تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة يوسف

سورة يوسف مكية ، آياتها مائة وإحدى عشرة ، ذكر الله تعالى فيها قصة يوسف في ثمان وتسعين آية ، وقدّم لها بثلاث آيات ذكر فيها هذا الوحي الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم ، فسمّاه في الآية الأولى كتابا مبينا ، وفي الثانية قرآنا عربيا ، إشارة إلى أن من حقه أن يحفظ في السطور والصدور معا ، ثم ذكر في الآية الثالثة ما اشتمل عليه من أحسن القصص ، وذكّر النبي بأنه لم يكن يعلمه قبل أن ينزل الوحي به عليه ، وذلك دليل على أنه من عند الله .

وقد ختمت القصة والسورة بتأكيد ما بدئت به ، فوجّه الله نظر نبيه في عشر آيات إلى أن هذه القصة من أنباء الغيب ، لم يكن الرسول يعلم حقائقها ودقائقها قبل أن ينزل عليه الوحي بها ، ولم يكن عند إخوة يوسف حين أجمعوا أمرهم ودبروا لأخيهم . ثم أخبره بأن العناد والحسد بحمل أكثر الناس على الكفر ، وأن حرصه عليه الصلاة والسلام على إيمان أكثرهم لا يجديه ، وعزّاه عن ذلك بأنه لا يطلب أجرا ، وإنما يحمل إليهم القرآن هدى وذكرى للناس أجمعين . وقد أشار في ختام السورة إلى الرسل الذين ذكر له قصصهم ومواقف أقوامهم منهم ، وأكد أن في قصص هؤلاء الأنبياء عبرا لأصحاب العقول ، وإن هذا القرآن الذي تحدث بهذه القصص وغيرها ما كان حديثا يختلق وينسب إلى الله كذبا ، بل هو الكتاب المصدق لما بين يديه من الكتب السماوية الصحيحة ، والهدى والرحمة لقوم يفكرون ويعتبرون .

وأظهر خصائص هذه السورة أنها ذكرت قصة يوسف بتمامها ، وأظهرت بروز الحسد في الأسرة إذا ظهرت المحبة من الوالد ، فقد حمل حسد أولاد يعقوب لأخيهم يوسف على إلقائه في قعر البئر ، لكن الله حفظه من مكرهم ، كما حفظه فيما بعد من إغراء امرأة العزيز ، ومكّن له في أرض مصر وجعله ملاذا لإخوته الذين ائتمروا به . وكذلك شأنه سبحانه مع أنبيائه وأوليائه ، ينصرهم على أعدائهم ، ويمكن لهم في الأرض .

وقد نزلت هذه السورة بعد سورة هود في تلك الفترة الحرجة بين عام الحزن ، وبين بيعة العقبة الأولى ثم الثانية اللتين جعل الله تعالى فيهما للرسول الكريم وللمؤمنين فرجا ومخرجا بالهجرة إلى المدينة .

والمناسبة بينها وبين سورة هود أن الأولى متممة لما في الأخيرة من قصص الرسل ، والاستدلال بذلك على كون القرآن وحيا من عند الله نزل على خاتم النبيين . والفرق بين القصص في " يوسف " وفيما قبلها ، أن السابق كان قصص الرسل مع أقوامهم في تبليغ الدعوة والمحاجة فيها وعاقبة من آمن منهم ومن كذبوهم لإنذار مشركي مكة ومن تبعهم من العرب .

أما هذه السورة فهي قصة نبيّ تربّى في قوم غير قومه حتى بلغ أشده واكتهل ، فجاءته النبوة وأرسل ودعا إلى دينه . ثم تولى إدارة الملك بقطر عظيم فأحسن الإدارة والسياسة فيه ، وكان خير قدوة للناس في رسالته وفي جميع أعماله وتصرفاته . ومن أعظم ذلك شأنه مع أبيه وإخوته ، وكان من حكمة الله أن يجمعها في سورة واحدة ، ومن ثم كانت " يوسف " أطول قصة في القرآن الكريم . ويوسف هو ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام .

وكان واحدا من اثني عشر ابنا ليعقوب ، جميل الصورة ، يضرب المثل به في الحسن .

