تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ} (89)

تبيانا : بيانا .

ثم يخاطب الله رسولَه الكريمَ بهذه الآية المبشرة للمؤمنين .

اذكر أيها الرسول ، يومَ القيامة يوم يبعث الله نبيَّ كلِ أمةٍ شاهداً عليهم ، ونجيء بك شاهداً على هؤلاء الذين كذّبوك .

ولقد أنزلْنا عليك القرآن يبيّن للناس كلّ شيءٍ من الحق وما يحتاجون إليه ، وفيه الهدايةُ والرحمة والبشرى للذين أسلموا وآمنوا بك وصدقوك .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ} (89)

{ وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ } وهو كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نبيهم الذي بعث فيهم في الدنيا ، ومعنى كونه { مّنْ أَنفُسِهِمْ } أنه منهم ، وذلك ليكون أقطع للمعذرة ، ولا يرد لوط عليه السلام فإنه لما تأهل فيهم وسكن معهم عد منهم أيضاً ، وقال ابن عطية : يجوز أن يبعث الله تعالى شهداء من الصالحين مع الأنبياء عليهم السلام ، وقد قال بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم : إذا رأيت أحداً على معصية فانهه فإن أطاعك وإلا كنت شهيداً عليه يوم القيامة ، وذكر الإمام في الآية قولين الأول أن كل نبي شاهد على قومه كما تقدم ، والثاني إن كل قرن وجمع يحصل في الدنيا فلا بد أن يحصل فيهم من يكون شهيداً عليهم ولا بد أن لا يكون جائز الخطأ وإلا لاحتاج إلى آخر وهكذا فيلزم التسلسل ، ووجود الشهيد كذلك في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر وأما بعده فلا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم وهم قائمون مقام الشهيد المعصوم ، ثم قال : وهذا يقتضي أن يكون إجماع الأمة حجة انتهى ، وإلى أنه لا بد في كل عصر ممن يكون قوله حجة على أهل عصره ذهب الجبائي وأكثر المعتزلة ، قال الطبرسي في «مجمع البيان » : ومذهبهم يوافق مذهب أصحابنا يعني الشيعة وإن خالفه في أن ذلك الحجة من هو . وأنت تعلم أن الاستدلال بالآية على هذا المطلب ضعيف ، وتحقيق الكلام في ذلك يطلب من محله .

وقال الأصم : المراد بالشهيد أجزاء من الإنسان ، وذلك أنه تعالى ينطق عشرة أجزاء منه وهي الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان فتشهد عليه لأنه سبحانه قال في صفة الشهيد من أنفسهم .

وتعقبه القاضي . وغيره بأن كونه شهيداً على الأمة يقتضي أن يكون غيرهم ، وأيضاً قوله تعالى : { مِن كُلّ أمَّةٍ } يأبى ذلك إذ لا يصح وصف آحاد الأعضاء بأنها من الأمة ؛ وأيضاً مقابلة ذلك بقوله سبحانه : { وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا على هَؤُلآء } يبعد ما ذكر كما لا يخفى ، والمراد بهؤلاء أمته صلى الله عليه وسلم عند أكثر المفسرين ، ولم يستبعد أن يكون المراد بهم ما يشمل الحاضرين وقت النزول وغيرهم إلى يوم القيامة فإن أعمال أمته عليه الصلاة والسلام تعرض عليه بعد موته .

فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ومماتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله تعالى عليه وما رأيت من شر استغفرت الله تعالى لكم " بل جاء أن أعمال العبد تعرض على أقاربه من الموتى ، فقد أخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

" لا تفضحوا أمواتكم بسيئات أعمالكم فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور " وأخرج أحمد عن أنس مرفوعاً " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيراً استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم لا تمتعهم حتى تهديدهم كما هديتنا " وأخرجه أبو داود من حديث جابر بزيادة " وألهمهم أن يعملوا بطاعتك "

