كما أرسلنا إلى الأمم من قبِلك وأعطيناهم كتباً تتلى عليهم ، أرسلناك
يا محمد ، في أمة لاحقة وأعطيناك القرآن معجزة لتقرأه عليهم .
{ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن } فقل لهم أيها النبي : الله الذي خلقني هو ربي
لا إله بحق غيره ، { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ } عليه وحده توكلت في جميع أموري ، وإليه توبتي ومرجعي .
{ كذلك } أي مثل ذلك الإرسال العظيم الشأن المصحوب بالمعجزة الباهرة ، ويجوز أن يراد مثل إرسال الرسل قبلك { أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ } فيكون قد شبه إرساله صلى الله عليه وسلم بإرسال من قبله وإن لم يجر لهم ذكر لدلالة قوله تعالى : { قَدْ خَلَتْ } أي مضت { مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ } كثيرة قد أرسل إليهم رسل عليهم وروي هذا عن الحسن ، وقيل : الكاف متعلقة بالمعنى الذي في قوله تعالى : { قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء } [ الرعد : 27 ] الخ أي كما أنفذنا ذلك أرسلناك ونقل نحوه عن الحوفي ؛ وقال ابن عطية : الذي يظهر أن المعنى كما أجرينا العادة في الأمم السابقة بأن نضل ونهدي بوحي لا بالآيات المقترحة كذلك أيضاً فعلنا في هذه الأمة وأرسلناك إليهم بوحي لا بالآيات المقترحة فنضل من نشاء ونهدي من أناب ، وقال أبو البقاء : التقدير الأمر كذلك ، والحسن ما قدمناه وما روي عن الحسن .
و { فِى } بمعنى إلى كما في قوله تعالى : { فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ } [ إبراهيم : 9 ] وقيل : هي على ظاهرها ، وفيها إشارة إلى أنه من جملتهم وناشىء بينهم ولا تكون بمعنى إلى إذ لا حاجة لبيان من أرسل إليهم وفيه نظر ظاهر ، وهي متعلقة بالفعل المذكور ، وقول الزمخشري : في تفسير الآية يعني أرسلنا إرسالاً له شأن وفضل على الإرسالات ثم فسر كيف أرسله بقوله : { فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ } أي أرسلناك في أمة قد تقدمها أمم كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء لم يرد به أنها لا تتعلق بالمذكور بل أراد أن المشار إليه المبهم لما كان ما بعده تفخيماً كان بيانه بصلة ذلك الفعل حتى يزول الإبهام ، ويجوز أن يريد ذلك فيقدر أرسلناك ثانياً ويكون قوله : أي أرسلناك في أمة إظهاراً للمحذوف أيضاً لا بياناً لحاصل الآية وهو الذي آثره العلامة الطيبي ، والتعلق بالمذكور هو الظاهر ، وجملة { قَدْ خَلَتْ } الخ في موضع الصفة لأمة وفائدة الوصف بذلك قيل : ما أشار إليه الزمخشري .
