{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ( 55 ) }
وعد الله بالنصر الذين آمنوا منكم وعملوا الأعمال الصالحة ، بأن يورثهم أرض المشركين ، ويجعلهم خلفاء فيها ، مثلما فعل مع أسلافهم من المؤمنين بالله ورسله ، وأن يجعل دينهم الذي ارتضاه لهم- وهو الإسلام- دينًا عزيزًا مكينًا ، وأن يبدل حالهم من الخوف إلى الأمن ، إذا عبدوا الله وحده ، واستقاموا على طاعته ، ولم يشركوا معه شيئًا ، ومن كفر بعد ذلك الاستخلاف والأمن والتمكين والسلطنة التامة ، وجحد نِعَم الله ، فأولئك هم الخارجون عن طاعة الله .
ثم تركت السورة الكريمة الحديث عن المنافقين ، لتسوق وعد الله الذى لا يتخلف للمؤمنين الصادقين ، قال - تعالى - : { وَعَدَ الله . . . } .
قال الإمام ابن كثير : " هذا وعد من الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض أى : أئمة الناس والولاة عليهم ، وبهم تصلح البلاد ، وتخضع لهم العباد ، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك . . . فإنه لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح عليه مكة وخيبر والبحرين ، وسائر جزيرة العرب ، ولهذا ثبت فى الصحيح عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله زوى لى الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها . . " .
وفى تصدير الآية الكريمة بقوله - تعالى - : { وَعَدَ الله . . } بشارة عظيمة للمؤمنين ، بتحقيق وعده - تعالى - ، إذ وعد الله لا يتخلف . كما قال - تعالى - : { وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، ومن بيانية ، والآية الكريمة مقررة لمضمون ما قبلها ، وهو قوله - تعالى - { وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ . . . } أى : وعد الله - تعالى - بفضله وإحسانه ، الذين صدقوا فى إيمانهم من عباده ، والذين جمعوا مع الإيمان الصادق ، العمل الصالح ، وعدهم ليستخلفهم فى الأرض ، أى : ليجعلنهم فيها خلفاء يتصرفون فيها تصرف أصحاب العزة والسلطان والغلبة ، بدلا من أعدائهم الكفار .
قال الآلوسى : واللام فى قوله " ليستخلفنهم " واقعة فى جواب القسم المحذوف . ومفعول وعد الثانى محذوف دل عليه الجواب . أى : وعد الله الذين آمنوا استخلافهم ، وأقسم ليستخلفنهم . . . و " ما " فى قوله " كما استخلف " مصدرية والجار والمجرور متعلق بمحذوف . وقع صفة لمصدر محذوف ، أى : ليستخلفنهم استخلافا كائنا كاستخلافه " الذين من قبلهم " من الأمم المؤمنة ، الذين أسكنهم الله - تعالى - فى الأرض بعد إهلاك أعدائهم من الكفرة الظالمين .
هذا هو الوعد الأول للمؤمنين : أن يجعلهم - سبحانه - خلفاءه فى الأرض . كما جعل عباده الصالحين من قبلهم خلفاءه ، وأورثهم أرض الكفار وديارهم .
وأما الوعد الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى - { وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارتضى لَهُمْ } .
والتمكين : التثبيت والتوطيد والتمليك . يقال : تمكن فلان من الشىء ، إذا حازه وقدر عليه .
أى : وعد الله المؤمنين بأن يجعلهم خلفاءه فى أرضه ، وبأن يجعل دينهم وهو دين الإسلام الذى ارتضاه لهم . ثابتا فى القلوب ، راسخا فى النفوس . باسطا سلطانه على أعدائه ، له الكلمة العليا فى هذه الحياة ، ولمخالفيه الكلمة السفلى .
وأما الوعد الثالث فهو قوله - سبحانه - : " وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا " .
أى : وعدهم الله - تعالى - بالاستخلاف فى الأرض ، وبتمكين دينهم . وبأن يجعل لهم بدلا من الخوف الذى كانوا يعيشون فيه ، أمنا واطمئنانا ، وراحة فى البال ، وهدوءا فى الحال .
قال الربيع بن أنس عن أبى العالية فى هذه الآية : " كان النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين . يدعون إلى الله وحده . . . وهم خائفون ، فلما قدموا المدينة أمرهم الله بالقتال ، فكانوا بها خائفين ، يمسون فى السلاح ويصبحون فى السلاح . فصبروا على ذلك ما شاء الله . ثم إن رجلا من الصحابة قال : يا رسول الله : " أبد الدهر نحن خائفون هكذا ؟ أما يأتى علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ؟ فقال صلى الله عليه وسلم لن تَغْبَرُوا - أى : لن تمكثوا - إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم فى الملأ العظيم محتبيا ليست فيهم حديدة " " .
