محاسن التأويل للقاسمي - القاسمي  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} (28)

{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } أي وما أرسلناك إلا إرسالة عامة لجميع الخلائق من المكلفين . تبشر من أطاعك بالجنة ، وتنذر من عصاك بالنار ، كقوله تبارك{[6283]} وتعالى : { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } {[6284]} { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } .

{ ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي فيحملهم جهلهم على ما هم فيه من الغي والضلال كقوله عز وجل{[6285]} { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } {[6286]} { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله } قال ابن عباس- فيما رواه ابن أبي حاتم- ( إن الله تعالى فضل محمدا صلى الله عليه وسلم على أهل السماء والأنبياء . قالوا : يا ابن عباس  ! فيم فضله الله على الأنبياء ؟ قال رضي الله عنه : إن الله تعالى قال :{[6287]} { وما أرسلنا من رسول إلا/ بلسان قومه ليبين لهم } ، وقال : للنبي صلى الله عليه وسلم{[6288]} { وما أرسلناك إلا كافة للناس } فأرسله الله إلى الجن و الإنس ) .

قال ابن كثير : وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما قد ثبت في ( الصحيحين ) . رفعه عن جابر رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم{[6289]} : ( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر . وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل . وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي . وأعطيت الشفاعة . وكان النبي يبعث إلى قومه ، وبعثت إلى الناس عامة ) . وفى ( الصحيح ) أيضا{[6290]} ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بعثت إلى الأسود والأحمر ) . قال مجاهد : يعني الجن والإنس . وقال غيره : يعني العرب والعجم اه . والتحقيق في معنى عموم إرساله وشمول بعثته ، هو مجيئه بشرع ينطبق على مصالح الناس وحاجاتهم أينما كانوا ، وأي زمان وجدوا ، مما لم يتفق في شرع قبله قط . ولهذا ختمت النبوات بنبوته صلى الله عليه وسلم ، كما تقرر في موضعه .


[6283]:[7/الأعراف/158].
[6284]:[25/الفرقان/1].
[6285]:[12/يوسف/103].
[6286]:[6/الأنعام/116].
[6287]:[14/إبراهيم/4].
[6288]:[34/سبأ/28].
[6289]:أخرجه البخاري في:7-كتاب التيمم،1-باب قوله تعلى{فلم تجدوا ماء فتيمموا}، حديث رقم231، عن جابر بن عبد الله.
[6290]:أخرجه مسلم في: 5-كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث رقم 3 عن جابر بن عبد الله(طبعتنا).