تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ} (17)

المفردات :

المِثل والمثَل كالشِبه والشَبه والشبيه ، يُستعمل في تمثيل حالة الشيء وبيانه . وللمَثَل وقع كبير مؤثر في الكلام . وقد أكثر القرآن من ضرب الأمثال { وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون } [ العنكبوت : 29 ] .

شبّه الله حال المنافقين بقومٍ أوقدوا ناراً لتضيء لهم وينتفعوا بها ، فلما أنارت ما حولهم من الأشياء ذهب اللهُ بنورهم ، وترك موقديها في ظلماتٍ كثيفة لا يبصرون معها شيئاً . وذلك لأن الله تعالى قدّم لهم أسباب الهداية فأبصروا وعرفوا الحق بالإيمان ، ثم عادوا إلى النفّاق والكفر .

إنهم لم يتمسكوا بهداية الله ، فصارت بصائرهم مطموسة بسبب نفاقهم وتذبذبهم ، فاستحقوا أن يبقوا في الحيرة والضلال .

والله سبحانه وتعالَى لمّا وصفهم في هذه الآية بأنهم اشتروا الضلالة لأنفسهم بالهدى الذي تخلّوا عنه ، مثّل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة لما حولها ، ومثل الضلالة التي اشتروها بذهاب الله بنورهم وبقائهم في ظلمات لا يبصرون .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ} (17)

{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً } جملة مقررة لجملة قصة المنافقين المسرودة إلى هنا فلذا لم تعطف على ما قبلها ، ولما كان ذلك جارياً على ما فيه من استعارات وتجوزات مجرى الصفات الكاشفة عن حقيقة المنافقين وبيان أحوالهم عقبه ببيان تصوير تلك الحقيقة وإبرازها في صورة المشاهد بضرب المثل تتميماً للبيان ، فلضرب المثل شأن لا يخفى ونور لا يطفى ، يرفع الأستار عن وجوه الحقائق ، ويميط اللثام عن محيا الدقائق ، ويبرز المتخيل في معرض اليقين ، ويجعل الغائب كأنه شاهد ، وربما تكون المعاني التي يراد تفهيمها معقولة صرفة ، فالوهم ينازع العقل في إدراكها حتى يحجبها عن اللحوق بما في العقل ، فبضرب الأمثال تبرز في معرض المحسوس فيساعد الوهم العقل في إدراكها ، وهناك تنجلي غياهب الأوهام ويرتفع شغب الخصام { وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ الحشر : 1 2 ] وقيل : الأشبه أن تجعل موضحة لقوله تعالى : { أُولَئِكَ الذين اشتروا } [ البقرة : 6 1 ] الخ ولا بعد فيه ، والحمل على الاستئناف بعيد لا سيما والأمثال تضرب للكشف والبيان ، والمثل بفتحتين كالمثل بكسر فسكون والمثيل في الأصل النظر والشبيه ، والتفرقة لا أرتضيها ، وكأنه مأخوذ من المثول وهو الانتصاب ومنه الحديث : «من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار » ثم أطلق على الكلام البليغ الشائع الحسن المشتمل إما على تشبيه بلا شبيه ، أو استعارة رائقة تمثيلية وغيرها ، أو حكمة وموعظة نافعة ، أو كناية بديعة ، أو نظم من جوامع الكلم الموجز ، ولا يشترط فيه أن يكون استعارة مركبة خلافاً لمن وهم ، بل لا يشترط أن يكون مجازاً ، وهذه أمثال العرب أفردت بالتآليف وكثرت فيها التصانيف وفيها الكثير مستعملاً في معناه الحقيقي ولكونه فريداً في بابه ، وقد قصد حكايته لم يجوزوا تغييره لفوات المقصود وتفسيره بالقول السائر الممثل مضربه بمورده يرد عليه أمثال القرآن لأن الله تعالى ابتدأها وليس لها مورد من قبل ، اللهم إلا أن يقال إن هذا اصطلاح جديد أو أن الأغلب في المثل ذلك ، ثم استعير لكل حال أو قصة أو صفة لها شأن وفيها غرابة . ومن ذلك : { وَلِلَّهِ المثل الأعلى } [ النحل : 0 6 ] و{ مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون } [ الرعد : 5 3 ] وهو المراد هنا في المثل دون التمثيل المدلول عليه بالكاف . والمعنى حالهم العجيبة الشأن كحال من استوقد ناراً الخ فيما سيكشف عن وجهه إن شاء الله تعالى ، فالكاف حرف تشبيه متعلقة بمحذوف خبر عن المبتدأ ، وزعم ابن عطية أنها اسم مثلها في قول الأعشى :