واعترض بأنه لا يلزم من تقدم أمم كثيرة قبل أن لا يكون أمة يرسل إليها بعد حتى يلزم أن يكون صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء عليهم السلام ، وبحث فيه الشهاب بأن المراد بكون إرساله عليه الصلاة والسلام عجيباً أن رسالته أعظم من كل رسالة فهي جامعة لكل ما يحتاج إليه فيلزم أن لا نسخ إذ النسخ إنما يكون للتكميل والكامل أتم كمال غير محتاج لتكميل كما قال تعالى : { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } [ المائدة : 3 ] اه ولعمري أن الاعتراض قوي والبحث في غاية الضعف إذ لا يلزم من كون إرساله صلى الله عليه وسلم عجيباً ما ادعاه ، ولو سلمنا ذلك لا يلزم منه أيضاً كونه عليه الصلاة والسلام خاتماً إذ بعثه مقرر دينه الكامل كما بعث كثير من أنبياء بني إسرائيل لتقرير دين موسى عليه السلام لا يأبى ما ذكر من جامعية رسالته عليه الصلاة والسلام ولزوم عدم النسخ لذلك كما لا يخفى ، ولعله لهذا اختار بعضهم ما روي عن الحسن وقال : منبهاً على فائدة الوصف يعني مثل إرسال الرسل قبلك أرسلناك إلى أمم تقدمتها أمم أرسلوا إليهم فليس ببدع إرسالك إليها { *لتَتْلُوَا } لتقرأ { لّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } أي الكتاب العظيم الشأن ، ويشعر بهذا الوصف ذكر الموصول غير جار على موصوف ، وإسناد الفعل في صلته إلى ضمير العظمة وكذا الإيصال إلى المخاطب المعظم بدليل سابقه على ما سمعت أولاً ، وتقديم المجرور على المنصوب من قبيل الإبهام ثم البيان كما في قوله تعالى :
{ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ } [ الشرح : 2 ] وفيه ما لا يخفى من ترقب النفس إلى ما سيرد وحسن قبولها له عند وروده عليها ، وضمير الجمع للأمة باعتبار معناها كما روعي في ضمير { خَلَتِ } لفظها .
{ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن } أي بالبليغ الرحمة الذي أحاطت بهم نعمته ووسعت كل شيء رحمته فلم يشكروا نعمه سبحانه لا سيما ما أنعم به عليهم بإرسالك إليهم وإنزال القرآن الذي هو مدار المنافع الدينية والدنيوية عليهم بل قابلوا رحمته ونعمه بالكفر ومقتضى العقل عكس ذلك ، وكان الظاهر بنا إلا أنه التفت إلى الظاهر وأوثر هذا الاسم الدال على المبالغة في الرحمة للإشارة إلى أن الإرسال ناشيء منها كما قال سبحانه : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] وضمير الجمع للأمة أيضاً ، والجملة في موضع الحال من فاعل { أَرْسَلْنَا } لا من ضمير { عَلَيْهِمْ } إذ الإرسال ليس للتلاوة عليهم حال كفرهم ، ومنهم من جوز ذلك والتلاوة عليهم حال الكفر ليقفوا على إعجازه فيصدقوا به لعلمهم بأفانين البلاغة ولا ينافي تلاوته عليهم بعد إسلامهم ، وجوز في الجملة أن تكون مستأنفة الضمير حسبما علمت ، وقيل : أنه يعود على الذين قالوا : { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } [ الرعد : 27 ] وقيل : يعود على { أُمَّةٍ } وعلى { أُمَمٌ } ويكون في الآية تسلية له صلى الله عليه وسلم ، وعن قتادة . وابن جريج . ومقاتل أن الآية نزلت في مشركي مكة لما رأوا كتاب الصلح يوم الحديبية وقد كتب فيه علي كرم الله تعالى وجهه { بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم } فقال : سهيل بن عمرو : ما نعرف الرحمة إلا مسيلمة ، وقيل : سمع أبو جهل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا الله يا رحمن فقال إن محمداً ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إليهن فنزلت ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما قيل لكفار قريش :
