تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا} (23)

قضى : أمر وأوجب .

أف : كلمة معناها التضجر .

لا تنهرهما : لا تزجرهما بغلظة .

وقد أمر الله تعالى بعبادته بإخلاص وأكد أن لا نبعد غيره ، ثم بعد ذلك أمرنا بالبر والطاعة بالوالدين ، لأنهما عماد الأسرة ، وفضلهما على الإنسان لا يحد ، وإن أكبر نعمة تصل إلى الإنسان هي نعمة الخالق ، ثم نعمة الوالدين .

وإذا كبرا في السن أو كان أحدهما عندك في مرحلة الشيخوخة وحال الضعف في آخر العمر ، فلا تتضجر منهما ، ولا تتأفف ، ولا تزجرهما ، وقل لهما قولا جميلا ليِّنا فيه إحسان إليهما وتكريم لهما .

قراءات :

قرأ حمزة والكسائي وخلف : «إما يبلغان » وقرأ ابن كثير ويعقوب : «أف » بفتح الفاء من غير تنوين . وقرأ حفص وأهل المدينة «أف » بالكسر والتنوين كما هو في المصحف ، والباقون «أفِّ » بدون تنوين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا} (23)

{ وقضى رَبُّكَ } أخرج ابن جرير . وابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال : أي أمر { أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ } أي بأن لا تعبدوا الخ على أن مصدرية والجار قبلها مقدر ولا نافية والمراد النهي ، ويجوز أن تكون ناهية كما مر ولا ينافيه التأويل بالمصدر كما أسلفناه أو أي لا تعبدوا الخ على أن أن مفسرة لتقدم ما تضمن معنى القوى دون حروفه ولا ناهية لا غير ، وجوز بعضهم أن تكون أن مخففة واسمها ضمير شأن محذوف ولا ناهية أيضاً وهو كما ترى وجوز أبو البقاء أن تكون أن مصدرية ولا زائدة والمعنى الزم ربك عبادته وفيه أن الاستثناء يأبى ذلك . وفي «الكشاف » تفسير قضى بأمر أمراً مقطوعاً به وجعل ذلك غير واحد من باب التضمين وجعل المضمن أصلاً والمتضمن قيداً وقال بعضهم : أراد أن القضاء مجاز عن الأمر المبتوت الذي لا يحتمل النسخ ولو كان ذلك من التضمين لكان متعلق القضاء الأمر دون المأمور به وإلا لزم أن لا يعبد أحد غير الله تعالى فيحتاج إلى تخصيص الخطاب بالمؤمنين فيرد عليه بأن جميع أوامر الله تعالى بقضائه فلا وجه للتخصيص . وتعقب بأن ما ذكر متوجه لو أريد بالقضاء أخو القدر أما لو أريد به معناه اللغوي الذي هو البت والقطع المشار إليه فلا يرد ما ذكره ، ثم إن لزوم أن لا يعبد أحد غير الله تعالى ادعاه ابن عباس فيما يروى للقضاء من غير تفصيل ، فقد أخرج أبو عبيد . وابن منيع ، وابن المنذر . وابن مروديه من طريق ميمون بن مهران عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال : أنزل الله تعالى هذا الحرف على لسان نبيكم { ووصى * رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه } فلصقت إحدى الواوين بالصاد فقرأ الناس { وقضى رَبُّكَ } ولو نزلت على القضاء ما أشرك به أحد ، وأخرج مثل ذلك عنه جماعة من طريق سعيد بن جبير . وابن أبي حاتم من طريق الضحاك ورويت هذه القراءة عن ابن مسعود . وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنهما أيضاً وهذا إن صح عجيب من ابن عباس لاندفاع المحذور بمحمل القضاء على الأمر ولا أقل كما هو مروي عنه أيضاً نعم قيل إن ذلك معنى مجازي للقضاء وقيل إنه حقيقي . وفي مفردات الراغب القضاء فصل الأمر قولاً كان أو فعلاً وكل منهما إلهي وبشري فمن القول الإلهي قوله تعالى : { وقضى رَبُّكَ * أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ * إياه } أي أمر ربك إلى آخر ما قال ، ثم إن هذا الأمر عند البعض بمعنى مطلق الطلب ليتناول طلب ترك العبادة لغيره تعالى ، ويغني عن هذا التجوز كما قيل إن معنى لا تعبدوا غيره اعبدوه وحده فهو أمر باعتبار لازمه ، وإنما اختير ذلك للإشارة إلى أن التخلية بترك ما سواه مقدمة مهمة هنا ، وأمر سبحانه أن لا يعبدوا غيره تعالى لأن العبادة غاية التعظيم وهي لا تليق إلا لمن كان في غاية العظمة منعماً بالنعم العظام وما غير الله تعالى كذلك ، وهذا وما عطف عليه من الأعمال الحسنة كالتفصيل للسعي للآخرة .