وكان والده يحبه حبا عظيما ويؤثره على جميع أولاده . فحقد إخوته عليه . وقد ورد اسم يوسف في 26 آية من الكتاب الكريم ، منها 24 في سورة يوسف ، وآية في الأنعام وأخرى في سورة غافر .

وسبب نزول هذه السورة أن لقي بعض كفار مكة جماعة من اليهود ، فتباحثوا في ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم اليهود : سلوه لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر ؟ وعن قصة يوسف . فنزلت السورة .

ويوسف هو الابن الحادي عشر ليعقوب ، وأمه راحيل ، وعندما ألقاه إخوته في البئر التقطه بعض أصحاب القوافل ، وباعوه رقيقا لكبير الشرطة في مصر ، ثم آل إلى الحاكم .

وكانت العاصمة مدينة " صان " المعروفة بصان الحجر ، وسماها اليونان " تأنيس " وهي " تنيس " في الشرقية قرب بحيرة المنزلة . وكان غلاما صغيرا ، فلما كبر حاولت امرأة الحاكم إغراءه ، فأبى ، وسجن حتى فسّر الرؤيا ، فقربه الحاكم واحتل مكانة عظيمة عنده ، وكان ذلك في عهد الهكسوس ، وهم قوم ساميّون ، حكموا نحو قرن ونصف من القرن الثامن عشر إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد . وكان حكمهم ما بين الأسرة الرابعةعشرة إلى الثامنة عشرة من الفراعنة التي منها الملك " أحمِس " ، وهو الذي طردهم من مصر .

بسم الله الرحمان الرحيم

ألف . لام . را . سبقت الإشارة إلى تلك الحروف وأمثالها في القرآن الكريم .

المبين : الواضح المرشد إلى مصالح الدنيا وسبيل الوصول إلى سعادة الآخرة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة يوسف

مكية كلها على المعتمد وروي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا : إلا ثلاث آيات من أولها واستثنى بعضهم رابعة وهي قوله سبحانه : ( لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ) وكل ذلك واه جدا لا يلتفت إليه وما اعتمدناه كغيرنا هو الثابت عن الحبر وقد أخرجه النحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عنه وأخرجه الأخير عن ابن الزبير وهو الذي يقتضيه ما أخرجه الحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع من حديث طويل يحكى فيه قدوم رافع مكة وإسلامه وتعليم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إياه هذه السورة و ( اقرأ باسم ربك ) وآياتها مائة وإحدى عشرة آية بالإجماع على ما نقل عن الداني وغيره وسبب نزولها على ما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه أنزل القرآن على رسوله عليه الصلاة والسلام فتلاه على أصحابه زمانا فقالوا : يا رسول الله لو قصصت علينا فنزلت وقيل : هو تسلية الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم عما يفعله به قومه بما فعلت إخوة يوسف عليه السلام به وقيل : إن اليهود سألوه صلى الله تعالى عليه وسلم أن يحدثهم بأمر يعقوب وولده وشأن يوسف وما انتهى إليه فنزلت وقيل : إن كفار مكة أمرتهم اليهود أن يسألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن السبب الذي أحل بني إسرائيل بمصر فسألوه فنزلت ويبعد القولين الأخيرين فما زعموا ما أخرجه البيهقي في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن حبرا من اليهود دخل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فوافقه وهو يقرأ سورة يوسف فقال : يا محمد من علمكها قال : الله علمنيها فعجب الحبر لما سمع منه فرجع إلى اليهود فقال لهم : والله إن محمدا ليقرأ القرآن كما أنزل في التوراة فانطلق بنفر منهم حتى دخلوا عليه فعرفوه بالصفة ونظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه فجعلوا يستمعون إلى قراءة سورة يوسف فتعجبوا وأسلموا عند ذلك وفي القلب من صحة الخبر ما فيه ووجه مناسبتها للتي قبلها إشتمالها على شرح ما قاساه بعض الأنبياء عليهم السلام من الأقارب وفي الأولى ذكر ما لقوا من الأجانب وأيضا قد وقع فيما قبل ( فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ) وقوله سبحانه : ( رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ) ووقع هنا حال يعقوب مع أولاده وما صارت إليه عاقبة أمرهم مما أقوى شاهد على الرحمة وقد جاء عن ابن عباس وجابر بن زيد أن يونس نزلت ثم هود ثم يوسف وعد هذا وجها آخر من وجوه المناسبة .