{ اسجدوا للرحمن قَالُواْ وَمَا الرحمن } [ الفرقان : 60 ] ؟ فنزلت ، وضعف كل ذلك بأنه غير مناسب لأنه يقتضي أنهم يكفرون بهذا الاسم وإطلاقه عليه سبحانه وتعالى والظاهر أن كفره بمسماه { قُلْ } حين كفروا به سبحانه ولم يوحدوه { هُوَ } أي الرحمن الذي كفرتم به { رَبّى } خالقي ومتولي أمري ومبلغي إلى مراتب الكمال ، وإيراد هذا قبل قوله تعالى : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } أي لا مستحق للعبادة سواه تنبيه على أن استحقاق العبادة منوط بالربوبية ، والجملة داخلة في حيز القول وهي خبر بعد خبر عند بعض ، وقال بعض آخر : إنه تعالى بعد أن نعى على الكفرة حالهم وعكسهم مقتضى العقل أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن ينبههم على خاصة نفسه ووظيفته من الشكر ومآل أمره تأنيباً لهم فقال : هو ربي الذي أرسلني إليكم وأيدني بما أيدني ولا رب لي سواه { عَلَيْهِ } لا على أحد سواه { تَوَكَّلْتُ } في جميع أموري لا سيما في النصرة عليكم { وَإِلَيْهِ } خاصة { مَتَابِ } أي مرجعي فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم ، وقوله سبحانه : { لاَ إله إِلاَّ الله * هُوَ } اعتراض أكد به اختصاص التوكل عليه سبحانه وتفويض الأمور عاجلاً وآجلاً إليه ، ومثله قوله تعالى : { اتبع مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ لا إله إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين } [ الأنعام : 106 ] اه وإلى القول بالاعتراض ذهب «صاحب الكشف » حيث ذكر بعد { هُوَ رَبّى } الواحد المتعالي عن الشركاء فقال : جعله فائدة الاعتراض بلا إله إلا هو أي هذا البليغ الرحمة ولا إله إلا هو فهو بليغ الانتقام كما هو بليغ الرحمة يرحمني وينتقم لي منكم ، وهو تمهيد أيضاً لقوله : { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } ولم يجعل خبراً بعد خبر إذ ليس المقصود الأخبار بأنه تعالى متوحد بالإلهية بل المقصود أن المتوحد بها ربي وذلك يفيده الاعتراض ؛ وأما أن المفهوم من كلامه أنه حال ولذلك أجرى مجرى الوصف فكلا إلا أن يجعل حالاً مؤكدة ولا يغاير الاعتراض إذاً كثير مغايرة لكن الأول أملأ بالفائدة اه ولا يخفى ما في توجيه كلام الكشاف بذلك من الخفاء ، وفي كون المقصود أن المتوحد بالإلهية ربي دون الأخبار بأنه تعالى متوحد بها على ماقيل تأمل . ولعل مبناه أن ما أثبته أوفق بالغرض الذي يشير كلامه إلى اعتباره مساقاً للآية ، وفيه من المبالغة في وصفه تعالى بالتوحد ما لا يخفى .
نعم قيل للقول بالاعتراض وجه وأنه حينئذ لا يبعد أن يقال : إنه تعالى بعد أن ذكر إرساله صلى الله عليه وسلم إليهم وأن حالهم أنهم يكفرون بالبليغ الرحمة ولا يقابلون رحمته بالشكر فيؤمنوا به ويوحدوه أمره بالإخبار بتخصيص توكله واعتماده على ذلك البليغ الرحمة ورجوعه في سائر أموره إليه إيماء إلى أن إصرارهم على الكفر لا يضره شيئاً وأن له عليه الصلاة والسلام عاقبة محمودة وأنه سبحانه سينصره عليهم ، وفي ذلك من تسفيه رأيهم في الإصرار على الكفر واستنهاضهم إلى اتباعه ما فيه إلا أنه عز شأنه أمره أولاً أن يقول : { هُوَ رَبّى } توطئة لذلك وجيء بلا إله إلا هو اعتراضاً للتأكيد ، والذي يميل إليه الطبع بعد التأمل وملاحظة الأسلوب القول بالاعتراض ، ثم لا يخفى أن حمل { وَإِلَيْهِ مَتَابِ } على إليه رجوعي في سائر أموري خلاف الظاهر وأنه على ذلك يكون كالتأكيد لما قبله ، وقال شيخ الإسلام في تفسيره : أي إليه توبتي كقوله تعالى :
{ واستغفر لِذَنبِكَ } [ غافر : 55 ] أمر عليه الصلاة والسلام بذلك إبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله تعالى وأنها صفة الأنبياء وبعثاً للكفرة على الرجوع عما هم عليه بأبلغ وجه وألطفه ، فإنه عليه الصلاة والسلام حيث أمر بها وهو منزه عن شائبة اقتراف ما يوجبها من الذنب وإن قل فتوبتهم وهم عاكفون على أنواع الكفر والمعاصي مما لا بد منه أصلاً اه . وفيه أن هذا إنما يصلح باعثاً للإقلاع عن الذنب على أبلغ وجهه وألطفه لو كان الكلام مع غير الكفرة الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، ولعل ذلك ظاهر عند المنصف ، وقال العلامة البيضاوي ، في ذلك : أي إليه مرجعي ومرجعكم وكأنه أراد أيضاً فيرحمني وينتقم منكم ، والانتقام من الرحمن أشد كما قيل : أعوذ بالله تعالى من غضب الحليم .