{ وبالوالدين إحسانا } أي وبأن تحسنوا بهما أو أحسنوا بهما إحساناً ، ولعله إذا نظر إلى توحيد الخطاب فيما بعد قدر وأحسن بالتوحيد أيضاً ، والجار والمجرور متعلق بالفعل المقدر وهو الذي ذهب إليه الزمخشري ومنع تعلقه بالمصدر لأن صلته لا تتقدم عليه ، وعلقه الواحدي به فقال الحلبي : إن كان المصدر منحلاً بأن والفعل فالوجه ما ذهب إليه الزمخشري وإن جعل نائباً عن الفعل المحذوف فالوجه ما قاله الواحدي ، ومذهب الكثير من النحاة جواز تقديم معموله إذا كان ظرفاً مطلقاً لتوسعهم فيه والجار والمجرور أخوه .

{ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا } إما مركبة من إن الشرطية وما المزيدة لتأكيدها .

قال الزمخشري : ولذا صح لحوق النون المؤكدة للفعل ولو أفردت إن لم يصح لحوقها واختلف في لحاقها بعد الزيادة فقال أبو إسحق بوجوبه ، وعن سيبويه القول بعدم الوجوب ويستشهد له بقول أبي حية النميري :

فأما ترى لمتي هكذا . . . فقد أدرك الفتيات الخفارا

وعليه قول ابن دريد :

أما ترى رأسي حاكي لونه . . . طرة صبح تحت أذيال الدجى

ومعنى { عِندَكَ } في كنفك وكفالتك ، وتقديمه على المفعول مع أن حقه التأخير عنه للتشويق إلى وروده فإنه مدار تضاعف الرعاية والإحسان ، و { أَحَدُهُمَا } فاعل للفعل ، وتأخيره عن الظرف والمفعول لئلا يطول الكلام به وبما عطف عليه و { كِلاَهُمَا } معطوف عليه .

وقرأ حمزة . والكسائي { أَمَّا } فأحدهما على ما في «الكشاف » بدل من ألف الضمير لا فاعل والألف علامة التثنية على لغة أكلوني البرغيث فإنه رد بأن ذلك مشروط بأن يسند الفعل للمثنى نحو قاما أخواك أو لمفرق بالعطف بالواو خاصة على خلاف فيه نحو قاما زيد وعمرو وما هنا ليس كذلك . واستشكلت البدلية بأن { رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا } على ذلك بدل بعض من كل لأكل من كل لأنه ليس عينه و { كِلاَهُمَا } معطوف عليه فيكون بدل كل من كل لكنه خال عن الفائدة على أن عطف بدل الكل على غيره مما لم نجده . وأجيب بأنا نسلم أنه لم يفد البدل زيادة على المبدل منه لكنه لا يضر لأنه شأن التأكيد ولو سلم أنه لا بد من ذلك ففيه فائدة لأنه بدل مقسم كما قاله ابن عطية فهو كقوله :

فكنت كذي رجلين رجل صحيحة . . . وأخرى رمى فيها الزمان فشلت

وتعقب بأنه ليس من البدل المذكور لأنه شرطه العفط بالواو وأن لا يصدق المبدل منه على أحد قسميه وهنا قد صدق على أحهدما ، وبالجملة هذا الوجه لا يخلو عن القيل والقال ، وعن أبي علي الفارسي أن { أَحَدُهُمَا } بدل من ضمير التثنية و { كِلاَهُمَا } تأكيد للضمير ، وتعقب بأن التأكيد لا يعطف على البدل كما لا يعطف على غيره وبأن أحدهما لا يصلح تأكيداً للمثنى ولا غيره فكذا ما عطف عليه وبأن بين إبدال بدل البعض منه وتوكيده تدافعاً لأن التأكيد يدفع إرادة البعض منه ، ومن هنا قال في «الدر المصون » لا بد من إصلاحه بأن يجعل أحدهما بدل بعض من كل ويضمر بعده فعل رافع لضمير تثنية و { كِلاَهُمَا } توكيد له والتقدير أو يبلغان كلاهما وهو من عطف الجمل حينئذ لكن فيه حذف المؤكد وأبقاء تأكيده وقد منعه بعض النحاة وفيه كلام في مفصلات العربية ، ولعل المختار إضمار فعل لم يتصل به ضمير التثنية وجعل { كِلاَهُمَا } فاعلاً له فإنه سالم عماسمعت في غيره ولذا اختاره في البحر ، وتوحيد ضمير الخطاب في { عِندَكَ } وفيما بعده مع أن ما صرح به فيما سبق على الجمع للاحتراز عن التباس المراد وهو نهي كل أحد عن تأفيف والديه ونهرهما فإنه لو قوبل الجمع بالجمع أو التثنية بالتثنية لم يحصل ذلك ، وذكر أنه وحد الخطاب في { لاَ تَجْعَلْ } [ الإسراء : 22 ] للمبالغة وجمع في { أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ * إياه } لأنه أوفق لتعظيم أمر القضاء { فَلاَ تَقُل لَّهُمَا } أي لواحد منهما حخالتي الانفراد والاجتماع { أُفّ } هو اسم صوت ينبىء عن التضجر أو اسم فعل هو أتضجر واسم الفعل بمعنى المضارع وكذا بمعنى الماضي قليل والكثير بمعنى الأمر وفيه نحو من أربعين لغة والوارد من ذلك في القراآت سبع ثلاث متواترة وأربع شاذة . فقرأ نافع . وحفص بالكسر والتنوين وهو للتنكير فالمعنى أتضجر تضجرا ما وإذا لم ينون دل على تضجر مخصوص . وقرأ ابن كثير . وابن عامر بالفتح دون تنوين ، والباقون بالكسر دون تنوين وهو على أصل التقاء الساكنين والفتح للخفة ولا خلاف بينهم في تشديد الفاء . وقرأ نافع في رواية عنه بالرفع والتنوين ، وأبو السمال بالضم للاتباع من غير تنوين ، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنه بالنصب والتنوين ، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالسكون ، ومحصل المعنى لا تتضجر مما يستقذر منهما وتستثقل من مؤنهما ، والنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء قياساً جلياً لأنه يفهم بطريق الأولى ويسمى مفهوم الموافقة ودلالة النص وفحوى الخطاب ، وقيل يدل على ذلك حقيقة ومنطوقاً في عرف اللغة كقولك : فلان لا يملك النقير والقطمير فإنه يدل كذلك على أنه لا يملك شيئاً قليلاً أو كثيراً ، وخص بعض أنواع الإيذاء بالذكر في قوله تعالى : { وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } للاعتناء بشأنه ، والنهر كما قال الراغب الزجر بأغلاظ ، وفي «الكشاف » النهي والنهر والنهم أخوات أي لا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك .