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء أنه قال : «إن أعمالكم تعرض على موتاكم فيسرون ويساؤن » فكان أبو الدرداء يقول عند ذلك : اللهم إني أعوذ بك أن يمقتني خالي عبد الله بن رواحة إذا لقيته يقول ذلك في سجوده . والنبي صلى الله عليه وسلم لأمته بمنزلة الوالد بل أولى ، ولم أقف على عرض أعمال الأمم السابقة على أنبيائهم بعد الموت ولم أر من تعرض لذلك لا نفياً ولا إثباتاً ، فإن قيل : إنها تعرض فأمر الشهادة مما لا غبار عليه في نبي لم يبعث في أمته بعد خلوهم عنه نبي آخر ، وإن قيل : إنها لا تعرض احتاج أمر الشهادة إلى الفحص عن وجود أمر يفيد العلم المصحح لها أو التزام أن الشهيد ليس هو النبي وحده كما سمعت فيما سبق ، ثم إن حديث العرض على نبينا عليه الصلاة والسلام يشكل عليه حديث " ليذادن عن الحوض أقوام " الخبر ، وقد ذكر ذلك المناوي ولم يجب عنه ، وقد أجبت عنه في بعض تعليقاتي فتأمل ، وقيل : المراد بهم شهداء الأمم وهم الأنبياء عليهم السلام لعلمه عليه الصلاة والسلام بعقائدهم واستجماع شرعه لقواعدهم لا الأمة لأن كونه صلى الله عليه وسلم شهيداً على أمته علم مما تقدم فالآية مسوقة لشهادته عليه الصلاة والسلام على الأنبياء صلى الله عليه وسلم فتخلو عن التكرار . ورد بأن المراد بشهادته عليه الصلاة والسلام على أمته تزكيته وتعديله لهم بعد أن يشهدوا على تبليغ الأنبياء عليهم السلام حسبما علموه من كتابهم وهذا لم يعلم مما مر ليكون تكراراً وهو الوارد في الحديث ، وقد ذكره غير واحد في تفسيره قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [ البقرة : 143 ] و { على } لا مضرة فيها وإن ضرت فالضرر مشترك . نعم لم يفهم مما قبل شهادة هذه الأمة على تبليغ الأنبياء عليهم السلام ليظهر كون هذه الشهادة للتزكية كما في آية البقرة ، ولعل الأمر في ذلك سهل . وفي إرشاد العقل السليم أن قوله تعالى : { وَيَوْمَ نَبْعَثُ } تكرير لما سبق تثنية للتهديد ، والمراد بهؤلاء الأمم وشهداؤهم ، وإيثار لفظ المجىء على البعث لكمال العناية بشأنه صلى الله عليه وسلم ، وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع انتهى .

وتعقب بأن حمل { هَؤُلاء } على ما ذكر خلاف الظاهر ، وجوز أن يكون إيثار المجىء على البعث للإيذان بالمغايرة بين الشهادتين بناءً على أن شهادته صلى الله عليه وسلم على أمته للتزكية ولا كذلك شهادة سائر الأنبياء عليهم السلام على أممهم .

والظرف معمول لمحذوف كما مر ، والمراد به يوم القيامة { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب } الكامل في الكتابية الحقيق بأن يخص به اسم الجنس ، وهذا على ما في «البحر » استئناف أخبار وليس داخلاً مع ما قبله لاختلاف الزمانين .

وجوز غير واحد كونه حالاً بتقدير قد ، وذكر بعض الأفاضل أن قوله تعالى : { وَجِئْنَا بِكَ } الخ إن كان كلاماً مبتدأ غير معطوف على قوله سبحانه : { نَبْعَثَ } و { شَهِيداً } حالاً مقدرة فلا إشكال في الحالية وإن كان عطفاً عليه ، والتعبير بالماضي لما عرف في أمثاله ، فمضمون الجملة الحالية متقدم بكثير فلا يتمشى التأويل الذي ذكروه في تصحيح كون الماضوية حالاً هنا ، ففي صحة كونه حالاً كلام إلا أن يبني على عدم جريان الزمان عليه سبحانه وتعالى . وتعقب بأنه ليس شيء لأن قوله سبحانه : { تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } يدخل فيه العقائد والقواعد بالدخول الأولى ، وذلك مستمر إلى البعث وما بعده ، ولا حاجة إلى ما قيل من أن المعنى بحيث أو بحال أنا كنا نزلنا عليك وتلك الحيثية ثابتة له سبحانه وتعالى إلى الأبد انتهى ، وفيه نظر .