وتعقب بأنه إنما يتم لو كان المضاف إليه المحذوف ضمير المتكلم ومعه غيره أي متابنا إذ يكون حينئذ مرجعي ومرجعكم تفصيلاً لذلك ولا يكاد يقول به أحد مع قوله بكسر الباء فإنه يقتضي أن يكون المحذوف الياء على أن ذلك الضمير لا يناسب ما قبله ، ولعل العلامة اعتبر أن في الآية اكتفاء على ما قيل : أي متابي ومتابكم أو أن الكلام دال عليه التزاماً وهذا أولى على ما قيل فتأمل .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{كذلك}، يعني: هكذا {أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم}، يعني قد مضت قبل أهل مكة، يعني الأمم الخالية، {لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك}، يعني لتقرأ عليهم القرآن، {وهم يكفرون بالرحمن}...
{قل هو ربي} يا محمد قل: الرحمن الذي يكفرون به هو ربي، {لا إله إلا هو عليه توكلت} يقول: به أثق، {وإليه متاب} يعني: التوبة، نظيرها في الفرقان: {فإنه يتوب إلى الله متابا} [الفرقان:71]...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: هكذا أرسلناك يا محمد في جماعة من الناس، يعني إلى جماعة قد خلت من قبلها جماعات على مثل الذي هم عليه، فمضت "لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ "يقول: لتبلغهم ما أرسلتك به إليهم من وحيي الذي أوحيته إليك. "وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرّحْمَنِ" يقول: وهم يجحدون وحدانية الله، ويكذّبون بها. "قُلْ هُوَ رَبّي" يقول: إن كفر هؤلاء الذين أرسلتك إليهم يا محمد بالرحمن، فقل: أنت: الله ربي "لا إلَهَ إلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَإلَيْهِ مَتابِ" يقول: وإليه مرجعي وأوبتي...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
المعنى: إنا أرسلناك يا محمد "في أمة "قد مضت "من قبلها أمم" وغرضي "أن تتلو" أي تقرأ عليهم ما "أوحينا إليك "من الأمر والنهي والوعد والوعيد. والارسال: تحميل الرسول الرسالة، فرسول الله قد حمله الله رسالة إلى عباده، فيها أمره ونهيه وبيان ما يريده وما يكرهه...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
لئن أرسلناك بالنبوة إليهم فلقد أرسلنا قبلك كثيراً من الرسل، ولئن أصابك منهم بلاءٌ فلقد أصاب مَنْ قَبْلَكَ كثيرٌ من البلاء، فاصْبِرْ كما صَبَرُوا تُؤْجَرْ كما أُجِرُوا. قوله جلّ ذكره {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ}. لئن كفروا بنا فآمِنْ أنت، وإذا آمنتَ فلا تبالِ بِمَنْ جَحَد...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ} مثل ذلك الإرسال أرسلناك، يعني: أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات، ثم فسر كيف أرسله فقال: {فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ} أي أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء، {لّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك، {وَهُمْ يَكْفُرُونَ} وحال هؤلاء أنهم يكفرون {بالرحمن} بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء، وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم {قُلْ هُوَ رَبّي} الواحد المتعالي عن الشركاء {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} في نصرتي عليكم {وَإِلَيْهِ مَتَابِ} فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم...