وقال الإمام : المراد من قوله تعالى : { وَلاَ * تَقُل لَّهُمَا أُفّ } المنع من إظهار الضجر القليل والكثير والمراد من قوله سبحانه { وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليهما والتكذيب لهما ولذا روعي هذا الترتيب وإلا فالمنع من التأفيف يدل على المنع من النهر بطريق الأولى فيكون ذكره بعده عبثاً فتأمل .

{ وَقُل لَّهُمَا } بدل التأفيف والنهر { قَوْلاً كَرِيمًا } أي جميلاً لا شراسة فيه ، قال الراغب : كل شيء يشرف في بابه فإنه يوصف بالكرم ، وجعل ذلك بعض المحققين من وصف الشيء باسم صاحبه أي قولاً صادراً عن كرم ولطف ويعود بالآخرة إلى القول الجميل الذي يقتضيه حسن الأدب ويستدعيه النزول على المروءة مثل أن يقول يا أبتاه ويا أماه ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء وسوء الأدب ، وليس القول الكريم مخصوصاً بذلك كما يوهمه اقتصار الحسن فيما أخرجه عنه ابن أبي حاتم عليه فإنه من باب التمثيل ، وكذا ما أخرج عن زهير بن محمد أنه قال فيه : إذا دعواك فل لبيكما وسعديكم .

وأخرج هو وابن جرير . وابن المنذر عن أبي الهداج أنه قال : قلت لسعيد بن المسيب كل ما ذكر الله تعالى في القرآن من الوالدين فقد عرفته إلا قوله سبحانه : { وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا } ما هذا القول الكريم ، فقال ابن المسيب قول العبد المذنب للسيد الفظ .

( ومن باب الإشارة ) :

{ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه } [ الإسراء : 23 ] قالت الوجودية من الصوفية : إنه تعالى سبق قضاؤه أن لا يعبد سواه فكل عابد إنما يعبد الله سبحانه من حيث يدري ومن حيث لا يدري فإنه جل شأنه الأول والآخر والظاهر والباطن والأعيان الثابتة ما شمت رائحة الوجود ولا تشمه أبداً ، ومما ينسبونه إلى زين العابدين رضي الله تعالى عنه ويزعمون أنه مشيراً إلى مدعاهم قوله :

إني لأكتم من علمي جواهره . . . كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

وقد تقدم في هذا أبو حسن . . . إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا

فرب جوهر علم لو أبوح به . . . لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

ولاستحل رجال مسلمون دمي . . . يرون أقبح ما يأتونه حسنا

/ قالوا : إنه رضي الله تعالى عنه عنى بهذا الجوهر الذي لو باح به لقيل له : أنت ممن يعبد الوثن علم الوحدة إذ منه يعلم أن الوثن وكذا غيره مظهر له جل وعلا وليس في الدار غيره ديار ، وقد مر عن قرب ما نقل عن الحلاج ومثله كثير للشيخ الأكبر قدس سره ولغيره عرباً وعجماً وهو عفا الله تعالى عنه قد فتح باباً في هذا المطلب لا يسد إلى أن يأتي أمر الله عز وجل وكأنه أوصى إليه بأن يبوح وينثر هاتيك الجواهر بين الأصاغر والأكابر كما أوصى إلى الحسنين بأن يكتما من ذلك ما علما وفي بعض كتبه قدس سره ما هو صريح في أنه مأمور فإن صح ذلك فهو معذور ، وأنا لا أرى عذراً لمن يقفو أثره في المقال مع مباينته له في الحال فإن هذا المطلب أجل من أن يحصل لغريق الشهوات وأسير المؤلوفات ورهين العادات ولله تعالى در من قال :

تقول نساء الحي تطمع أن ترى . . . محاسن ليلى مت بداء المطامع

وكيف ترى ليلى بعين ترى بها . . . سواها وما طهرتها بالمدامع

وتطمع منها بالحديث وقد جرى . . . حديث سواها في خروق المسامع

ولا يخفى أنه على تأويل الصوفية هذه الآية لا يكون قوله تعالى : { وبالوالدين إحسانا } [ الإسراء : 23 ] داخلاً فيما قضى إذ لا يسعهم أن يقولوا إن كل أحد محسن بوالديه من حيث يدري ومن حيث لا ، ويفهم من كلام بعض المتصوفة أن هذا إيصاء بالإحسان إلى الشيخ أيضاً ، وعليه فيحتمل أن يكون تثنية الوالدين كما في قولهم : القلم أحد اللسانين

