تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ} (14)

وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين ، قالوا : آمنا بما آمنتم به ، وصدّقنا الرسول وقبلنا دعوته ، نحن معكم . وإذا اجتمعوا بشياطين الكفر من إخوانهم الضالين ، قالوا لهم : نحن معكم ، إنما قلنا للمؤمنين ما علمتم استخفافاً بهم واستهزاء بعقولهم .

ولقد روي أن عبد الله بن أبيّ بن سلول ، رأسَ المنافقين ، كان مع أصحابه فقدِم عليهم جماعة من الصحابة . فقال عبد الله لقومه : انظروا كيف أردُّ هؤلاء السفهاء عنكم . فأخذ بيد أبي بكر وقال : مرحبا بالصدّيق ، سيد بني تيم ، وشيخ الإسلام ، وثاني رسول الله في الغار . ثم أخذ بيد عمر بن الخطاب فقال : مرحباً بسيد بني عديّ ، والفاروق ، القوي في دينه ، الباذل نفسه وماله لرسول الله . ثم أخذ بيد عليّ رضي الله عنه فقال : مرحبا بابن عم رسول الله ، وختَنِه ، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله .

فنزلت هذه الآية .

هذا هو عبد الله بن أُبيّ الذي كان الأوسُ والخزرجُ في يثرب يريدون أن يتوّجوه ملكاً عليهم قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم . فلما تمت الهجرة وأسلم معظم الخزرج وجميع الأوس ، أُلغيت فكرة ملكيته ، فحقد عبد الله على الإسلام ، وحسد النبي صلى الله عليه وسلم على فضله ، لكنه عجز عن إظهار حنقه فنافق ، وأصبح يكيد للمسلمين سراً وإن جاهر بالإسلام زوراً .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ} (14)

{ وَإِذَا لَقُواْ الذين ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا } بيان لدأب المنافقين وأنهم إذا استقبلوا المؤمنين دفعوهم عن أنفسهم بقولهم آمنا استهزاءً فلا يتوهم أنه مكرر مع أول القصة لأنه إبداء لخبثهم ومكرهم وكشف عن إفراطهم في الدعارة وادعاء أنهم مثل المؤمنين في الإيمان الحقيقي وأنهم أحاطوه من جانبيه على أنه لو لم يكن هذا لا ينبغي أن يتوهم تكرار أيضا ؛ً لأن المعنى ومن الناس من يتفوه بالإيمان نفاقاً للخداع وذلك التفوه عند لقاء المؤمنين وليس هذا من التكرار بشيء لما فيه من التقييد وزيادة البيان وأنهم ضموا إلى الخداع الاستهزاء ، وأنهم لا يتفوهون بذلك إلا عند الحاجة ، والقول بأن المراد ب { مِنَ } أولاً الإخبار عن إحداث الإيمان وهنا عن إحداث إخلاص الإيمان مما ارتضاه الإمام ولا أقتدي به وتأييده له بأن الإقرار اللساني كان معلوماً منهم غير محتاج للبيان وإنما المشكوك الإخلاص القلبي فيجب إرادته يدفعه النظر من ذي ذوق فيما حررناه ، واللقاء استقبال الشخص قريباً منه وهو أحد أربعة عشر( {[127]} ) مصدراً للقي ، وقرأ أبو حنيفة وابن السميقع ( لاقوا ) ، وجعله في «البحر » بمعنى الفعل المجرد ، وحذف المفعول في ( آمنا ) قيل اكتفاءً بالتقييد قبل { بالله وباليوم الأخر } [ البقرة : 8 ] وقيل : المراد آمنا بما آمنتم به ، وأبعد من قال أرادوا الإيمان بموسى عليه السلام دون غيره وحذفوا تورية منهم وإيهاماً . هذا ولم يصح عندي في سبب نزول هذه الآية شيء ، وأما ما ذكره الزمخشري والبيضاوي ومولانا مفتي الديار الرومية وغيرهم فهو من طريق السدي الصغير وهو كذاب ، وتلك السلسلة سلسلة الكذب لا سلسلة الذهب ، وآثار الوجه لائحة على ما ذكروه فلا يعول عليه ولا يلتفت بوجه إليه .

{ وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم } من خلوت به وإليه إذا انفردت معه أو من قولهم في المثل : اطلب الأمر وخلاك ذم ، أي : عداك ومضى عنك .

ومنه { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } [ آل عمران : 137 ] وعلى الثاني المفعول الأول ههنا محذوف لعدم تعلق الغرض به أي إذا خلوهم ، وتعديته إلى المفعول الثاني ب { إلى } لما في المضي عن الشيء معنى الوصول إلى الآخر واحتمال أن يكون من خلوت به أي سخرت منه ، فمعنى الآية إذا أنهوا السخرية معهم وحدثوهم كما يقال أحمد إليك فلاناً وأذمه إليك مما لا ينبغي أن يخرج عليه كلام رب العزة وإن ذكره الزمخشري والبيضاوي وغيرهما إذ لم يقع صريحاً خلا بمعنى سخر في كلام من يوثق به ، وقولهم : خلا فلان بعرض فلان يعبث به ليس بالصريح إذ يجوز أن يكون خلا على حقيقته أو بمعنى تمكن منه على ما قيل ، والدال على السخرية يعبث به ، وزعم النضر بن شميل أن { إلى } هنا بمعنى مع ولا دليل عليه كالقول بأنها بمعنى الباء على أن سيبويه والخليل لا يقولان بنيابة الحرف عن الحرف ، نعم إن الخلوة كما في «التاج » تستعمل ب ( إلى ، والباء ، ومع ) بمعنى واحد ويفهم من كلام الراغب أن أصل معنى الخلو فراغ المكان والحيز عن شاغر وكذا الزمان وليس بمعنى المضي ، وإذا أريد به ذلك كان مجازاً وظاهر كلام غيره أنه حقيقة وضعيفان يغلبان قوياً .

والمراد ب { شياطينهم } من كانوا يأمرونهم بالتكذيب من اليهود كما قاله ابن عباس أو كهنتهم كما قاله الضحاك وجماعة وسموا بذلك لتمردهم وتحسينهم القبيح وتقبيحهم الحسن أو لأن قرناءهم الشياطين إن فسروا بالكهنة وكان على عهده صلى الله عليه وسلم كثير منهم ككعب بن الأشرف من بني قريظة ، وأبي بردة من بني أسلم ، وعبد الدار في جهينة ، وعوف بن عامر في بني أسد ، وابن السوداء في الشام .

وحمله على شياطين الجن كما قاله الكلبي مما لا يختلج بقلبي .

والشياطين جمع تكسير وإجراؤه مجرى الصحيح كما في بعض الشواذ تنزلت به الشياطون لغة غريبة جداً والمفرد شيطان ، وهو فيعال عند البصريين فنونه أصلية من شطن أي بعد لبعده عن امتثال الأمر ويدل عليه تشيطن وإلا لسقطت ، واحتمال أخذه من الشيطان لا من أصله على أن المعنى فعل فعله خلاف الظاهر ، وعند الكوفيين وزنه فعلان فنونه زائدة من شاط يشيط إذا هلك أو بطل أو احترق غضباً والأنثى شيطانة وأنشد في «البحر » :

هي البازل الكوماء لا شيء غيرها *** وشيطانة قد جن منها جفونها

وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الشيطان كل متمرد من الجن والإنس والدواب .

{ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ } أي معية معنوية وهي مساواتهم لهم في اعتقاد اليهودية وهو أم الخبائث ، وأتى بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث مع ترك التأكيد فيما ألقى على المؤمنين المنكرين لما هم عليه أو المتمردين ، وبالجملة الثبوتية مع التأكيد فيما ألقى إلى شياطينهم الذين ليسوا كذلك لأنهم في الأول بصدد دعوى إحداث الإيمان ولم ينظروا هنا لإنكار أحد وتردده إيهاماً منهم أنهم بمرتبة لا ينبغي أن يتردد في إيمانهم ليؤكدوا لعله أن يتم لهم مرامهم بذلك في زعمهم وفي الثاني بصدد إفادة الثبات دفعاً لما يختلج بخواطر شياطينهم من مخالطة المؤمنين ومخاطبتهم بالإيمان ، وقيل : إن التأكيد كما يكون لإزالة الإنكار والشك يكون لصدق الرغبة وتركه كما يكون لعدم ذلك يكون لعدم اعتناء المتكلم فللرغبة أكدوا ولعدمها تركوا ، أو لأنهم لو قالوا إنا مؤمنون كان ادعاء لكمال الإيمان وثباته ، وهو لا يروج عند المؤمنين مع ما هم عليه من الرزانة وحدة الذكاء ولا كذلك شياطينهم ، وعندي أن الوجه هو الأول إذ يرد على الأخيرين قوله تعالى فيما حكى عنهم : { نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله } [ المنافقون : 1 ] إلا أن يقال إنهم أظهروا الرغبة هناك وتبالهوا عن عدم الرواج لغرض ما من الأغراض والأحوال شتى ، والعوارض كثيرة ولهذا قيل : إنهم للتقية والخداع ، ودعوى أنهم مثل المؤمنين في الإيمان ليجروا عليهم أحكامهم ويعفوهم عن المحاربة أكدوا بالباء فيما تقدم حيث قالوا : { بالله وباليوم الأخر } [ البقرة : 8 ] . والقول بأن الفرق بين آية الشهادة وآية الإيمان هنا ظاهر لأنهم لو قالوا إنا لمؤمنون لكانوا ملتزمين أمرين : رسالته صلى الله عليه وسلم ووجوب إيمانهم به بخلاف آية الشهادة فإن فيها التزام الأول ولا يلزم من عدم الرغبة في أمرين عدمها في أحدهما ظاهر الركاكة للمنصفين كما لا يخفى ، وقرأ الجمهور { مَّعَكُمْ } بتحريك العين وقرئ شاذاً بسكونها وهي لغة ربيعة وغنم .

{ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } الاستهزاء الاستخفاف والسخرية ، واستفعل بمعنى فعل تقول هزأت به واستهزأت بمعنى كاستعجب وعجب ، وذكر حجة الإسلام الغزالي أن الاستهزاء الاستحقار والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه ، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول وبالإشارة والإيماء ، وأرادوا مستخفون بالمؤمنين . وأصل هذه المادة الخفة يقال : ناقته تهزأ به أي تسرع وتخف وقول الرازي : إنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطال ما يجري مجرى السوء على طريق السخرية غير موافق للغة والعرف . والجملة إما استئناف فكأن الشياطين قالوا لهم لما قالوا : { إِنَّا مَعَكُمْ } إن صح ذلك فما بالكم توافقون المؤمنين فأجابوا بذلك . أو بدل من إنا معكم ؛ وهل هو بدل اشتمال ، أو كل ، أو بعض ؟ خلاف ، أما الأول : فلأن هذه الجملة تفيد ما تفيده الأولى وهو الثبات على اليهودية لأن المستهزئ بالشيء مصر على خلافه وزيادة وهو تعظيم الكفر المفيد لدفع شبهة المخالطة وتصلبهم في الكفر فيكون بدل اشتمال .

وأما الثاني : وبه قال السعد : فللتساوي من حيث الصدق ولا يقتضي التساوي من حيث المدلول ، وأما الثالث فلأن كونهم معهم عام في المعية الشاملة للاستهزاء والسخرية وغير ذلك ، أو تأكيد لما قبله بأن يقال : إن مدعاهم بأنا معكم الثبات على الكفر وإنما نحن مستهزئون لاستلزامه رد الإسلام ونفيه يكون مقرراً للثبات عليه إذ رفع نقيض الشيء تأكيد لثباته لئلا يلزم ارتفاع النقيضين ، أو يقال يلزم : { إِنَّا مَعَكُمْ } إنا نوهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الإيمان فيكون الاستخفاف بهم وبدينهم تأكيداً باعتبار ذلك اللازم ، وأولى الأوجه عند المحققين الاستئناف لولا ما ذكره الشيخ «في دلائل الإعجاز » من أن موضوع ( إنما ) أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحته فإنه يقتضي أن تقدير السؤال هنا أمر مرجوح ولعل الأمر فيه سهل ، وقرئ { مُسْتَهْزِءونَ } بتخفيف الهمزة وبقلبها ياء مضمومة ، ومنهم من يحذف الياء فتضم الزاي .