وزعم بعضهم أن الجملة حال من ضمير الرفع في الفعل العامل في الظرف أي خوفهم ذلك اليوم وقد نزلنا عليك الكتاب ، وهو كما ترى والأسلم الاستئناف ؛ والتبيان مصدر يدل على التكثير على ما روى ثعلب عن الكوفيين . والمبرد عن البصريين ، قال سلامة الأنباري في «شرح المقامات » : كل ما ورد من المصادر عن العرب على تفعال فهو بفتح التاء إلا لفظتين وهما تبيان وتلقاء ، وقال ابن عطية : هو اسم وليس بمصدر ، وهذه الصيغة أيضاً في الأسماء قليلة ، فعن ابن مالك أنه قال في «نظم الفوائد » : جاء على تفعال بالكسر وهو غير مصدر رجل تكلام وتلقام وتلعاب وتمساح للكذاب وتضراب للناقة القريبة بضراب الفحل وتمراد لبيت الحمام وتلفاف لثوبين ملفوفين وتجفاف لما تجلل به الفرس وتهواء لجزء ماض من الليل وتنبال للقصير اللئيم وتعشار وتبارك لموضعين ، وزاد ابن جعوان تمثال وتيفاق لموافقة الهلال ، واقتصر أبو جعفر النحاس في «شرح المعلقات » على أقل من ذلك فقال : ليس في كلام العرب على تفعال إلا أربعة أسماء وخامس مختلفت فيه يقال تبيان ويقال لقلادة المرأة تقصار وتعشار وتبراك والخامس تمساح وتمسح أكثر وأفصح انتهى ، والمعروف أن { تِبْيَانًا } مصدر وليس باسم وإن قيل : إنه قول أكثر النحويين ، وجوز الزجاج فيه الفتح في غير القرآن ، والمراد من { كُلّ شَىْء } على ما ذهب إليه جمع ما يتعلق بأمور الدين أي بياناً بليغاً لكل شيء يتعلق بذلك ومن جملته أحوال الأمم مع أنبيائهم عليهم السلام ، وكذا ما أخبرت به هذه الآية من بعث الشهداء وبعثه عليه الصلاة والسلام ، فانتظام الآية بما قبلها ظاهر ، والدليل على تقدير الوصف المخصص لشيء المقام وأن بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي لبيان الدين ، ولذا أجيب السؤال عن الأهلة بما أجيب ، وقال صلى الله عليه وسلم :

«أنتم أعلم بأمور دنياكم » وكون الكتاب تبياناً لذلك باعتبار أن فيه نصاً على البعض وإحالة للبعض الآخر على السنة حيث أمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل فيه : { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى } [ النجم : 3 ] وحثا على الإجماع في قوله سبحانه : { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين } [ النساء : 115 ] الآية فإنها على ما روي عن الشافعي وجماعة دليل الإجماع ، وقد رضي صلى الله عليه وسلم لأمته باتباع أصحابه حيث قال عليه الصلاة والسلام : { عَلَيْكُمْ } وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤا طرق الاجتهاد فكانت السنة والإجماع والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب ، وقال بعض : { قَدِيرٌ ءامَنَ الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ والمؤمنون كُلٌّ } للتكثير والتفخيم كما في قوله تعالى : { تُدَمّرُ كُلَّ شَىْء بِأَمْرِ رَبّهَا } [ الأحقاف : 25 ] إذ يأبى الإحاطة والتعميم ما في التبيان من المبالغة في البيان وأن من أمور الدين تخصيصاً لا يقتضيه المقام . ورد الثاني بما سمعت آنفاً ؛ والأول بأن المبالغة بحسب الكمية لا الكيفية كما قيل في قوله تعالى : { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] إنه من قولك : فلان ظالم لعبده وظلام لعبيده ، ومنه قوله سبحانه : { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } [ البقرة : 270 ] وقال بعضهم : لكل من القولين وجهة والمرجح للأول إبقاء { كُلٌّ } على حقيقتها في الجملة ، وتعقب بأنه يرجح الثاني إبقاء { شَىْء } على العموم وسلامته من التقدير الذي هو خلاف الأصل ومن المجاز على قول . نعم ذهب أكثر المفسرين إلى اعتبار التخصيص وروي ذلك عن مجاهد .

وقال الجلال المحلي في الرد على من لم يجوز تخصيص السنة بالكتاب : إنه يدل على الجواز قوله تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } وإن خص من عمومه ما خص بغير القرآن ، وتوجيه كونه تبياناً لكل ما يتعلق بالدين بما تقدم هو الذي يقتضيه كلام غير واحد من الأجلة ، فعن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال مرة بمكة : سلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله تعالى فقيل له : ما تقول في المحرم يقتل الزنبور ؟ فقال : بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى : { وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنْهُ فانتهوا } [ الحشر : 7 ] وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمانعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

«اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » وحدثنا سفيان عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه أمر بقتل المحرم الزنبور ، وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال : «لعن الله تعالى الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله تعالى » فقالت له امرأة في ذلك فقال : مالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى فقالت له : لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول فقال : لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت { وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنْهُ فانتهوا } [ الحشر : 7 ] قالت : بلى . قال : فإنه عليه الصلاة والسلام قد نهى عنه .