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
... أي: أرسلناك في أمة رحمة لها مني وهم يكفرون بي أي: وحال هؤلاء أنهم يكفرون بالرحمن بالبليغ الرحمة...
ونبه على الوصف الموجب لإرسال الرسول وهو الرحمة الموجبة لشكر الله على إنعامه عليهم ببعثة الرسول والإيمان به...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
كما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة: {لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أي: تبلغهم رسالة الله إليهم، كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله، وقد كُذّب الرسل من قبلك، فلك بهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، فإن تكذيبهم لك أشدّ من تكذيب غيرك من المرسلين... {قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ} أي: هذا الذي تكفرون به أنا مؤمن به، معترف مقر له بالربوبية والإلهية، هو ربي لا إله إلا هو، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي: في جميع أموري، {وَإِلَيْهِ مَتَابِ} أي: إليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما كان في ذلك فطم عن إنزال المقترحات، وكان إعراض المقترحين قد طال، وطال البلاء بهم والصبر على أذاهم، كان موضع أن يقال من كافر أو مسلم عيل صبره: أولست مرسلاً يستجاب لك كما كان يستجاب للرسل؟ فقيل: {كذلك} أي مثل إرسال الرسل الذي قدمنا الإشارة إليه في آخر سورة يوسف عليه الصلاة والسلام في قولنا {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم} [الأنبياء:7] الآية، وفي هذه السورة في قولنا {ولكل قوم هاد} و مثل هذا الإرسال البديع الأمر البعيد الشأن، والذي دربناك عليه غير مرة من أن المرجع إلى الله والكل بيده، فلا قدرة لغيره على هدى ولا ضلال، لا بإنزال الآية ولا غيره {أرسلناك} أي بما لنا من العظمة... ولما كانت الرسل لم تعم بالفعل الزمان كله، قال: {من قبلها أمم} طال أذاهم لأنبيائهم ومن آمن بهم واستهزاءهم في عدم الإجابة إلى المقترحات وقول كل أمة لنبيها عناداً بعد ما جاءهم من الآيات {لولا أنزل عليه آية} حتى كأنهم تواصوا بهذا القول حتى فعل الرسل وأتباعهم في إقبالهم على الدعاء وإعراضهم عمن يستهزئ بهم -فعل الآيس من الإنزال... وما أرسلناك ومن قبلك من الرسل إلا لتلاوة ما يوحى، لا لطلب الإجابة إلى ما يقترح الأمم من الآيات ظناً أنها تكون سبباً لإيمان أحد، نحن أعلم بهم، وهذا كله تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: {بالرحمن} إشارة إلى كثرة حلمه وطول أناته، وتصوير لتقبيح حالهم في مقابلتهم الإحسان بالإساءة والنعمة بالكفر بأوضح صورة وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان وأبعدهم من الكفران. ولما تضمن كفرهم بالرحمن كفرهم بالقرآن ومن أنزل عليه، وكان الكفر بالمنعم في غاية القباحة، كان كأنه قيل: فماذا أفعل حينئذ أنا ومن اتبعني؟ لا نتمنى إجابتهم إلى مقترحاتهم إلا رجاء إيمانهم، وكان جوابهم عن الكفر بالموحى أهم، بدأ به فقال: {قل} عند ذلك إيماناً به {هو} أي الرحمن الذي كفرتم به {ربي} المربي لي بالإيجاد وإدرار النعم، المحسن إليّ لا غيره، لا أكفر إحسانه كما كفرتموه أنتم، بل أقول: إنه {لا إله إلا هو} أنا به واثق في التربية والنصرة وغيرها. ولما كان تفرده بالإلهية علة لقصر الهمم عليه، قال: {عليه} أي وحده لا شريك له {توكلت} والتوكل: التوثق في تدبير النفس برده إلى الله على الرضى بما يفعل {وإليه} أي لا إلى غيره {متاب} أي مرجعي، معنى بالتوبة وحساً بالمعاد، وهذا تعريض بهم في أن سبب كفرهم إنكار يوم الدين...