصدر من أضياء يضيء ، وجمع ضوء كسياط وسوط ، وحياض وحوض .

والقمر نورا : أي : ذا نور ، في إنارة ، والضوء والنور بمعنى واحد لغة ، والضوء أقوى من النور استعمالا بدليل هذه الآية ، وقيل الضوء لما كان من ذاته كالشمس والنار ، والنور لما كان مكتسبا من غيره . ويدل على ذلك قوله : { وجعل القمر فيهن نورا

وجعل الشمس سراجا } . ( نوح : 16 ) . والسراج : نوره من ذاته ،

والضياء ما أضاء لك ، وشعاع الشمس مركب من ألوان النور السبعة التي ترى في قوس السحاب فهو سبعة أضواء ، وقد كشف ترقى العلوم الفلكية عن ذلك ، وكان الناس يجهلونه في عصر التنزيل .

وقدره منازل : أي : قدره ذا منازل . والتقدير : جعل الشيء أو الأشياء على مقادير مخصوصة ، في الذات أو الصفات أو الزمان أو المكان ، كما قال : { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } . ( الفرقان : 2 ) . وقال : { والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون

القديم } . ( يس : 39 ) . والمنازل : واحدها منزل ، وهو مكان النزول ، و هي ثمانية وعشرون منزلا معروفة لدى العرب بأسمائها .

ويبقى من الشهر ليلة : إن كان 29 وليلتان إن كان 30 يوما يحتجب فيها فلا يرى .

التفسير :

5 { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا . . . } الآية .

خلق الله السماء ، وبسط الأرض ، ودبر نظام الكون ، وجعل الشمس مضيئة نهارا والقمر منيرا ليلا .

{ وقدره منازل } . أي : وقدر سير القمر في فلكه منازل ينزل كل ليلة في واحد منها لا يجاوزها لا ويقصر دونها ، وهو ثمانية وعشرون منزلا يرى القمر فيها بالأبصار ، وليلة أو ليلتان يحتجب فيها فلا يرى .

{ لتعلموا عدد السنين والحساب } . أي : لتعلموا بما ذكر من صفة النيرين ، وتقدير المنازل حساب الأوقات من الأشهر والأيام ؛ لضبط عبادتكم ومعاملتكم المالية والمدنية ، ولولا هذا النظام المشاهد ؛ لتعذر العلم بذلك على الأميين من أهل البدو والحضر ؛ إذ حساب السنين والشهور الشمسية لا يعلم إلا بالدراسة ، ومن ثم جعل الشارع الحكيم الصوم والحج وعدة الطلاق بالحساب القمري ، الذي يعرفه كل واحد بالمشاهدة .

ولعبادتي الصيام والحج حكمة أخرى وهي دورانهما في جميع الفصول ، فيعبد المسلمون ربهم في جميع الأوقات من حارة باردة ومعتدلة . ii

وقد حث الشارع على الانتفاع بالحساب الشمسي بنحو قوله : { الشمس والقمر بحسبان } . ( الرحمان : 5 ) .

وقوله سبحانه : { وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين وكل شيء فصلناه تفصيلا } . ( الإسراء : 12 ) .

{ ما خلق الله ذلك إلا بالحق } . ما خلق الله ذلك إلا مقترنا بالحق الذي تقتضيه الحكمة والمنفعة لحياة الخلق ونظام معايشهم فلا عبث ولا خلل «كل هذا النظام ، وكل هذا التناسق لا يكون عبثا ولا باطلا ولا مصادفة عابرة ، بل تنظيم إله حكيم مدبر » . iii

{ يفصل الآيات لقوم يعلمون } . يوضح الدلائل من حكم الخلق ، مفصلة منوعة من كونية وعقلية ، لقوم يعلمون وجوه دلالة الدلائل ، والفرق بين الحق والباطل . باستعمال عقولهم في فهم هذه الآيات ، فيجزمون بأن من خلق هذين النيرين وما فيهما من النظام بالحق ، لا يمكن أن يكون خلقه لهذا الإنسان العجيب عبثا ولا أن يتركه سدى ، وفي الآية تنويه بفضل العلم وكون الإسلام دينا علميا لا تقليديا . iv

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (5)

{ 5 - 6 } { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ } .

لما قرر ربوبيته وإلهيته ، ذكر الأدلة العقلية الأفقية الدالة على ذلك وعلى كماله ، في أسمائه وصفاته ، من الشمس والقمر ، والسماوات والأرض وجميع ما خلق فيهما من سائر أصناف المخلوقات ، وأخبر أنها آيات { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } و { لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ } .

فإن العلم يهدي إلى معرفة الدلالة فيها ، وكيفية استنباط الدليل{[390]}  على أقرب وجه ، والتقوى تحدث في القلب الرغبة في الخير ، والرهبة من الشر ، الناشئين عن الأدلة والبراهين ، وعن العلم واليقين .

وحاصل ذلك أن مجرد خلق هذه المخلوقات بهذه الصفة ، دال على كمال قدرة الله تعالى ، وعلمه ، وحياته ، وقيوميته ، وما فيها من الأحكام والإتقان والإبداع والحسن ، دال على كمال حكمة الله ، وحسن خلقه وسعة علمه . وما فيها من أنواع المنافع والمصالح -كجعل الشمس ضياء ، والقمر نورا ، يحصل بهما من النفع الضروري وغيره ما يحصل- يدل ذلك على رحمة الله تعالى واعتنائه بعباده وسعة بره وإحسانه ، وما فيها من التخصيصات دال على مشيئة الله وإرادته النافذة .

وذلك دال على أنه وحده المعبود والمحبوب المحمود ، ذو الجلال والإكرام والأوصاف العظام ، الذي لا تنبغي الرغبة والرهبة إلا إليه ، ولا يصرف خالص الدعاء إلا له ، لا لغيره من المخلوقات المربوبات ، المفتقرات إلى الله في جميع شئونها .

وفي هذه الآيات الحث والترغيب على التفكر في مخلوقات الله ، والنظر فيها بعين الاعتبار ، فإن بذلك تنفتح البصيرة ، ويزداد الإيمان والعقل ، وتقوى القريحة ، وفي إهمال ذلك ، تهاون بما أمر الله به ، وإغلاق لزيادة الإيمان ، وجمود للذهن والقريحة .


[390]:- في ب: الدلائل.