وذهب بعضهم إلى ما يقتضيه ظاهر الآية غير قائل بالتخصيص ولا بأن { كُلٌّ } للتكثير فقال : ما من شيء من أمر الدين والدنيا ألا يمكن استخراجه من القرآن وقد بين فيه كل شيء بياناً بليغاً واعتبر في ذلك مراتب الناس في الفهم فرب شيء يكون بياناً بليغاً لقوم ولا يكون كذلك لآخرين بل قد يكون بياناً لواحد ولا يكون بياناً لآخر فضلاً عن كون البيان بليغاً أو غير بليغ وليس هذا التفاوت قوى البصائر ، ونظير ذلك اختلاف مراتب الإحساس لتفاوت قوى الإبصار ، وقيل : معنى كونه تبياناً أنه كذلك في نفسه وهو لا يستدعي وجود مبين له فضلاً عن تشارك الجميع في تحقق هذا الوصف بالنسبة إليهم بأن يفهموا حال كل شيء منه على أتم وجه ، ونظير ذلك الشمس فإنها منيرة في حد ذاتها ، وإن لم يكن هناك مستنير أو ناظر ، ويغني عن هذا الاعتبار اعتبار أن المبالغة بحسب الكمية لا الكيفية ، ويؤيد القول بالظاهر أن الشيخ الأكبر قدس سره وغيره قد استخرجوا منه ما لا يحصى من الحوادث الكونية . وقد رأيت جد ولا حرفياً منسوباً إلى الشيخ كتب عليه أنه يعرف منه حوادث أهل المحشر ، وآخر كتب عليه أنه يعرف منه حوادث أهل الجنة ، وآخر كتب عليه أنه يعرف منه حوادث أهل النار وكل ذلك على ما يزعمون مستخرج من الكتاب الكريم ، ومثل هذا الجفر الجامع المنسوب إلى أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه فإنهم قالوا : إنه جامع لما شاء الله تعالى من الحوادث الكونية وهو أيضاً مستخرج من القررن العظيم .

وقد نقل الجلال السيوطي عن المرسي أنه قال : جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علماً حقيقة إلا المتكلم به ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا ما استأثر به سبحانه ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم مثل الخلفاء الأربعة ومثل ابن عباس وابن مسعود حتى قال الأول : لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى ثم ورث عنهم التابعون لهم بإحسان ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم وتضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه فنوعوا علومه وقامت كل طائفة بفن من فنونه ، وقيل : لا يخلو الزمان من عارف بجميع ذلك وهو الوارث المحمدي ويسمى الغوث وقطب الأقطاب والمظهر الأتم ومظهر الاسم الأعظم إلى غير ذلك ، ويرد على هؤلاء القائلين حديث التأبير وقوله صلى الله عليه وسلم :

«أنتم أعلم بأمور دنياكم » وأجيب بأنه يحتمل أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم قبل نزول ما يعلم منه عليه الصلاة والسلام حال التأبير ، ويحتمل أن يكون بعد النزول وقال ذلك صلى الله عليه وسلم قبل الرجوع إليه والنظر فيه ولو رجع ونظر لعلم فوق ما علموا فأعلميتهم بأمور دنياهم إنما جاءت لكون علمهم بذلك لا يحتاج إلى الرجوع والنظر وعلمه عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى ذلك وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم : «لو استقبلت ما استدبرت لما سقت الهدى » مع أن سوق الهدى من الأمور الدينية ، وقد قالوا : إن القرآن العظيم تبيان لها ، وهذا يرد عليهم لولا هذا الجواب فتأمل فالبحث بعد غير خال عن القيل والقال ، وقال بعضهم : إن الأمور إما دينية أو دنيوية والدنيوية لا اهتمام للشارع بها إذ لم يبعث لها والدينية إما أصلية أو فرعية والاهتمام بالفرعية دون الاهتمام بالأصلية فإن المطلوب أولاً بالذات من بعثة الأنبياء عليهم السلام هو التوحيد وما أشبهه بل المطلوب من خلق العباد هو معرفته تعالى كما يشهد له قوله سبحانه : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] بناءً على تفسير كثير العبادة بالمعرفة ، وقوله تعالى في الحديث القدسي المشهور على الألسنة المصحح من طريق الصوفية : «كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف » والقرآن العظيم قد تكفل ببيان الأمور الدينية الأصلية على أتم وجه فليكن المراد من ( كُلّ شَىْء ) ذلك ، ولا يحتاج هذا إلى توجيه كونه تبياناً إلى ما احتاج إليه حمل ( كُلّ شَىْء ) على أمور الدين مطلقاً من قولنا : إنه باعتبار أن فيه نصاً على البعض وإحالة للبعض الآخر على السنة الخ ، واختار بعض المتأخرين أن ( كُلّ شَىْء ) على ظاهره إلا أن المراد بالتبيان التبيان على سبيل الإجمال وما من شيء إلا بين في الكتاب حاله إجمالاً ، ويكفي في ذلك بيان بعض أحواله والمبالغة باعتبار الكمية لا الكيفية على ما علمت سابقاً ، ولو حمل التبيان على ما يعم الإجمال والتفصيل مع اعتبار مراتب المبين لهم واعتبر التوزيع جاز أيضاً فليتدبر ، ونصب { تِبْيَانًا } على الحال كما قال أبو حيان .