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{كذلك} مثلَ ذلك الإرسالِ العظيمِ الشأن المصحوبِ بهذه المعجزة الباهرة {أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ} أي مضت {مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ} كثيرة قد أُرسل إليهم رسل {لتَتْلُوَ} لتقرأ {عَلَيْهِمُ الذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} من الكتاب العظيمِ الشأن وتهديَهم إلى الحق رحمةً لهم، وتقديمُ المجرور على المنصوب من قبيل الإبهام ثم البيان كما في قوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} [الشرح، الآية 2] وفيه ما لا يخفى من ترقب النفس إلى ما سيرِدُ وحسنِ قولها عند ورودِه عليها {وَهُمْ} أي والحالة أنهم {يَكْفُرُونَ بالرحمان} بالبليغ الرحمةِ الذي وسعت كلَّ شيء رحمتُه وأحاطت به نعمتُه. والعدول إلى المُظهر المتعرِّض لوصف الرحمةِ من حيث أن الإرسالَ ناشئ منها كما قال تعالى: {وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين} [الأنبياء، الآية 107] فلم يقدِروا قدرَه ولم يشكروا نِعمَه لاسيما ما أنعم به عليهم بإرسال مثلِك إليهم وأنزل القرآنَ الذي هو مدارُ المنافع الدينية والدنيويةِ عليهم... {قُلْ هُوَ} أي الرحمن الذي كفرتم به وأنكرتم معرفته {رَبّى}... أي خالقي ومبلّغي إلى مراتب الكمالِ، وإيرادُه قبل قوله: {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} أي لا مستحقَّ للعبادة سواه تنبيهٌ على أن استحقاقَ العبادة منوطٌ بالربوبية...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
هذا الجواب عن قولهم: {لولا أنزل عليه آية من ربه} لأن الجواب السابق بقوله: {قل إن الله يضل من يشاء} جواب بالإعراض عن جهالتهم والتعجب من ضلالهم وما هنا هو الجواب الرادُّ لقولهم. فيجوز جعل هذه الجملة من مقول القول، ويجوز جعله مقطوعة عن جملة {قل إن الله يضل من يشاء}. وأيّا ما كان فهي بمنزلة البيان لجملة القول كلها، أو البيان لجملة المقول وهو التعجب.
وفي افتتاحها بقوله: {كذلك} الذي هو اسم إشارة تأكيد للمشار إليه وهو التعجب من ضلالتهم إذ عموا عن صفة الرسالة.
والمشارُ إليه: الإرسال المأخوذ من فعل {أرسلناك}، أي مثل الإرسال البين أرسلناكَ، فالمشبه به عين المشبّه، إشارة إلى أنه لوضوحه لا يبين ما وضح من نفسه. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} في سورة البقرة (143).
ولما كان الإرسال قد علق بقوله: {في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك} صارت الإشارة أيضاً متحملة لمعنى إرسال الرسل من قبله إلى أمم يقتضي مرسَلين، أي ما كانت رسالتك إلاّ مثل رسالة الرسل من قبلك. كقوله: {قل ما كنت بدعا من الرسل} [سورة الأحقاف: 9] وقوله: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} [سورة الفرقان: 20] لإبطال توهم المشركين أن النبي لما لم يأتهم بما سألوه فهو غير مرسل من الله. وفي هذا الاستدلال تمهيد لقوله: {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال} [سورة الرعد: 31] الآيات. ولذلك أردفت الجملة بقوله: {لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك}.
والأمّة: هي أمة الدعوة {فمنهم من آمن ومنهم من كفر}.