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا} (23)

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

قال أشهب: سمعت مالكا يقول: لا يقل لهما أف وإن أخذا ماله وأعنتاه، وسمعته مرة أخرى يقول: لا تشرد النظر إليهما...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني بذلك تعالى ذكره حكم ربك يا محمد بأمره إياكم ألا تعبدوا إلا الله، فإنه لا ينبغي أن يعبد غيره، وقد اختلفت ألفاظ أهل التأويل في تأويل قوله "وَقَضَى رَبُّكَ "وإن كان معنى جميعهم في ذلك واحدا...

عن ابن عباس "وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ" يقول: أمر... وفي حرف ابن مسعود: وَصَّى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ...

وقوله "وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" يقول: وأمركم بالوالدين إحسانا أن تحسنوا إليهما وتبرّوهما. ومعنى الكلام: وأمركم أن تحسنوا إلى الوالدين...

وقوله "فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ" يقول: فلا تؤفف من شيء تراه من أحدهما أو منهما مما يتأذّى به الناس، ولكن اصبر على ذلك منهما، واحتسب في الأجر صبرك عليه منهما، كما صبرا عليك في صغرك...

وقد اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى "أفّ"؛

فقال بعضهم: معناه: كلّ ما غلظ من الكلام وقبُح.

وقال آخرون: الأفّ: وسخ الأظفار والتف كلّ ما رفعت بيدك من الأرض من شيء حقير...

وقوله "وَلا تَنْهَرْهُما" يقول جلّ ثناؤه: ولا تزجُرهما...

وأما قوله "وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا" فإنه يقول جلّ ثناؤه: وقل لهما قولا جميلا حسنا... عن قتادة "وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا": أي قولا ليِّنا سهلا...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}:...

وقال بعضهم: وعهد ربك.

وقال القتبي: {وقضى ربك} أي ختم ربك، وهو من الفرض والإلزام، أي فرض ربك، وألزم، {ألا تعبدوا إلا إياه} وكذلك حكم، وهو أشبه...

{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} فرض وحتم وحكم وأمر {ألا تعبدوا إلا إياه} إلا الإله المعبود الحق المستحق للعبادة والربوبية لا تعبدوا دونه أحدا...

وتأويل حكم ربك {ألا تعبدوا إلا إياه} لما أنشأ في خلقه كل أحد آثار وحدانيته وشهادة ربوبيته استحقاق العبادة له. فذلك تأويل من قال: قضى (أي) حكم... وأما تأويل من قال: أي أمر ربك، وكلف {ألا تعبدوا إلا إياه} فيكون فيه أمر بالعبادة له، والنهي عن عبادة غيره، كأنه قال: أمر ربك أن اعبدوه ونهاكم أن تعبدوا غيره...

{وبالوالدين إحسانا} كأنه قال: وفرض عليكم أيضا، وحكم الإحسان للوالدين. ثم الإحسان في عرف الناس هو الفعل الذي ليس عليه، إنما هو فضل ومعروف يصنعه المرء إلى غيره، هذا هو الإحسان في العرف واللغة. لكن المراد من الأمر بالإحسان إلى الوالدين، هو الشكر لا ما ذكرنا من الإحسان المعروف عند الناس، وهو ما ذكر في آية أخرى {أن اشكر لي ولوالديك} (لقمان: 14) لأن الشكر، هو المكافأة والجزاء لما أنعم وصنع من المعروف... فهو والله أعلم وإن ذكر الإحسان في هذا وفي غيره من الآيات، وهو قوله: {ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا} (النعام: 151) وقوله في آية أخرى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا} (النساء: 36) وغيرها من الآيات، فالمراد منه، والله أعلم، الشكر لهما لما ذكر في آية أخرى: {أن اشكر لي ولوالديك} (لقمان: 14) والشكر هو المكافأة. أمره أن يكافئ لهما، ويجازي بعض ما كان منهما إليه من التربية والبر عليه والعطف عليه والوقاية من كل سوء ومكروه في البطن وبعد ما خرج من البطن حتى كان يؤثرانه على نفسيهما في السرور، يجعلان نفسيهما (وقاية له من كل سوء ومحذور، فأمر الولد أن يشكر لوالديه جزاء ومكافأة لما كان إليه منهما إليه مما ذكرنا...

{إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما} ثم أمره أن يذكر الحال التي هو عليها، وهو حال طفوليته وصغره، أن كيف ربياه، وبراه، وعطفا عليه، ولانا قولا حتى لم يستقذروا منه شيئا مما يستقذر الناس بعضهم من بعض، ولم يبعدهما عنه ما يبعد الخلق بعضهم من بعض من أنواع الأذى والخبث، فأمره أن يعاملها إذا بلغا الحال التي كان هو عليها من الجهل، والضعف والعجز عن القيام بالحوائج على ما كان هو، وبلغا المبلغ الذي يستقذر منهما، ويبعد عنهما، ألا يستقذر منهما، و يبتعد عنهما كما لم يستقذرا هما منه...

{فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} عند السؤال والحاجة إليه كما لم يفعلاهما له، بل يلين وبذل، كما لانا هما له، وخضعا... وقال بعضهم: قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} هو كناية عن إظهار الكراهة لهما في الوجه {ولا تنهرهما} أي لا تعنفهما في القول والكلام على ما لم يفعلا هما بك. وقال بعضهم: {أف} المراد منه هو {أف} لا غيره {ولا تنهرهما} أي لا تعنفهما، ولا تتخشن. لكنه ذكر أول حال الاستثقال والكراهة منه وآخرها، أي لا تقل لهما: أف على ما يستثقل الناس شيئا، ويكرهونه في أول حال، يرون شيئا مستثقلا مكروها، فيقولون: أف، أي لا تقل: أف لئلا يحمل ذلك على العنف والخشونة والنهر... فعلى ذلك قوله: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} ذكر أول الحال وآخرها: (فأولها: {أف} وآخرها: {ولا تنهرهما} ) أي لا تظهر في وجهك من الكراهة والاستثقال (لئلا يحمل) ذلك على العنف والانتهار...

"وقل لهما قولا كريما" بعدما نهاه أن يقول لهما {أف} ونهاه أن ينهرهما. فإذا امتنع عن الأف والنهر قال بعد ذلك قولا لينا لطيفا... فإن قيل: ما الحكمة في ما قرن الله من شكر والديه شكره في غير آية من القرآن (كقوله) {أن اشكر لي ولوالديك}؟ (لقمان: 14) قيل: لأنه بهما كان نماؤه من أول حاله إلى آخر ما انتهى إليه من التغذية إليه والتربية والوقاية من كل سوء والحفظ من كل آفة وشر...

والخطاب من الله، وإن كان مع رسوله فالمراد منه غيره، لأن رسول الله معلوم أنه لم يدرك والديه في الوقت الذي أرسل فيه إليهم وخاطبه بما خاطب، دل أنه أراد بالخطاب غيره...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

... فإن قيل هل أباح الله أن يقال لهما أف قبل أن يبلغا الكبر؟ قلنا: لا، لأن الله أوجب على الولد إطاعة الوالدين على كل حال. وحظر عليه أذاهما، وإنما خص الكبر، لأن وقت كبر الوالدين مما يضطر فيه الوالدان إلى الخدمة إذا كانا محتاجين عند الكبر...

"إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما" معناه متى بلغ واحد منهما أو هما الكبر "فلا تقل لهما أف "أي لا تؤذهما بقليل ولا كثير،

"ولا تنهرهما" أي لا تزجرهما بإغلاظ وصياح يقال: نهره... إذا أغلظ له.

"وقل لهما قولا كريما" أي شريفا تكرمهما به...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

أمَرَ بإفراده- سبحانه -بالعبادة، وذلك بالإخلاص فيما يستعمله العبدُ منها، وأن يكون مغلوباً باستيلاء سلطانِ الحقيقةِ عليه بما يَحْفَظُه عن شهودِ عبادته...

وأَمَرَ بالإحسان إلى الوالدين ومراعاةِ حقِّهما، والوقوفِ عند إشارتهما، والقيام بخدمتهما، وملازمة ما كان يعود إلى رضاهما وحُسْنِ عشرتهما ورعاية حُرْمَتهما، وألا يبديَ شواهدَ الكسلِ عند أوامرهما، وأن يَبْذُل المُكْنَةَ فيما يعود إلى حفظ قلوبهما... هذا في حال حياتهما، فأمَّا بعد وفاتهما فبِصِدْقِ الدعاء لهما، وأداءِ الصَدَقَةِ عنهما، وحِفْظِ وصيتهما على الوجه الذي فَعَلاَه، والإحسان إلى مَنْ كان مِنْ أهلِ ودِّهما ومعارفهما...

أحكام القرآن لإلكيا الهراسي 504 هـ :

قرن ذكر الوالدين بعبادة الله سبحانه، فنبه به على عظيم إنعام الله تعالى المقتضي للشكر، ونبه بعد ذلك على عظيم نعم الوالدين، وبين اختلاف الوالدين، ليكون بره بهما وإحسانه إليهما على قدر حاجاتهما فقال: {إمَا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاَهُما}، فخص هذه الحالة بالذكر، وهي حالة حاجتهما إلى بره لتغيير الحال عليهما بالضعف النازل والكبر، فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزم من قبل، لأنهما قد صارا في هذه الحالة كلا عليه، فيحتاجان إلى أن يلي من أمرهما للضعف النازل منهما، ما كان يحتاجه هو في صغره أن يليان منه، فذلك معنى تخصيص هذه الحالة بالذكر، ليبين ما يلزم من مزيد البر والتعاهد، وما يتصل بخدمة وإنفاق...