وأنزل الله هذه الآية فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فآمنوا ووضعوا السلاح . . .
ولكن هذا الاستخلاف والتمكين والأمان متى يتحقق منه - سبحانه - لعباده ؟
لقد بين الله - تعالى - الطريق إلى تحققه فقال { يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً } فهذه الجملة الكريمة يصح أن تكون مستأنفة ، أى : جوابا لسؤال تقديره متى يتحقق هذا الاستخلاف والتمكين والأمان بعد الخوف للمؤمنين ؟ فكان الجواب : يعبدوننى عبادة خالصة تامة مستكملة لكل شروطها وآدابها وأركانها ، دون أن يشركوا معى فى هذه العبادة أحدا كائنا من كان .
كما يصح أن تكون حالا من الذين آمنوا ، فيكون المعنى : وعد الله - تعالى - عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، بالاستخلاف فى الأرض ، وبتمكين دينهم فيها . وبتبديل خوفهم أمنا ، فى حال عبادتهم له - سبحانه - عبادة لا يشوبها شرك أو رياء أو نقص .
وروى الإمام أحمد عن أبى بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة ، والدين والنصر والتمكين فى الأرض ، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا ، لم يكن له فى الآخرة نصيب " . ذلك هو وعد الله - تعالى - لعباده الذين أخلصوا له العبادة والطاعة ، وأدوا ما أمرهم به ، واجتنبوا ما نهاهم عنه ، أما الذين انحرفوا عن طريق الحق . وجحدوا نعمه - سبحانه - عليهم ، فقد بين عاقبتهم فقال : { وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك فأولئك هُمُ الفاسقون } .
أى : ومن كفر بعد كل هذه النعم التى وعدت بها عبادى الصالحين ، واستعمل هذه النعم فى غير ما خلقت له ، فأولئك الكافرون الجاحدون هم الفاسقون عن أمرى ، الخارجون عن وعدى ، الناكبون عن صراطى .
وهكذا نرى الآية الكريمة قد جمعت أطراف الحكمة من كل جوانبها ، فقد رغبت المؤمنين فى إخلاص العبادة لله - تعالى - بأسمى ألوان الترغيب ، حيث بينت لهم أن هذه العبادة سيترتب عليها الاستخلاف والتمكين والأمان . ثم رهبت من الكفر والجحود ، وبينت أن عاقبتهما الفسوق والحرمان من نعم الله - تعالى - .
قوله تعالى : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ويبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ( 55 ) } روي في سبب نزول هذه الآية أن بعض أصحاب النبي ( ص ) شكا إليه ما هم فيه من العدو ، وتضييقه عليهم ، وشدة الخوف وما يلقون من الأذى ، فنزلت هذه الآية بالوعد الجميل لهم فأنجزه الله وملكهم ما وعدهم وأظهرهم على عدوهم .
وروى أبو العالية قال : مكث النبي ( ص ) عشر سنين خائفا يدعو إلى الله سرا وجهرا ثم أمر بالهجرة إلى المدينة ، فمكث بها وأصحابه خائفين يصبحون في السلاح ويمسون . فقال رجل : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح ؟ ! فقال النبي ( ص ) : معناها : لا تعبرون ( لا تلبثون ) إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس بيده حديدة{[3283]} .
وهذه الآية من الله قول صدق ووعد حق ، وعد به رسوله ( ص ) بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض ليكونوا أئمة الناس . فلا جرم أن تصلح بهم الدنيا ويستقيم الناس بشرعهم وملتهم ليعيشوا سالمين آمنين كراما في حياتهم الدنيا . وقد أنجز الله لرسوله الكريم ( ص ) ما وعده ؛ فإنه لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن . ولقد هاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر المقوقس . وكذلك النجاشي ملك الحبشة . ولما مات ( ص ) وقام بالأمر بعده خليفتاه أبو بكر ثم عمر بن الخطاب اللذان جمعا شمل المسلمين من حول عقيدة الإسلام وبعثا جيوش المسلمين إلى فتح البلاد في فارس بقيادة أبطال صناديد من قادة المسلمين وعلى رأسهم أسد الله وأسد رسوله ، خالد بن الوليد . وبعثا جيشا يقوده نفر من عظماء الإسلام الأشاوش وفي طليعتهم أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح . ففتحوا الديار والأمصار ، وأشاعوا فيها رسالة الإسلام ، وعمت البلاد الهداية والخير والبركة .