أينتهون ولن ينهى ذوي شطط *** كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل

وهذا مذهب ابن الحسن ، وليس بالحسن إلا في الضرورة والقول بالزيادة كما في قوله : فصيروا مثل : { كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ } [ الفيل : 5 ] زيادة في الجهل ، والذي وضع موضع الذين إن كان ضمير { بِنُورِهِمْ } راجعاً إليه وإلا فهو باق على ظاهره إذ لا ضير في تشبيه حال الجماعة بحال الواحد وجاز هنا وضع المفرد موضع الجمع ، وقد منعه الجمهور فلم يجوزوا إقامة القائم مقام القائمين لأن هذا مخالف لغيره لخصوصية اقتضته فإنه إنما وضع ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل فلما لم يقصد لذاته توسعوا فيه ، ولأنه مع صلته كشيء واحد ، وعلامة الجمع لا تقع حشواً فلذا لم يلحقوها به ووضعوه لما يعم كمن وما ، والذين ليس جمعاً له بل هو اسم وضع مزيداً فيه لزيادة المعنى ، وقصد التصريح بها ولذا لم يعرف بالحروف كغيره على الأفصح ، ولأن استطال بالصلة فاستحق التخفيف حتى بولغ فيه إلى أن اقتصر على اللام في نحو اسم الفاعل ، قاله القاضي وغيره ، ولا يخلو عن كدر لا سيما الوجه الأخير ، وما روي عن بعض النحاة من جواز حذف نون الذين ليس بالمرضي عند المحققين ، ولئن تنزل يلتزم عود ضمير الجمع إليه كما في قوله تعالى : { وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ } [ التوبة : 9 6 ] على وجه ، وقول الشاعر :