وتقدم معنى {قد خلت من قبلها أمم} في سورة آل عمران عند قوله: {قد خلت من قبلكم سُنن} [سورة آل عمران: 137]. ويتضمن قوله: {قد خلت من قبلها أمم} التعريض بالوعيد بمثل مصير الأمم الخالية التي كذبت رسلها.
وتضمن لام التعليل في قوله: {لتتلوا عليهم} أن الإرسال لأجل الإرشاد والهداية بما أمر الله لا لأجل الانتصاب لخوارق العادات.
والتلاوة: القراءة. فالمقصود لتقرأ عليهم القرآن، كقوله: {وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} [سورة النمل: 92] الآية.
وفيه إيماء إلى أن القرآن هو معجزته لأنه ذكره في مقابلة إرسال الرسل الأولين ومقابلة قوله: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه} [سورة الرعد: 7]. وقد جاء ذلك صريحاً في قوله: {أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} [سورة العنكبوت: 51]. وقال النبي: ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحياً أوحاه الله إلي.
وجملة {وهم يكفرون بالرحمن} عطف على جملة {كذلك أرسلناك}، أي أرسلناك بأوضح الهداية وهم مستمرون على الكفر لم تدخل الهداية قلوبهم، فالضمير عائد إلى المشركين المفهومين من المقام لا إلى {أمة} لأن الأمة منها مؤمنون.
والتعبير بالمضارع في {يكفرون} للدلالة على تجدد ذلك واستمراره. ومعنى كفرهم بالله إشراكهم معه غيره في الإلهية، فقد أبطلوا حقيقة الإلهية فكفروا به.
واختيار اسم (الرحمن) من بين أسمائه تعالى لأن كفرهم بهذا الاسم أشد لأنهم أنكروا أن يكون اللّهُ رحمان. قال تعالى: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمان} في سورة الفرقان (60)، فأشارت الآية إلى كفرين من كفرهم: جحدِ الوحدانية، وجحدِ اسم الرحمان؛ ولأن لهذه الصفة مزيد اختصاص بتكذيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام وتأييده بالقرآن لأن القرآن هُدًى ورحمة للناس. وقد أرادوا تعويضه بالخوارق التي لا تكسب هدْياً بذاتها ولكنها دالة على صدق من جاء بها.
قال مقاتل وابن جريج: نزلت هذه الآية في صلح الحديبية حين أرادوا أن يكتبوا كتاب الصلح فقال النبي للكاتب اكتب بِسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عَمرو: ما نعرف الرحمان إلا صاحب اليمامة، يعني مسيلمة، فقال النبي اكتب باسمك اللّهم. ويبعده أن السورة مكية كما تقدم.
وعن ابن عباس نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن فنزلت.
وقد لقن النبي بإبطال كفرهم المحكي إبطالاً جامعاً بأن يقول: {هو ربي}، فضمير {هو} عائد إلى (الرحمان) باعتبار المسمى بهذا الاسم، أي المسمى هو ربي وأن الرحمان اسمه.
وقوله: {لا إله إلا هو} إبطال لإشراكهم معه في الإلهية غيره. وهذا مما أمر الله نبيه أن يقوله، فهو احتراس لرد قولهم: إن محمداً صلى الله عليه وسلم يدعو إلى رب واحد وهو يقول: إن ربه الله وإن ربه الرحمان، فكان قوله: {لا إله إلا هو} دالاً على أن المدعو بالرحمان هو المدعو بالله إذ لا إله إلا إله واحد، فليس قوله: {لا إله إلا هو} إخباراً من جانب الله على طريقة الاعتراض.
وجملة {عليه توكلت وإليه متاب} هي نتيجة لكونه رباً واحداً. ولكنها كالنتيجة لذلك فصلت عن التي قبلها لما بينهما من الاتصال.
وتقديم المجرورين وهما {عليه} و {إليه} لإفادة اختصاص التوكل والمتاب بالكون عليه، أي لا على غيره، لأنه لما توحد بالربوبية كان التوكل عليه، ولما اتّصف بالرحمانية كان المتاب إليه، لأن رحمانيته مظنة لقبوله توبة عبده.