{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم الر } الكلام فيه وفي نظائره شهير وقد تقدم لك منه ما فيه إقناع ، والإشارة في قوله سبحانه : { تِلْكَ ءايات الكتاب } إليه في قول ، وإلى { ءايات } هذه السورة في آخر ، وأشير إليها مع أنها لم تذكر بعد لتنزيلها لكونها مترقبة منزلة المتقدم أو لجعل حضورها في الذهن بمنزلة الوجود الخارجي والإشارة بما يشار به للبعيد . أما على الثاني فلأن ما أشير إليه لما لم يكن محسوساً نزل منزلة البعيد لبعده عن حيز الإشارة أو العظمة وبعد مرتبته وعلى غيره لذلك ، أو لأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه صار كالمتباعد .

وزعم بعضهم أن الإشارة إلى ما في اللوح وهو بعيد ، وأبعد من ذلك كون الإشارة إلى التوراة والإنجيل أو الآيات التي ذكرت في سورة هود ؛ والمراد بالكتاب إما هذه السورة أو القرآن ، وقد تقدم لك في يونس ما يؤنسك تذكره هنا فتذكر { المبين } من أبان بمعنى بأن أي ظهر فهو لازم أي الظاهر أمره في كونه من عند الله تعالى وفي إعجازه أو الواضح معانيه للعرب بحيث لا تشتبه عليهم حقائقه ولا تلتبس عليهم دقائقه وكأنه على المعنيين حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع واستتر ولا يعد هذا من حذف الفاعل المحظور فلا حاجة إلى القول بأن الإسناد مجازي فراراً منه . أو بمعنى بين بمعنى أظهر فهو متعد والمفعول مقدر أي المظهر ما فيه هدى ورشد . أو ما سألت عنه اليهود( {[326]} ) أو ما أمرت أن تسئل عنه من السبب الذي أحل بني إسرائيل بمصر . أو الأحكام والشرائع وخفايا الملك والملكوت وأسرار النشأتين وغير ذلك من الحكم والمعارف والقصص .

وعن ابن عباس . ومجاهد الاقتصار على الحلال والحرام وام يحتاج إليه في أمر الدنيا ، وأخرج ابن جرير عن خالد بن معاذ عن معاذ رضي الله تعالى عنه أنه قال في ذلك : بين الله تعالى فيه الحروف التي سقطت عن ألسن الأعاجم ، وهي ستة أحرف : الطاء . والظاء . والصاد . والضاد . والعين . والحاء المهملتان ، والمذكور في الفرهنك . وغيره من الكتب المؤلفة في اللغة الفارسية أن الأحرف الساقطة ثمانة ، ونظم ذلك بعضهم فقال :

هشت حرفست أنكه أندر فارسي *** نايدهميتاينا موزى بناشى أندرين

معنى معافبشنوا كنون تاكدام *** أست أن حروف ويا دكيرثا

. وحا . وصاد . ضاد . وطا *** . وظا . وعين . وقاف

ومع هذا فالأمر مبني على الشائع الغالب وإلا فبعض هذه الأحرف موجود في بعض كلماتهم كما لا يخفى على المتتبع ، ولعل الوصف على الأقوال الأول أمدح منه على القول الأخير ، والظاهر أن ذلك وصف له باعتبار الشرف الذاتي