وجوز أن يكون مفعولاً من أجله أي نزلنا عليك الكتاب لأجل التبيان { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } للجميع بقرينة قوله تعالى : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] وحرمان الكفرة من جهة تفريطهم { وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ } خاصة ، وجوز صرف الجميع لهم لأنهم المنتفعون بذلك أو لأنه الهداية الدلالة الموصلة والرحمة الرحمة التامة .

( ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } [ النحل : 89 ] أي مما كان وما يكون فيفرق به بين المحق والمبطل والصادق والكاذب والمتبع والمبتدع ، وقيل : كل شيء هو النبي صلى الله عليه وسلم كما قيل إنه عليه الصلاة والسلام الإمام في قوله سبحانه : { وَكُلَّ شىْء أحصيناه في إِمَامٍ مُّبِينٍ } [ يس : 12 ]

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ} (89)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم}، يعني: نبيهم، وهو شاهد على أمته أنه بلغهم الرسالة،

{وجئنا بك}، يا محمد،

{شهيدا على هؤلاء}، يعني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنه بلغهم الرسالة،

{ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء}، من أمره، ونهيه، ووعده، ووعيده، وخبر الأمم الخالية، وهذا القرآن،

{وهدى}، من الضلالة،

{ورحمة}، من العذاب لمن عمل به،

{وبشرى}، يعني: ما فيه من الثواب،

{للمسلمين}، يعني: المخلصين.

تفسير الشافعي 204 هـ :

قال الشافعي: فجماع ما أبان الله عز وجل لخلقه في كتابه مما تعبدهم به لما مضى في حكمه جل ثناؤه، من وجوه:... فمنها: ما أبانه لخلقه نصا... ومنه: ما أحكم فرضه بكتابه... ومنه: ما سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما ليس لله فيه نصُّ حُكْم. وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والانتهاء إلى حكمه، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اَللَّهَ وَأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ} وقال: {مَّنْ يُّطِعِ اِلرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اَللَّهَ}. وقال: {اِنَّ اَلذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اَللَّهَ يَدُ اَللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} فأعلمهم أن بيعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعتُه، وكذلك أعلمهم أن طاعته طاعتُه، وقال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} مع سائر ما ورد في معنى هذه الآيات. قال الشافعي: فمن قَبِلَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبفرض الله قَبِلَ...

ومنه ما فرض على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد... فليس لأحد أبدا أن يقول في شيء حلَّ أو حَرُمَ إلا من جهة العلم، وجهة العلم في الخبر: في الكتاب، والسنة، أو الإجماع، أو القياس.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلّ أُمّةٍ شَهِيدا عَلَيْهِمْ مِنْ أنْفُسِهِمْ} يقول: نسأل نبيهم الذي بعثناه إليهم للدعاء إلى طاعتنا. وقال: {مِنْ أنُفُسِهِمْ}؛ لأنه تعالى ذكره كان يبعث إلى أمم أنبياءها منها، ماذا أجابوكم، وما ردّوا عليكم؟ {وَجِئْنا بِكَ شَهِيدا عَلى هُؤلاءِ}، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وجئنا بك يا محمد شاهدا على قومك وأمتك الذين أرسلتك إليهم، بما أجابوك وماذا عملوا فيما أرسلتك به إليهم؟.

وقوله: {وَنَزّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانا لِكُلّ شَيْءٍ}، يقول: نزل عليك يا محمد هذا القرآن بيانا لكلّ ما بالناس إليه الحاجة من معرفة الحلال والحرام والثواب والعقاب. {وَهُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً} لمن صدّق به، وعمل بما فيه من حدود الله وأمره ونهيه، فأحل حلاله وحرّم حرامه.

{وبُشْرَى للمسْلمِينَ} يقول: وبشارة لمن أطاع الله، وخضع له بالتوحيد، وأذعن له بالطاعة، يبشره بجزيل ثوابه في الآخرة، وعظيم كرامته...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مّنْ أَنفُسِهِمْ}، يعني: نبيهم؛ لأنه كان يبعث أنبياء الأمم فيهم منهم، {وَجِئْنَا بِكَ} يا محمد {شَهِيدًا على هَؤُلآء}، على أمتك، {تِبْيَانًا}...