ثم تولى من بعدهما عثمان بن عفان ، هذا الصحابي المفضال المبجّل ، الذي قتل مظلوما في نفسه رحمه الله . ثم جاء من بعده علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله ( ص ) وصهره . هذا الصحابي النابغ الهصور ، الذي تتجلى فيه خصائص فذة من العلم والنبوغ والبلاغة والورع والشجاعة والفطانة . هذا الصحابي الذي انبرى لنشر الإسلام في الآفاق حتى غلبه القدر المحتوم يوم أن تمالأ عليه الحاقدون الخائنون الذين كادوا له بليل فدفعوا إليه من يقتله غيلة وغدرا فخرّ شهيدا مكرّما ، عليه من الله الرحمة والرضوان .
وفي فضل الأربعة هؤلاء أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن سفينة مولى رسول الله ( ص ) أن رسول الله قال : " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا عضوضا " .
ومن الحق الذي لا مراء فيه أن خلافة الراشدين الأربعة كانت خير فترة من الزمان سجلها تاريخ الإنسانية ومرت بها الأجيال من البشر ، بما تجلى فيها من بالغ العدل والتُّقى والرحمة ، وكامل الفضل والطهر والاستقامة والأمان ، فضلا عما تحقق في أشخاص ذلك الجيل الفريد من عجائب القيم والمثاليات المثيرة المذهلة . والحديث عن طهر الخلفاء الأربعة الراشدين وعن زهدهم وبالغ إخلاصهم وتجردهم من حظوظ الدنيا يطول . وكفى شاهدا على ذلك قول الرسول ( ص ) : " خير القرون قرني " .
أما الخلفاء والولاة من بعد الراشدين الأربعة فقد أبلوا عظيم البلاء في نشر الإسلام وترسيخ قواعده وأركانه وتثبيت حضارته وبنيانه الشامخ في أنحاء الدنيا ، بالرغم مما قيل في حقهم من بعض القوادح المنسوبة إليهم .
فهم كغيرهم من البشر لا ينجون من الزلل أو القوادح أو الخطل ؛ لأنهم أناس من جنس البشر لا تصدهم عن الأخطاء والزلات عِصْمة . ومع ذلك فإن زلاتهم بالغة الهوان بالنظر إلى ما تثيره حول أشخاصهم وعن سيرتهم أقلام الحاقدين والمتربصين الذين يكرهون الإسلام . أولئك الأفاكون الخراصون الذين زيفوا التاريخ من حول الإسلام وأشاعوا عنه وعن رجاله من الحكام والولاة والخلفاء ما هم منه برآء . كالذي قيل افتراء وزورا عن الخليفة العظيم هارون الرشيد وغيره من ساسة المسلمين .
وكيفما يكن الأمر فإن هؤلاء الساسة الميامين قد نشروا الإسلام في الأرض وحملوا لواء الحق والعدل والعلم في ربوع العالمين ، وأشاعوا بين العباد كل ظواهر الأمن والرخاء والاستقرار ، وأحلوا شعوبهم وأممهم دار الكرامة والمجد والإحساس بالعزة والاستعلاء والثقة ، فكانوا سادة الدنيا وكانوا أقوياء أشداء يهابهم الظالمون من حولهم ، وترتعد من بأسهم وسلطانهم وعظيم شوكتهم فرائص المجرمين الماكرين الذين يكرهون الإسلام والمسلمين .
إن ما حُسب على الخلفاء من بني أمية والعباس والذين جاءوا من بعدهم ، من الأخطاء والزلات ، ما ينبغي إلا أن تنمحي من الذاكرة كليا كلما ذكرنا صنائع هؤلاء الولاة الأعاظم من الفتوحات وبناء الحضارات الهائلة التي تفيض بالعلم والاستقرار والبحبوحة والاستقرار والعزة والمهابة لأمة الإسلام .
على أن هذا الوعد من الله بالنصر والتمكين والتأييد إنما هو لجميع المسلمين في كل زمان ؛ لأن الآية عامة لأمة محمد ( ص ) ، غير مخصوصة ؛ إذ التخصيص لا يكون إلا بالخبر الصحيح . ومن الأصل التمسك بالعموم ما لم يرد ما يخصصه .
وعلى هذا فإن وعد الله قائم لا يُخلف ؛ فقد وعد عباده المؤمنين بالنصر والتمكين في الأرض ليكونوا آمنين سالمين سعداء إذا ما آمنوا وعملوا الصالحات وقاموا بفعل الطاعات ، وبمجانبة المعاصي ، والتزموا دين الإسلام بكل أحكامه وشرائعه ونظمه وما يقتضيه ذلك من جمع الكلمة ووحدة القلوب ؛ ليكون المسلمون جميعا متعاونين متراحمين متوادين فيما بينهم . وحينئذ يجعل الله لهم العزة والمنعة والسلطان . وهو قوله : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) ( كما ) ، الكاف في محل نصب على المصدر ؛ أي استخلافا كما استخلف الذين . والمراد كل من استخلفهم الله في الأرض من الأمم السابقة وجعل لهم المنعة والعزة .