ودل قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُف}: على وجوب صبره عليهما حتى لا يتبرم ولا يضجر، فإن العادة جارية في المتضجر عند الأمر أن يقول أف أو تف في الأمور، فبين الله سبحانه تحريم هذا القدر من التبرم على الولد عند ضعف الوالدين وحاجتهما إلى بره، ولم يقتصر تعالى على هذا القدر في بيان حقهما حتى قال: {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}، مؤكداً لما تقدم ودالاً به على أن الواجب في بره لهما سلوك طريقة اللين في القول، ثم قال: {وقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً}: والكريم من القول ما يوافق مسرة النفس، ولا ينفر عنه الطبع... ثم بين الله تعالى أن الذي يلزم لهما ليس مقصوراً على منافع الدنيا، بل يلزمه مع ذلك ما يمكن في باب الآخرة من الدعاء، لأنه لا يقدر منهما على ما سواه، فقال: {وقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبّيَانِي صَغِيراً}، بين العلة في لزوم الدعاء لهما، وبين أنه يلزم الولد من الدعاء للوالدين، أكثر مما يلزمه في غيرهما...

جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :

الآية سيقت لقصد معلوم، وهو: الحث على توقير الوالدين وإعظامهما واحترامهما، والبر والإحسان إليهما، والتأفيف والإيذاء يناقض الإعظام الواجب...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وقضى رَبُّكَ} وأمر أمراً مقطوعاً به {أَلاَّ تَعْبُدُواْ} أن مفسرة ولا تعبدوا نهي. أو بأن لا تعبدوا {وبالوالدين إحسانا} وأحسنوا بالوالدين إحساناً. أو بأن تحسنوا بالوالدين إحساناً...

فإن قلت: ما معنى عندك؟ قلت: هو أن يكبرا ويعجزا، وكانا كلا على ولدهما لا كافل لهما غيره، فهما عنده في بيته وكنفه، وذلك أشق عليه وأشدّ احتمالاً وصبراً، وربما تولى منهما ما كانا يتوليان منه في حال الطفولة، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب والاحتمال، حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما أو يستثقل من مؤنهما: أف، فضلاً عما يزيد عليه. ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده، ونظمهما في سلك القضاء بهما معاً، ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات الضجر ومقتضياته، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في استطاعة، {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}: ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك. والنهي والنهر والنهم: أخوات {وَقُل لَّهُمَا} بدل التأفيف والنهر {قَوْلاً كَرِيمًا} جميلاً، كما يقتضيه حسن الأدب والنزول على المروءة.

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنَّ من أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ)...

{إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَك الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا}: خَصَّ حَالَةَ الْكِبَرِ؛ لِأَنَّهَا بِطُولِ الْمَدَى تُوجِبُ الِاسْتِثْقَالَ عَادَةً، وَيَحْصُلُ الْمَلَلُ، وَيَكْثُرُ الضَّجَرُ، فَيَظْهَرُ غَضَبُهُ عَلَى أَبَوَيْهِ، وَتَنْتَفِخُ لَهُمَا أَوْدَاجُهُ، وَيَسْتَطِيلُ عَلَيْهِمَا بِدَالَّةِ الْبُنُوَّةِ، وَقِلَّةِ الدِّيَانَةِ... وَأَقَلُّ الْمَكْرُوهِ أَنْ يُؤَفِّفَ لَهُمَا؛ وَهُوَ مَا يُظْهِرُهُ بِتَنَفُّسِهِ الْمُرَدَّدِ من الضَّجَرِ...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

القضاء معناه الحكم الجزم البت الذي لا يقبل النسخ. وإذا كان المنعم بجميع النعم هو الله لا غيره، لا جرم كان المستحق للعبادة هو الله تعالى لا غيره...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان سبحانه عليماً بما في الطباع من ملال الولد لهما عند أخذهما في السن، قال تعالى: {إما} مؤكداً بإدخال "ما "على الشرطية لزيادة التقرير للمعنى اهتماماً بشأن الأبوين {يبلغن عندك} أي بأن يضطر إليك فلا يكون لهما كافل غيرك {الكبر} ونفى كل احتمال يتعلق به المتعنت بقوله تعالى: {أحدهما أو كلاهما} فيعجزا بحيث يكونان في كفالتك {فلا تقل لهما أف} أي لا تتضجر منهما.. وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي رحمه الله في كتابه في أصول الفقه: وقد أولع الأصوليون بأن يذكروا في جملة هذا الباب -أي باب الاستدلال بالملزوم على اللازم والأدنى على الأعلى- قوله تعالى: {ولا تقل لهما أف} بناء على أن التأفيف عندهم أقل شيء يعق به الأب، وذلك حائد عن سنن البيان ووجه الحكمة، لأنه ليس في العقوق شيء أشد من التأفيف لأنه إنما يقال للمستقذر المسترذل، ولذلك عطف عليه {ولا تنهرهما} لأنه لا يلزم منه لزوم سواء ولا لزوم أحرى، ولا يصلح فيما يقع أدنى أن يعطف عليه ما يلزمه سواء أو أحرى، كما لو قال قائل: من يعمل ذرة خيراً يره، ومن يعمل قيراطاً يره، لم يصلح عطفه عليه لإفادة الأول إياه، ولعل ذلك شيء وهل فيه واهل فسلك إثره من غير اعتبار لقوله -انتهى...

ولما نهاه عن عقوقهما تقديماً لما تدرأ به المفسدة، أمره ببرهما جلباً للمصلحة، فقال تعالى: {وقل لهما} أي بدل النهر وغيره {قولاً كريماً} أي حسناً جميلاً يرضاه الله ورسوله مع ما يظهر فيه من اللين والرقة والشفقة وجبر الخاطر وبسط النفس، كما يقتضيه حسن الأدب وجميل المروءة...