فإن قلت: كيف كان القرآن تبياناً {لّكُلّ شَيء}؟ قلت: المعنى: أنه بين كل شيء من أمور الدين، حيث كان نصاً على بعضها، وإحالة على السنة، حيث أمر فيه باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته. وقيل: وما ينطق عن الهوى. وحثاً على الإجماع في قوله: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين} [النساء: 115]، وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته اتباع أصحابه والاقتداء بآثارهم... وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤا طرق القياس والاجتهاد، فكانت السنة والإجماع والقياس والاجتهاد، مستندة إلى تبيان الكتاب، فمن ثمّ كان تبياناً لكل شيء.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن هذا نوع آخر من التهديدات المانعة للمكلفين عن المعاصي. واعلم أن الأمة عبارة عن القرن والجماعة...

إذا ثبت هذا فنقول: في الآية قولان:

الأول: أن المراد أن كل نبي شاهد على أمته.

والثاني: أن كل جمع وقرن يحصل في الدنيا فلا بد وأن يحصل فيهم واحد يكون شهيدا عليهم. أما الشهيد على الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الرسول بدليل قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} وثبت أيضا أنه لا بد في كل زمان بعد زمان الرسول من الشهيد. فحصل من هذا أن عصرا من الإعصار لا يخلو من شهيد على الناس وذلك الشهيد لا بد وأن يكون غير جائز الخطأ، وإلا لافتقر إلى شهيد آخر ويمتد ذلك إلى غير النهاية وذلك باطل، فثبت أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم وذلك يقتضي أن يكون إجماع الأمة حجة...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ثم كرر التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما أفهمته الآية السالفة، وهو أن الشهادة تقع على الأمم لا لهم، وتكون بحضرتهم، فقال تعالى: {ويوم}، أي: وخوفهم يوم: {نبعث}، أي: بما لنا من العظمة، {في كل أمة} من الأمم {شهيداً}، أي: هو في أعلى رتب الشهادة {عليهم}...

ولما كانت بعثة الأنبياء السابقين عليهم السلام خاصة بقومهم، إلا قليلاً، قال: {من أنفسهم}، وهو نبيهم...

ولما كان لذلك اليوم من التحقق ما لا شبهة فيه بوجه، وكذا شهادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عبر بالماضي إشارة إلى ذلك، وإلى أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يزل من حين بعثه متصفاً بهذه الصفة العلية، فقال تعالى: {وجئنا}، أي: بما لنا من العظمة، {بك شهيداً}، أي: شهادة هي مناسبة لعظمتنا، {على هؤلاء}، أي: الذين بعثناك إليهم، وهم أهل الأرض، وأكثرهم ليس من قومه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك لم يقيد بعثته بشيء...؛ ثم بين أنه لا إعذار في شهدائه؛ فإنه لا حجة في ذلك اليوم لمن خالف أمره اليوم؛ لأنه سبحانه أزاح العلل، وترك الأمر على بيضاء نقية ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك... {ونزلنا}، أي: بعظمتنا، بحسب التدريج والتنجيم، {عليك الكتاب} الجامع للهدى... {لكل شيء} ورد عليك من أسئلتهم ووقائعهم، وغير ذلك، وهو في أعلى طبقات البيان، كما أنه في أعلى طبقات البلاغة؛ لأن المعنى به أسرع إلى الأفهام وأظهر في الإدراك، والنفس أشد تقبلاً له لما هو عليه من حسن النظام، والقرب إلى الأفهام، وإنما احتيج إلى تفسيره مع أنه في نهاية البيان لتقصير الإنسان في العلم بمذاهب العرب، الذين هم الأصل في هذا اللسان، وتقصير العرب عن جميع مقاصده، كما قصروا عن درجته في البلاغة، فرجعت الحاجة إلى تقصير الفهم، لا إلى تقصير الكلام في البيان، ولهذا تفاوت الناس في فهمه؛ لتفاوتهم في درجات البلاغة، ومعرفة طرق العرب في جميع أساليبها... قال تعالى: {وهدى}، أي: موصلاً إلى المقصود...