يا رب عيسى لا تبارك في أحد *** في قائم منهم ولا فيمن قعد

إلا الذي قاموا بأطراف المسد

وإفراد الضمير لم نسمعه ممن يوثق به ، ولعله لأن المحذوف كالملفوظ ، فالوجه أن يقال إنه نظر إلى ما في الذي من معنى الجنسية العامة إذ لا شبهة في أنه لم يرد به مستوقد مخصوص ولا جميع أفراد المستوقدين والموصول كالمعرف باللام يجري فيه ما يجري فيه ، واسم الجنس وإن كان لفظه مفرداً قد يعامل معاملة الجمع ك { عاليهم ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ } [ الإنسان : 1 2 ] وقولهم : الدينار الصفر ، والدرهم البيض ، أو يقال : إنه مقدر له موصوف مفرد اللفظ مجموع المعنى كالفوج والفريق فيحسن النظام ، ويلاحظ في ضمير استوقد لفظ الموصوف ، وفي ضمير { بِنُورِهِمْ } معناه ، و( استوقدوا ) بمعنى أوقدوا ، فقد حكى أبو زيد أوقد واستوقد بمعنى كأجاب واستجاب وبه قال الأخفش ، وجعل الاستيقاد بمعنى طلب الوقود وهو سطوع النار كما فعل البيضاوي محوج إلى حذف ، والمعنى حينئذٍ طلبوا ناراً واستدعوها فأوقدوها { فَلَمَّا أَضَاءتْ } لأن الإضاءة لا تتسبب عن الطلب وإنما تتسبب عن الإيقاد . والنار جوهر لطيف مضيء محرق ، واشتقاقها من نار ينور نوراً إذا نفر لأن فيها على ما تشاهد حركة واضطراباً لطلب المركز ، وكونه من غلط الحس كأنه من غلط الحس ، نعم أورد على التعريف أن الإضاءة لا تعتبر في حقيقتها وليست شاملة لما ثبت في «الكتب الحكمية » أن النار الأصلية حيث الأثير شفافة لا لون لها وكذا يقال في الإحراق ، والجواب أن تخصيص الأسماء لأعيان الأشياء حسبما تدرك أو للمعاني الذهنية المأخوذة منها ، وأما اعتبار لوازمها وذاتياتها فوظيفة من أراد الوقوف على حقائقها وذلك خارج عن وسع أكثر الناس ، والناس يدركون من النار التي عندهم الإضاءة والإحراق ويجعلونهما أخص أوصافها ، والتعريف للمتعارف وعدم الإحراق لمانع لا يضر على أن كون النار التي تحت الفلك هادية غير محرقة ، وإن زعمه بعض الناس أبطله الشيخ ، واحتراق الشهب شهاب على من ينكر الإحراق ، وأغرب من هذا نفي النار التي عند الأثير ؛ وقريب منه القول بأنها ليست غير الهواء الحار جداً ، وقرأ ابن السميقع ( كمثل الذين ) على الجمع وهي قراءة مشكلة جداً ، وقصارى ما رأيناه في توجيهها أن إفراد الضمير على ما عهد في لسان العرب من التوهم كأنه نطق بمن الذي لها لفظاً ومعنى كما جزم بالذي على توهم من الشرطية في قوله :

كذاك الذي يبغي على الناس ظالما *** تصبه على رغم عواقب ما صنع

أو أنه اكتفى بالإفراد عن الجمع كما يكتفي بالمفرد الظاهر عنه فهو كقوله :

وبالبدو منا أسرة يحفظونها *** سراع إلى الداعي عظام كراكره

أي كراكرهم ، أو أن الفاعل في استوقد عائد على اسم الفاعل المفهوم من الفعل كما في قوله تعالى : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات } [ يوسف : 5 3 ] على وجه ، والعائد حينئذٍ محذوف على خلاف القياس أي لهم أولاً : عائد في الجملة الأولى اكتفاءً بالضمير من الثانية المعطوفة بالفاء ، وفي القلب من كل شيء .

{ فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } ( لما ) حرف وجود لوجود ، أو وجوب لوجوب كما نص عليه سيبويه ، أو ظرف بمعنى حين ، أو إذ ، والإضاءة جعل/ الشيء مضيئاً نيراً ، أو الإشراق وفرط الإنارة . وأضاء يكون متعدياً ولازماً ، فعلى الأول : ( ما ) موصولة أو موصوفة والظرف صلة أو صفة وهي المفعول والفاعل ضمير النار ، وعلى الثاني : فما كذلك وهي الفاعل وأنث فعله لتأويله بمؤنث كالأمكنة والجهات أو الفاعل ضمير النار وما زائدة أو في محل نصب على الظرفية ، ولا يجب التصريح بفي حينئذٍ كما توهم لأن الحق أن ما الموصولة أو الموصوفة إذا جعلت ظرفاً فالمراد بها الأمكنة التي تحيط بالمستوقد وهي الجهات الست وهي مما ينصب على الظرفية قياساً مطرداً فكذا ما عبر به عنها ، وأولى الوجوه أن تكون ( أضاءت ) متعدية و( ما ) موصولة إذ لا حاجة حينئذٍ إلى الحمل على المعنى ، ولا ارتكاب ما قل استعماله لا سيما زيادة ما هنا حتى ذكروا أنها لم تسمع هنا ، ولم يحفظ من كلام العرب جلست ما مجلساً حسناً ولا قمت ما يوم الجمعة . ويا ليت شعري من أين أخذ ذلك الزمخشري وكيف تبعه البيضاوي ؟ وإذا جعل الفاعل ضمير النار والفعل لازم يكون الإسناد إلى السبب لأن النار لم توجد حول المستوقد ووجد ضوؤها فجعل إشراق ضوئها حوله بمنزلة إشراقها نفسها على ما قيل ، وهو مبني على أن الظرف إذا تعلق بفعل قاصر له أثر متعد يشترط في تحقق النسبة الظرفية للأثر والمؤثر فلا بد في إشراق كذا في كذا من كون الإشراق والمشرق فيه ، وهذا كما إذا تعلق الظرف بفعل قاصر كقام زيد في الدار فإن زيداً والقيام فيها ذاتاً وتبعاً وإلى ذلك مال الزمخشري ومن الناس من اكتفى بوجود الأثر فيه وإن لم يوجد المؤثر فيه بذاته كما في الأفعال المتعدية فأضاءت الشمس في الأرض حقيقة على هذا مجاز على الأول ، وحول ظرف مكان ملازم للظرفية والإضافة ويثنى ويجمع فيقال حوليه وأحواله وحوال مثله فيثني على حوالي ، ولم نظفر بجمعه فيما حولنا من الكتب اللغوية ولا تقل حواليه بكسر اللام كما في «الصحاح » .