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :

وقال الأصمعي: الأف وسخ الأذن، والثف: وسخ الأظفار، يقال ذلك: عند استقذار الشيء، ثم كثر حتى استعملوه في كل ما يتأذون به. {قَوْلاً كَرِيمًا} أي: ليناً لطيفاً أحسن ما يمكن التعبير عنه من لطف القول وكرامته مع التأدب والحياء والاحتشام.

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير لابن باديس 1359 هـ :

(القضاء) يكون بمعنى الإرادة، وهذا هو القضاء الكوني التقديري الذي لا يتخلف متعلقه فما قضاه الله لابد من كونه. ويكون القضاء بمعنى الأمر والحكم، وهذا هو القضاء الشرعي الذي يمتثله الموفقون، ويخالفه المخذولون، والذي في الآية من هذا الثاني... فالله تعالى يعلم الخلق كلهم في هذه الآية بأنه أمر أمرا عاما، وحكم حكما جازما بأن العبادة لا تكون إلا له. و جيء باسم الرب في مقام الأمر بقصر العبادة عليه تنبيها على أن الذي يستحق العبادة هو من له الربوبية بالخلق والتدبير والملك والإنعام، وليس ذلك الإله. فلا يستحق العبادة بأنواعها سواه، فهو تنبيه بوحدانية الربوبية التي من مقتضاها انفراده بالخلق والأمر الكوني والشرعي على وحدانية الألوهية التي من مقتضاها استحقاقه وحده عبادة جميع مخلوقاته...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{إِلَّا إِيَّاهُ} لأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي له كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أعظمها على وجه لا يشبهه أحد من خلقه، وهو المنعم بالنعم الظاهرة والباطنة الدافع لجميع النقم الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور فهو المتفرد بذلك كله وغيره ليس له من ذلك شيء...

ثم ذكر بعد حقه القيام بحق الوالدين فقال: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} أي: أحسنوا إليهما بجميع وجوه الإحسان القولي والفعلي لأنهما سبب وجود العبد ولهما من المحبة للولد والإحسان إليه والقرب ما يقتضي تأكد الحق ووجوب البر...

{وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} بلفظ يحبانه وتأدب وتلطف بكلام لين حسن يلذ على قلوبهما وتطمئن به نفوسهما، وذلك يختلف باختلاف الأحوال والعوائد والأزمان...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ولفظة (قضى) تخلع على الأمر معنى التوكيد، إلى جانب القصر الذي يفيده النفي والاستثناء (ألا تعبدوا إلا إياه) فتبدو في جو التعبير كله ظلال التوكيد والتشديد... (وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما: أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل: رب ارحمهما كما ربياني صغيرا). بهذه العبارات الندية، والصور الموحية، يستجيش القرآن الكريم وجدان البر والرحمة في قلوب الأبناء. ذلك أن الحياة وهي مندفعة في طريقها بالأحياء، توجه اهتمامهم القوي إلى الأمام. إلى الذرية. إلى الناشئة الجديدة. إلى الجيل المقبل. وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء. إلى الأبوة. إلى الحياة المولية. إلى الجيل الذاهب! ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف إلى الخلف، وتتلفت إلى الآباء والأمهات...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وافتتحت هذه الأحكام والوصايا بفعل القضاء اهتماماً به وأنه مما أمر الله به أمراً جازماً وحكماً لازماً، وليس هو بمعنى التقدير كقوله: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب} [الإسراء: 4] لظهور أن المذكورات هنا مما يقع ولا يقع...

وجيء بخطاب الجماعة في قوله: {ألا تعبدوا إلا إياه} لأن النهي يتعلق بجميع الناس وهو تعريض بالمشركين... والخطاب في قوله: {ربك} للنبيء صلى الله عليه وسلم كالذي في قوله قبل: {من عطاء ربك} [الإسراء: 20]، والقرينة ظاهرة. ويجوز أن يكون لغير معين فيعم الأمة والمآل واحد... وابتدئ التشريع بالنهي عن عبادة غير الله لأن ذلك هو أصل الإصلاح، لأن إصلاح التفكير مقدم على إصلاح العمل، إذ لا يشاق العقل إلى طلب الصالحات إلا إذا كان صالحاً. وفي الحديث: « ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»...

{وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما}. هذا أصل ثانٍ من أصول الشريعة وهو بر الوالدين. وانتصب {إحساناً} على المفعولية المطلقة مصدر نائباً عن فعله. والتقدير: وأحسنوا إحساناً بالوالدين كما يقتضيه العطف على {ألا تعبدوا إلا إياه} أي وقضى إحساناً بالوالدين... {وبالوالدين}... وتقديمه على متعلقه للاهتمام به... والتعريف في الوالدين للاستغراق باعتبار والدي كل مكلف ممن شملهم الجمع في {ألا تعبدوا}... وعطف الأمر بالإحسان إلى الوالدين على ما هو في معنى الأمر بعبادة الله لأن الله هو الخالق فاستحق العبادة لأنه أوجد الناس. ولما جعل الله الأبوين مظهرَ إيجاد الناس أمر بالإحسان إليهما، فالخالق مستحق العبادة لغناه عن الإحسان، ولأنها أعظم الشكر على أعظم منة،، وسببُ الوجود دون ذلك فهو يستحق الإحسان لا العبادة لأنه محتاج إلى الإحسان دون العبادة، ولأنه ليس بمُوجد حقيقي، ولأن الله جبل الوالدين على الشفقة على ولدهما، فأمر الولد بمجازاة ذلك بالإحسان إلى أبويه... والخطاب لغير معين فيعم كل مخاطب بقرينة العطف على {ألا تعبدوا إلا إياه} وليس خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن له أبوان يومئذٍ. وإيثار ضمير المفرد هنا دون ضمير الجمع لأنه خطاب يختص بمن له أبوان من بين الجماعة المخاطبين بقوله: {ألا تعبدوا إلا إياه} فكان الإفراد أنسب به وإن كان الإفراد والجمع سواء في المقصود لأن خطاب غير المعين يساوي خطاب الجمع...