ولما كان ذلك قد لا يكون على سبيل الإكرام، قال تعالى: {ورحمة}، ولما كان الإكرام قد لا يكون بما هو في أعلى طبقات السرور، قال سبحانه: {وبشرى}، أي: بشارة عظيمة جداً {للمسلمين}...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

فلما كان هذا القرآن تبيانا لكل شيء صار حجة الله على العباد كلهم. فانقطعت به حجة الظالمين وانتفع به المسلمون، فصار هدى لهم يهتدون به إلى أمر دينهم ودنياهم، ورحمة ينالون به كل خير في الدنيا والآخرة. فالهدى ما نالوه به من علم نافع وعمل صالح.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

تكرير لجملة {ويوم نبعث من كل أمةٍ شهيداً ثم لا يؤذن للذين كفروا} [سورة النحل: 84]... ومن دواعي تكرير مضمون الجملة السابقة أنه لبعد ما بين الجملتين بما اعترض بينهما من قوله تعالى: {ثم لا يؤذن للذين كفروا} إلى قوله: {بما كانوا يفسدون} [سورة النحل: 84، 88]، فهو كالإعادة... وقد حصل من هذه الإعادة تأكيد التهديد والتسجيل...

وعُدّي فعل {نبعث} هنا بحرف {في}، وعُدّي نظيره في الجملة السابقة بحرف (مِن) ليحصل التفنّن بين المكرّرين تجديداً لنشاط السامعين...

وزيد في هذه الجملة أن الشهيد يكون من أنفسهم زيادة في التذكير بأن شهادة الرسل على الأمم شهادة لا مطعن لهم فيها لأنها شهود من قومهم لا يجد المشهود عليهم فيها مساغاً للطعن...

ولم تخل أيضاً بعد التعريض بالتحذير من صدّ الكافرين عن سبيل الله من حسن موقع تذكير المسلمين بنعمة الله عليهم إذ بعث فيهم شهيداً يشهد لهم بما ينفعهم وبما يضرّ أعداءهم...

ولما كان بعث الشهداء للأمم الماضية مراداً به بعثهم يوم القيامة عبّر عنه بالمضارع...

ولم يوصف الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه من أنفسهم لأنه مبعوث إلى جميع الأمم، وشهيد عليهم جميعاً، وأما وصفه بذلك في قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفُسكم} في سورة التوبة (128) فذلك وصف كاشف اقتضاه مقام التّذكير للمخاطبين من المنافقين الذين ضَمّوا إلى الكفر بالله كفران نعمة بعث رسول إليهم من قومهم...

و {هؤلاء} إشارة إلى حاضر في الذّهن وهم المشركون الذين أكثر الحديث عليهم. وقد تتبّعتُ مواقع أمثال اسم الإشارة هذا في القرآن فرأيته يُعنى به المشركون من أهل مكّة...

{ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} عطف على جملة {وجئنا بك شهيداً} أي أرسلناك شهيداً على المشركين وأنزلنا عليك القرآن لينتفع به المسلمون، فرسول الله صلى الله عليه وسلم شهيد على المكذّبين ومرشد للمؤمنين. وهذا تخلّص للشروع في تعداد النّعم على المؤمنين من نعم الإرشاد ونعم الجزاء على الامتثال وبيان بركات هذا الكتاب المنزّل لهم...

وتعريف الكتاب للعهد، وهو القرآن...

و« كلّ شيء» يفيد العموم؛ إلا أنه عموم عرفي في دائرة ما لمثله تجيء الأديان والشّرائع: من إصلاح النفوس، وإكمال الأخلاق، وتقويم المجتمع المدنيّ، وتبيّن الحقوق، وما تتوقّف عليه الدعوة من الاستدلال على الوحدانية، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وما يأتي في خلال ذلك من الحقائق العلمية والدقائق الكونية، ووصف أحوال الأمم، وأسباب فلاحها وخسارها، والموعظة بآثارها بشواهد التاريخ، وما يتخلّل ذلك من قوانينهم وحضاراتهم وصنائعهم. وفي خلال ذلك كلّه أسرار ونكت من أصول العلوم والمعارف صالحة لأن تكون بياناً لكل شيء على وجه العموم الحقيقي إن سلك في بيانها طريق التفصيل واستنير فيها بما شرح الرسول صلى الله عليه وسلم وما قفّاه به أصحابه وعلماء أمّته، ثم ما يعود إلى الترغيب والترهيب من وصف ما أعدّ للطائعين وما أعدّ للمعرضين، ووصف عالم الغيب والحياة الآخرة. ففي كل ذلك بيان لكل شيء يقصد بيانه للتبصّر في هذا الغرض الجليل، فيؤول ذلك العموم العرفي بصريحه إلى عموم حقيقي بضمنه ولوازمه. وهذا من أبدع الإعجاز...