[127]:_ وهي لقيا ولقية ولقاء ولقاة ولقاة ولقي ولقى ولقيا ولقيا ولقيانا ولقيانة وتلقاء اهـ منه.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ} (14)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وإذا لقوا الذين آمنوا}، يعني صدقوا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، {قالوا} لهم: {آمنا} صدقنا بمحمد.

{وإذا خلوا إلى شياطينهم} يعني رؤساء اليهود: كعب بن الأشرف وأصحابه، {قالوا} لهم: {إنا معكم} على دينكم، {إنما نحن مستهزءون} بمحمد وأصحابه.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

هذه الآية نظير الآية الأخرى التي أخبر الله جل ثناؤه فيها عن المنافقين بخداعهم الله ورسوله والمؤمنين، فقال:"وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا باللّهِ وَباليَوْمِ الاَخِرِ" ثم أكذبهم تعالى ذكره بقوله: "وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ "وأنهم بقيلهم ذلك يخادعون الله والذين آمنوا. وكذلك أخبر عنهم في هذه الآية أنهم يقولون للمؤمنين المصدقين بالله وكتابه ورسوله بألسنتهم: آمنا وصدّقنا بمحمدٍ وبما جاء به من عند الله، خداعا عن دمائهم وأموالهم وذراريهم، ودرءا لهم عنها، وأنهم إذا خلوا إلى مَرَدَتِهم وأهل العتوّ والشرّ والخبث منهم ومن سائر أهل الشرك الذين هم على مثل الذي هم عليه من الكفر بالله وبكتابه ورسوله وهم شياطينهم... [و] رءوسهم في الكفر... وشياطين كل شيء مردته. قالوا لهم: "إنّا مَعَكُمْ" أي إنا معكم على دينكم، وظهراؤكم على من خالفكم فيه، وأولياؤكم دون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. "إنما نحن مستهزئون" بالله وبكتابه ورسوله وأصحابه ...

...

"إنّمَا نَحْنُ مُسْتهْزِءُونَ". أجمع أهل التأويل جميعا لا خلاف بينهم، على أن معنى قوله: "إنّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ": إنما نحن ساخرون.

فمعنى الكلام إذا: وإذا انصرف المنافقون خالين إلى مردتهم من المنافقين والمشركين قالوا: إنا معكم عن ما أنتم عليه من التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به ومعاداته ومعاداة أتباعه، إنما نحن ساخرون بأصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) في قيلنا لهم إذا لقيناهم "آمَنّا باللّهِ وباليَوْمِ الآخِرِ"...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

أراد المنافقون أن يجمعوا بين عِشْرة الكفار وصحبة المسلمين، فإِذا برزوا للمسلمين قالوا: نحن معكم، وإذا خَلَوْا بأضرابهم من الكفار أظهروا الإخلاص لهم، فأرادوا الجمع بين الأمْرَيْن، فَنُفُوا عنهما.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

ويقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه.

وخلوت بفلان وإليه، إذا انفردت معه. ويجوز أن يكون من «خلا» بمعنى: مضى، وخلاك ذمّ: أي عداك ومضى عنك. ومنه: القرون الخالية، ومنه «خلوت به» إذا سخرت منه. وهو من قولك: خلا فلان بعرض فلان يعبث به. ومعناه: وإذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم، حدّثوهم بها... وشياطينهم: الذين ماثلوا الشياطين في تمرّدهم... {إِنَّا مَعَكُمْ} إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم.