ولعل التثنية والجمع مع ما يفهم من بعض الكتب أن حول وكذا حوال بمعنى الجوانب وهي مستغرقة ليسا حقيقين ، وقيل : باعتبار تقسيم الدائرة كما أشار إليه المولى عاصم أفندي في ترجمة «القاموس » بالرومية وفيه تأمل ، وأصل هذا التركيب موضوع للطواف والإحاطة كالحول للسنة فإنه يدور من فصل أو يوم إلى مثله ، ولما لزمه الانتقال والتغير استعمل فيه باعتباره كالاستحالة والحوالة وإن خفي في نحو الحول بمعنى القوة ، وقيل : أصله تغير الشيء وانفصاله و( ذهب ) الخ جواب ( لما ) والسببية ادعائية فإنه لما ترتب إذهاب النور على الإضاءة بلا مهلة جعل كأنه سبب له على أنه يكفي في الشرط مجرد التوقف نحو إن كان لي مال حججت والإذهاب متوقف على الإضاءة ، والضمير في { بِنُورِهِمْ } للذي أو لموصوفه وجمعه لما تقدم . واختار النور على النار لأنه أعظم منافعها والمناسب للمقام سباقاً ولحاقاً ، وقيل : الجملة متسأنفة جواباً عما بالهم شبهت حالهم بذلك ، أو بدل من جملة التمثيل للبيان والضمير للمنافقين وجواب ( لما ) محذوف أي خمدت نارهم فبقوا متحيرين ، ومثله { فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ } [ يوسف : 5 1 ] وحذفه للإيجاز وأمن الإلباس ولا يخفى ما فيه على من له أدنى إنصاف وإن ارتضاه الجم الغفير ، ويجل عن مثل هذا الألغاز كلام الله تعالى اللطيف الخبير . وإسناد الفعل إليه تعالى حقيقة فهو سبحانه الفعال المطلق الذي بيده التصرف في الأمور كلها بواسطة وبغير واسطة ، ولا يعترض على الحكيم بشيء ، وحمل النار على نار لا يرضى الله تعالى إيقادها إما مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام أو حقيقية أوقدها الغواة للفساد أو الإفساد ، فحينئذٍ يليق بالحكيم إطفاؤها وإلا يرتكب المجاز لم يدع إليه إلا اعتزال وإيقاد نار الغواية والإضلال ، وعدي بالباء دون الهمزة لما في المثل السائر أن ذهب بالشيء يفهم منه أنه استصحبه وأمسكه عن الرجوع إلى الحالة الأولى ولا كذلك أذهبه فالباء والهمزة وإن اشتركا في معنى التعدية فلا يبعد أن ينظر صاحب المعاني إلى معنى الهمزة والباء الأصليين ، أعني الإزالة /والمصاحبة والإلصاق .