ووجه تَعدد فاعل {يبلغن} مُظهراً دون جعله بضمير التثنية بأن يقال إما يبلغَانِّ عندك الكبر، الاهتمام بتخصيص كل حالة من أحوال الوالدين بالذكر، ولم يستغن بإحدى الحالتين عن الأخرى لأن لكل حالة بواعث على التفريط في واجب الإحسان إليهما، فقد تكون حالة اجتماعهما عند الابن تستوجب الاحتمال منهما لأجل مراعاة أحدهما الذي الابن أشد حُبّاً له دون ما لو كان أحدهما منفرداً عنده بدون الآخر الذي ميله إليه أشد، فالاحتياج إلى ذكر أحدهما في هذه الصورة للتنبيه على وجوب المحافظة على الإحسان له. وقد تكون حالة انفراد أحد الأبوين عند الابن أخف كلفة عليه من حالة اجتماعهما، فالاحتياج إلى {أو كلاهما} في هذه الصورة للتحذير من اعتذار الابن لنفسه عن التقصير بأن حالة اجتماع الأبوين أحرَج عليه، فلأجل ذلك ذكرت الحالتان وأجري الحكم عليهما على السواء، فكانت جملة {فلا تقل لهما أف} بتمامها جواباً ل (إما)...

وليس المقصود من النهي عن أن يقول لهما {أف} خاصة، وإنما المقصود النهي عن الأذى الذي أقله الأذى باللسان بأوْجز كلمة، وبأنها غير دالة على أكثر من حصُول الضجر لقائلها دون شتم أو ذم، فيفهم منه النهي مما هو أشد أذى بطريق فحوى الخطاب بالأوْلى... ثم أمر بإكرام القول لهما. والكريم من كل شيء: الرفيع في نوعه...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

العبادة: هي إطاعة آمر في أمره ونهيه، فتنصاع له تنفيذاً للأمر، واجتناباً للنهي، فإن ترك لك شيئاً لا أمر فيه ولا نهي فاعلم أنه ترك لك الاختيار، وأباح لك: تفعل أو لا تفعل...: التربية والرعاية في الوالدين محسة، أما التربية والرعاية من الله فمعقولة، فأمر الله لك بالإحسان إلى الوالدين دليل على وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، فهو سبحانه الذي خلقك، وهو سبب وجودك الأول، وهو مربيك وصاحب رعايتك، وصاحب الفضل عليك قبل الوالدين... لابد أن يلتحم حق الله بحق الوالدين، وأن نأخذ أحدهما دليلاً على الآخر. ونلاحظ أن الحق تبارك وتعالى حين أمرنا بعبادته جاء بأسلوب النفي: {ألا تعبدوا}: يعني نهانا أن نعبد غيره سبحانه، أما حين تكلم عن الوالدين فلم يقل مثلاً: لا تسيئوا للوالدين، فيأتي بأسلوب نفي كسابقه، لماذا؟ قالوا: لأن فضل الوالدين واضح لا يحتاج إلى إثبات، ولا يحتاج إلى دليل عقلي، وقولك: لا تسيئوا للوالدين يجعلهما مظنة الإساءة، وهذا غير وارد في حقهما، وغير متصور منهما، وأنت إذا نفيت شيئاً عن من لا يصح أن ينفي عنه فقد ذممته...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا} فتقدّم السنّ يؤدّي إلى اختلال المزاج وسوء الخلق، وضيق الصدر، ما ينعكس على تصرفاتهما التي تتخذ جانباً سلبياً ضد الناس الذين يعيشون معهما، لا سيما أولادهما الذين يشعرون بالضيق من ذلك، فيحدث بسببه ردّ فعل سلبيٍّ تجاههما، ما يوجب صدور الإساءة منهم إليهما، لأن القوي عادةً يضغط على الضعيف ويؤذيه ويهينه، وبذلك نفهم أن الكبر ليس له خصوصيةٌ في ذاته، بل الخصوصية له بلحاظ ما يستتبعه من تصرفاتٍ تؤدي إلى ردود فعلٍ سلبيةٍ من قبل الولد...

{وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} أي لا تغلظ عليهما بالزجر والصوت الشديد القاسي {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} بالكلمة الحلوة اللطيفة التي تحمل الحب والعطف والحنان وتوحي بالانفتاح والاحترام والإعزاز والكرامة والابتسامة المشرقة والنظرة الحنونة...