والمتاب: مصدر ميمي على وزن مفعل، أي التوبة، يفيد المبالغة لأن
ولما كان المتاب متضمناً معنى الرجوع إلى ما يأمر الله به عدّي المتاب بحرف {إلى}.
كهذا الإرسال السابق للرسل جاء بعثك إلى أمتك، كتلك الأمم السابقة. ويأتي الحق سبحانه هنا بالاسم الذي كان يجب أن يقدروه حق قدره وهو "الرحمن "فلم يقل: وهم يكفرون بالله بل قال: {وهم يكفرون بالرحمن}. فهم يعيشون رغم كفرهم في رزق من الله الرحمان، وكل ما حولهم وما يقيتهم وما يستمتعون به من نعم عطاءات من الله. وهم لا يقومون بأداء أي من تكاليف الله؛ فكان من اللياقة أن يذكروا فضل الله عليهم؛ وأن يؤمنوا به؛ لأن مطلوب الألوهية هو القيام بالعبادة. وهو سبحانه هنا يأتي باسمه "الرحمن"؛ والذي يفيد التطوع بالخير؛ وكان من الواجب أن يقدروا هذا الخير الذي قدمه لهم سبحانه، دون أن يكون لهم حول أو قوة... وقول الحق سبحانه: {وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي} أي: أنهم حين يعلنون الكفر فأنت تصادمهم بإعلان الإيمان، وتقول: {هو ربي لا إله إلا هو}. وكلمة "ربي" تنسجم مع كلمة "الرحمن" الذي ينعم بالنعم كلها؛ وهو المتولي تربيتي؛ ولو لم يفعل سوى خلقي وتربيتي ومدى بالحياة ومقوماتها؛ لكان يكفي ذلك لأعبده وحده ولا أشرك به أحداً...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ} فمضت في التاريخ بكل أوضاعها المتنوعة من الكفر والإيمان، والرشد والغيّ، والهدى والضلال، في التزامها بالرسالات وإيمانها بالرسل، أو انفصالها عنها وعنهم، فلم تكن هذه الأمة بدعاً من الأمم التي أرسل الله إليها رسله الذين تتحرك في مسيرتهم، {لِّتَتْلُوا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} من هذا القرآن في آياته التي تبيّن لهم رسالة الله وشريعته، ولكنهم لم يستجيبوا لك {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَانِ} فلا يؤمنون به، أو لا يؤمنون بتوحيده، بل يشركون به شرك عقيدةٍ أو عبادةٍ، اتّباعاً لأهوائهم في الابتعاد عن الصراط المستقيم، فلا تتراجع أمام جحودهم وكفرهم، بل تابع رسالتك، واعمل على تأكيد الدعوة وإعلان التوحيد بكل قوّة، ولا تحزن ولا تكن في جانب الضعف، لأنك في موقف القوة في العقيدة وفي الشريعة، وفي المنهج. {قُلْ هُوَ رَبِّي} الذي أدين له بالربوبيّة، وألتزم به في مواقف العبودية، {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} في ما أتمثله من خط التوحيد ورفض الشرك، في كل جوانب الحياة، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} في كل أموري التي يتحرك الغيب معها، في ما لا أعرف كنهه، ولا أدرك سرّه، ولا أستوضح أمره من قضايا المستقبل وأخشى تهاويله وأشباحه ومشاكله، فألجأ إليه، بعد استنفاد كل الوسائل التي أملك أمرها، وأعرف حدودها. ويبقى للمستقبل خط التوكل الذي ينفتح فيه الشعور بالأمن والطمأنينة من خلال الله، فهو الملاذ والمرجع، فإيّاه أدعو {وَإِلَيْهِ مَتَابِ} فأوجّه إليه التوبة من ذنوبي التي أسلفتها، وأفتح له كل حياتي المستقبلية، التي أثير فيها كل تاريخ حياتي الماضية بالتوبة والإيمان...