فإن قلت: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالاسمية محققة بأن؟ قلت: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين وأوكدهما، لأنهم في ادّعاء حدوث الإيمان منهم ونشئه من قبلهم، لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان غير مشقوق فيه غبارهم، وذلك إما لأنّ أنفسهم لا تساعدهم عليه، إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرّك، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد. وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة. وكيف يقولونه ويطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التوراة والإنجيل. ألا ترى إلى حكاية الله قول المؤمنين: {رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا} [آل عمران: 16]. وأما مخاطبة إخوانهم، فهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية والقرار على اعتقاد الكفر، والبعد من أن يزلوا عنه على صدق رغبة ووفور نشاط وارتياح للتكلم به، وما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد.

فإن قلت: أنى تعلق قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} بقوله: {إِنَّا مَعَكُمْ} قلت: هو توكيد له، لأن قوله: {إِنَّا مَعَكُمْ} معناه الثبات على اليهودية. وقوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} ردّ للإسلام ودفع له منهم، لأن المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتداً به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته أو بدل منه، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر. أو استئناف، كأنهم اعترضوا عليهم حين قالوا لهم: {إِنَّا مَعَكُمْ}، فقالوا: فما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام فقالوا: إنما نحن مستهزئون. والاستهزاء: السخرية والاستخفاف، وأصل الباب الخفة من الهزء وهو القتل السريع. وهزأ يهزأ: مات على المكان... وناقته تهزأ به: أي تسرع وتخف...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

على أن هذه الفئة أيضا توجد في كل عصر وزمان، يكون فيه لأهل الحق قوة وسلطان، والحكاية عنها بصيغة الماضي الواقع لا تنافي ذلك. لأن "إذا "تدل على المستقبل، فمعنى الفعل مستقبل، وإنما اختيرت صيغة الماضي لتوبيخ أولئك الأفراد وإيذانهم بأن بضاعة النفاق والمداجاة، لا تروج في سوق المؤمنين لأنها مزجاة، وأن استهزاءهم مردود إليهم، ووباله عائد عليهم...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ثم تجيء السمة الأخيرة التي تكشف عن مدى الارتباط بين المنافقين في المدينة واليهود الحانقين.. إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع، والسفه والادعاء، إنما يضيفون إليها الضعف واللؤم والتآمر في الظلام: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم، إنما نحن مستهزؤون)..

وبعض الناس يحسب اللؤم قوة، والمكر السيئ براعة. وهو في حقيقته ضعف وخسة. فالقوي ليس لئيما ولا خبيثا، ولا خادعا ولا متآمرا ولا غمازا في الخفاء لمازا. وهؤلاء المنافقون الذين كانوا يجبنون عن المواجهة، ويتظاهرون بالإيمان عند لقاء المؤمنين، ليتقوا الأذى، وليتخذوا هذا الستار وسيلة للأذى.. هؤلاء كانوا إذا خلوا إلى شياطينهم -وهم غالبا- اليهود الذين كانوا يجدون في هؤلاء المنافقين أداة لتمزيق الصف الإسلامي وتفتيته، كما أن هؤلاء كانوا يجدون في اليهود سندا وملاذا..

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

{وإذا خلو إلى شياطينهم}..

إن منهج الشيطان يحتاج إلى خلوة، إلى مكان لا يراك فيه أحد، ولا يسمعك فيه أحد، لأن العلن في منهج الشيطان يكون فضيحة، ولذلك تجد غير المستقيم يحاول جاهدا أن يستر حركته في عدم الاستقامة، ومحاولته أن يستتر هي شهادة منه بأن ما يفعله جريمة وقبح، ولا يصح أن يعمله أحد عنه، ومادام لا يصح أن يراه أحد في مكان ما، فاعلم أنه يحس أن ما يفعله في هذا المكان هو من عمل الشيطان الذي لا يقره الله، ولا يرضى عنه.

ولابد أن نعلم أن القيم، هي القيم، حتى عند المنحرف.