[326]:- وفي الكلام على هذا براعة استهلال فافهم اهـ منه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مكية كلها . وقيل : إلا أربع آيات . والسورة عظيمة في دلالاتها ومقاصدها وما حوته من دروس وأخبار وعبر . وهي قصص من قصص الله ؛ بل هي أحسن القصص الذي قصه الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ليوقفه على أخبار السابقين من النبيين والأمم . وفي طليعة هذه الأخبار جميعا تأتي قصة نبي الله يوسف عليه السلام مع إخوته الذين كادوا له أشد الكيد وحسدوه بالغ الحسد لما وجدوه من فيض التحنان يتقاطر على قلب أبيهم يعقوب عليه السلام نحو ولده هذا الصغير الصبيح المبارك يوسف عليه السلام ؛ فقد رأى هذه الكريم المبارك –على براءته المطلقة في سن الطفولة- رؤيا أثارت قلب أبيه الفطن يعقوب فأوجس من إخوته خفية أن يأكل قلوبهم الحسد الأسود فيؤذوه أيما إيذاء . وكل الذي خشيه يعقوب وتوجس منه الخفية قد كان ! فلقد ائتمر الإخوة بأخيهم الطيب الصبيح المبارك ليلقوه في إحدى المهالك ، حتى استقر قراراهم اللئيم المنكر ، بإلقائه في الجب ليتخلصوا منه تمام فتهدأ نفوسهم الماكرة الشريرة التي استحوذت عليها لطخة الحسد البغيض ، واستشرت في أعماقها براثن الحقد الظلوم ، لا الشيء ، إلا لقرط البراءة التي تتجلى في طليعة هذا الصبي المشرق المبارك . ولما أحسوه من الحدب الحاني يتندى من قلب أبيهم يعقوب شغفا بأخيهم هذا الطفل المبرأ المعصوم . لا جرم أن قصة يوسف مع إخوته الحاسدين تظل على مر الزمن درسا مكتملا يتفهم منه الإنسان فيظل على يقين أن خصبة الحسد واحدة من خصال أساسية شتى قد جبل عليها ابن آدم ، فما يكاد ينجو منها بشر على وجه الأرض إلا أن يكون معصوما بوحي ، أو صديقا رفاقا من الصديقين الأبرار وقيل ما هم ! لكن جل البشرية لا ينجو من الحسد بدءا بابن آدم ؛ إذ طوعت له نفسه قتل أخيه حسدا من نفسه ، ومرورا بإخوة يوسف الذين تمالؤا على إلقاء أخيهم في مهاوي الموت . وما فتئت المجتمعات والأفراد والأجيال تتوالى وتمضي وهي يأخذ منها الحسد كل مأخذ . فما يكاد ينجو منها ذكر أو أنثى ، عالم أو جاهل ، عظيم أو حقير ، مؤمن أو فاسق إلا أن يتغمده الله بفيض من الهداية والخشوع والتقوى .

ومن هنا نجزم في يقين أن الإنسان لا ينجو من لوثة الحسد ؛ بل إن هذا الداء الوبيل المستحكم يتدسس في أغوار النفس من الإنسان ليسومه خسيسة الغيرة والأثرة والإفراط في حب الذات والامتعاض من الآخرين أن يصبيهم من الله خير أو فضل ! ومع ذلك كله فإن السعيد من اتعظ واتقى وخشي الرحمن في نفسه فصانها بعقيدة التوحيد وحسن الصلة بالله من لوثة الحسد البغيض .

وفي سبب نزول السورة أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يحدثهم بأمر يعقوب وولده وشأن يوسف وما انتهى إليه فنزلت .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن حبرا من اليهود دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافقه وهو يقرأ سورة يوسف فقال : يا محمد ، من علمكها ؟ قال : ( الله علمنيها ) ، فعجب الحبر لما سمع منه ، فرجع إلى اليهود فقال لهم : والله إن محمدا ليقرأ القرآن كما أنزل في التوراة ، فانطلق بنفر منهم حتى دخلوا عليه فعرفوه بالصفة ، ونظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه ؛ فجعلوا يستمعون إلى قراءة سورة يوسف فتعجبوا وأسلموا عند ذلك .

بسم الله الرحمان الرحيم

قوله تعالى : { الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ 1 إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } { الر } ، قد تقدم الكلام في مثل هذه الحروف من أوائل السور . والإشارة { تلك } إلى قوله : { الر } وغيرها من حروف العربية التي تركبت منها آيات القرآن فكان الكتاب الفذ المميز الذي لا يضاهيه في البيان أيما بيان . فهو بذلك معجز يسمو على طاقة البشر . ومما يعزز هذا التأويل قوله بعد الإشارة : { آيات الكتاب المبين } والمراد به القرآن ؛ فهو مستبين في نفسه ، ظاهر إعجازه للعرب فلم يقدروا أن يعارضوه . أو هو ظاهر في معانيه ومقاصده وأحكامه وأخباره .