وخصّ بالذّكر الهدى والرحمة والبُشرى لأهميتها؛ فالهدى ما يرجع من التّبيان إلى تقويم العقائد والأفهام والإنقاذ من الضلال. والرحمة ما يرجع منه إلى سعادة الحياتين الدنيا والأخرى، والبُشرى ما فيه من الوعد بالحسنيين الدنيوية والأخروية. وكل ذلك للمسلمين دون غيرهم لأن غيرهم لما أعرضوا عنه حَرموا أنفسهم الانتفاع بخواصّه كلها...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وصفه الله تعالى بأربعة أوصاف كاملة:

الوصف الأول – أنه تبيان كل شيء أي فيه بيان كامل لكل شيء من شئون الرسالات الإلهية للبشر، ففيه خير رسالات النبيين السابقين، وفيه بين الأحكام المحكمة التي لم يعرها نسخ من الشرائع الإلهية كلها، وفي المعجزات التي جاءت بها الرسل معجزة معجزة، ولولا القرآن الكريم ما علمت على درجة اليقين معجزة لنبي أو رسول، لأنه الكتاب المحفوظ المتواتر حقا وصدقا. والوصف الثاني – أنه هدى، فهو يشتمل على الهداية، كما قال قائل الجن: {يهدي إلى الرشد (2)} [الجن] ويبين السبيل الأقوم والطريق المستقيم. والوصف الثالث – أنه الرحمة؛ لأن شريعته رحمة للعالمين فهي بنظامها واقتصادها وحدوها، وكل عقوباتها رحمة للكافة من الأمة، وإن كانت فيها قسوة أحيانا على الآحاد، ففيها رحمة للعباد.

والوصف الرابع – {وبشرى للمسلمين} فيه التبشير للمؤمنين بالجنة، والإنذار للكافرين بالنار، وذكرت البشرى دون النذر لأنها التي تتناسب مع الرحمة، والله ولي المؤمنين...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

... (ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكلَّ شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين)...

يتّضح لنا أنّ المقصود من «كل شيء» هو كل الأُمور اللازمة للوصول إلى طريق التكامل، والقرآن ليس بدائرة معارف كبيرة وحاوية لكل جزئيات العلوم الرياضية والجغرافية والكيميائية والفيزيائية... الخ، وإِنّما القرآن دعوة حق لبناء الإِنسان، وصحيح أنّه وجه دعوته للناس لتحصيل كل ما يحتاجونه من العلوم، وصحيح أيضاً أنّه قد كشف الستار عن الكثير من الأجزاء الحساسة في جوانب علمية مختلفة ضمن بحوثه التوحيدية والتربية، ولكنْ ليس ذلك الكشف هو المراد، وإِنّما توجيه الناس نحو التوحيد والتربية الربانية التي توصل الإِنسان إلى شاطئ السعادة الحقة من خلال الوصول لرضوانه سبحانه...

والإِنسان كلما سبح في بحر القرآن الكريم وتوغّل في أعماقه، واستخرج برامجاً وتوجيهات توصله إلى السعادة، اتّضحت له عظمة هذا الكتاب السماوي وشموله...

ولهذا، فَمَنْ استجدى القوانين من ذا وذاك وترك القرآن، فهو لم يعرف القرآن، وطلب من الغير ما هو موجود عنده. وإِضافةً لتشخيص الآية المباركة مسألة أصالة واستقلال تعاليم الإِسلام في كل الأُمور، فقد حَمَّلَتْ المسلمين مسؤولية البحث والدراسة في القرآن الكريم باستمرار ليتوصلوا لاستخراج كل ما يحتاجونه...

إِن عدم إِدراك العامة لهذا القسم من العلوم القرآنية الذي يمكننا تشبيهه بـ (عالم اللاشعور) لا يمنع من التحرك في ضوء (عالم الشعور) وعلى ضوء ظاهره والاستفادة منه...

ـ مراحل الهداية الأربع:إِنّ الآية أعلاه ذكرت أربعة تعابير متلازمة حسب تسلسلها لتوضيح الهدف من نزول القرآن:

ـ تبياناً لكل شيء.

ـ هدى.

ـ رحمة.

ـ بشرى للمسلمين. ولو أمعنا النظر لوجدنا ثمّة ارتباطاً منطقياً واضحاً بين هذه التعابير، فكلُّ منها يرمز إلى مرحلة معينة، المرحلة الأُولى في مسير الهداية تستلزم البيان والتعليم، وبعدها تأتي مرحلة الهداية، ومن ثمّ تأتي العمل الموجب للرحمة، وأخيراً البشرى بثواب اللّه لمن آمن وعمل صالحاً وسرور جميع السائرين على طريق الحق...