قوله : ( وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ) المراد بدينهم هنا ، الإسلام . وهو دين الحق الذي ارتضاه الله للبشرية لتهتدي بهديه ، وليكون لها نورا ينير لها الطريق ، ويبدد من أمامها الظلمات ؛ فلسوف يجعل الله الإسلام مكينا منيعا ظاهرا على كل الشرائع والملل .
قوله : ( وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) أي يجعلهم الله آمنين مطمئنين بعد أن كانوا خائفين وجلين من أعداء الله المجرمين . كذلك كانت حال المسلمين قبل هجرتهم من مكة وبعدها بقليل . كانت تحيط بهم أسباب الخوف والذعر . وكان الأعداء الظالمون يحيطون بهم من كل جانب حتى منّ الله عليهم عقب ذلك بالنصر والأمن والتمكين في الأرض ، فجعلهم آمنين سالمين لا يخشون أحدا إلا الله . بعد أن أذل الله المشركين والظالمين والمتربصين ، وساقهم الهوان والخزي . وهو مصير المجرمين من أعداء الله والدين ، أعداء المسلمين في كل زمان ومكان . لسوف يسومهم الله الوبال والمهانة والقهر جزاء أفاعليهم النكراء وجرائمهم البشعة في حق المسلمين . وذلك بعد أن يفيق المسلمون من غفلتهم وينهضوا من كبوتهم فيعاودوا الاستمساك بعقيدة الإسلام والالتفاف من حول هذا الدين الكريم ليجعل الله لهم النصر والمنعة والاستعلاء . وحينئذ تكون لهم الريادة والسيادة على العالمين فينطلقون في أرجاء الأرض مبشرين بدين الله الحق ، حاملين ألوية الهداية والرحمة للبشرية .
قوله : ( يعبدونني لا يشركون بي شيئا ) ( يعبدونني ) ، جملة فعلية في محل نصب على الحال{[3284]} ؛ أي يذعنون لي بالطاعة والخضوع ويستسلمون لما أمرتهم به ، ولا يعبدون أحدا من دوني يتخذونهم شركاء كالأرباب المزيفة المصطنعة .
قوله : ( ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) ( كفر ) هنا من الكفران وهو جحود النعمة ؛ أي من جحد ما أنعمه الله عليه فهو من العصاة الجاحدين لنعم الله . ومن عظائم نعم الله : تمكين المسلمين في الأرض ليكونوا أقوياء أولي مهابة وشوكة وسلطان .
والمسلمون باقون على حالهم من القوة والبأس وظهور الشوكة ماداموا معتصمين بحبل الله ، ساربين في طريق الحق والعدل ، سائرين على منهج الله . المنهج الكامل الشامل السديد وهو الإسلام . حتى إذا ضل المسلمون عن دينهم أو زاغوا عن منهج الله واستعاضوا عنه بشرائع الكفر والكافرين وانفتلوا عن صراط ربهم انفتالا أفضى بهم من الفسق والعصيان واتباع الأهواء والشهوات والملذات وركنوا إلى الدنيا بزينتها ومتاعها وزخرفها ، حينئذ ينساهم الله ويدعهم وشأنهم ، فما يصيرون بعد ذلك إلا إلى التخلخل والخور والانهيار لتتقطع أوصالهم ، وتنتقض عرى الوحدة والأخوة فيهم ، فيبيتون عرضة لتكالب المشركين والظالمين عليهم ؛ إذ ينقضون عليهم انقضاضا من كل جانب ليقتلوهم تقتيلا ويمزقوهم شر تمزيق وليقطعوهم شذر مذر ، وليستبيحوا كل حرماتهم ، فيجوسوا خلال ديارهم فلا يراعوا فيهم إلا ولا ذمة . كالذي حل بالمسلمين في كثير من بقاع الأرض مثل : الأندلس وفلسطين وكشمير وبلاد البوسنة وغير ذلك من بلاد المسلمين التي عاث فيها المجرمون الظالمون تقتيلا وتدميرا وتخريبا .
ومع كل هذه المآسي والويلات والعظائم المريعة التي نزلت بساحة المسلمين ، فما زالت طائفة من المسلمين تعمل في جد ويقظة وحرص ؛ لإظهار شأن الإسلام وإعادة مجده وعزه وسلطانه ، لا يصدها عن هذا المسعى بأس عدو ولا فتنة ظالم متربص . وهم ماضون لأمر الله في ثبات وعزم ويقين بالرغم من كل المؤامرات والمكائد التي يخطط لها الظالمون من الصليبيين والوثنيين والملحدين والاستعماريين والصهيونيين ، حتى يحكم الله لأوليائه الثابتين الصابرين بالنصر والغلبة . وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ( ص ) أنه قال : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة " {[3285]} .