ففي الآية لطف لا ينكر كيف والفاعل هو الله تعالى القوي العزيز الذي لا رادّ لما أخذه ولا مرسل لما أمسكه . وذكر أبو العباس أن ذهبت بزيد يقتضي ذهاب المتكلم مع زيد دون أذهبته ، ولعله يقول : إن ما في الآية مجاز عن شدة الأخذ بحيث لا يرد أو يجوز أن يكون الله تعالى وصف نفسه بالذهاب على معنى يليق به كما وصف نفسه سبحانه بالمجيء في ظاهر قوله تعالى : { وَجَاء رَبُّكَ } [ الفجر : 22 ] والذي ذهب إليه سيبويه إلى أن( {[131]} ) الباء بمعنى الهمزة فكلاهما لمجرد التعدية عنده بلا فرق فلذا لا يجمع بينهما . والنور منشأ الضياء ومبدؤه كما يشير إليه استعمال العرب حيث أضافوا الضياء إليه كما قال ورقة بن نوفل :

*ويظهر في البلاد ضياء نور *

وقال العباس رضي الله تعالى عنه :

وأنت لما ظهرت أشرقت الأر *** ض وضاءت بنورك الأفق

ولهذا أطلق عليه سبحانه النور دون الضياء ، وأشار سبحانه إلى نفي الضياء الذي هو مقتضى الظاهر بنفي النور وإذهابه لأنه أصله وبنفي الأصل ينتفي الفرع ، وهذا الذي ذكرنا هو الذي ارتضاه المحققون من أهل اللغة ، ومنه يعلم وجه وصف الشريعة المحمدية بالنور في قوله تعالى : { قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ } [ المائدة : 5 1 ] والشريعة الموسوية بالضياء في قوله تعالى : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ } [ الأنبياء : 8 4 ] وفي ذلك إشارة إلى مقام نبينا صلى الله عليه وسلم الجامع الفارق ومزيته على أخيه موسى عليه السلام الذي لم يأت إلا بالفرق ولفرق ما بين الحبيب والكليم :

وكل آي أتى الرسل الكرام بها *** فإنما اتصلت من نوره بهم

وكذا وجه وصف الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر في حديث مسلم بالنور والصبر بالضياء ، ويعلم من هذا أنه أقوى من الضياء كذا قيل( {[132]} ) واعترض بأنه قد جاء وصف ما أوتيه نبينا صلى الله عليه وسلم بالضياء كما جاء وصف ما أوتيه موسى عليه السلام بالنور وإليه يشير كلام الشيخ الأكبر قدس سره في «الفتوحات » فتدبر ، وذهب بعض الناس إلى أن الضياء أقوى من النور لقوله تعالى : { جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً } [ يونس : 5 ] وعلى هذا يكون التعبير ب { ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } دون ذهب الله بضوئهم دفعاً لاحتمال إذهاب ما في الضوء من الزيادة وبقاء ما يسمى نوراً مع أن الغرض إزالة النور رأساً ، وذكر بعضهم أن كلاًّ من الضوء والنور يطلق على ما يطلق عليه الآخر فهما كالمترادفين والفرق إنما نشأ من الاستعمال أو الاصطلاح لا من أصل الوضع واللغة ، ومن هنا قال الحكماء : إن الضوء ما يكون للشيء من ذاته ، والنور ما يكون من غيره ، واستعمل الضوء لما فيه حرارة حقيقة كالذي في الشمس ، أو مجازاً كالذي ذكر فيما أوتيه موسى عليه السلام مما فيه شدة ومزيد كلفة ، ومنه «الصبر ضياء » ومعلوم أنه كاسمه ، والنور لما ليس كذلك كالذي في القمر وفيما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الشريعة السهلة السمحة البيضاء ، ومنه " الصلاة نور " ولا شك أنها قرة العين وراحة القلب وإلى ذلك يشير : " وجعلت قرة عيني في الصلاة " " وأرحنا يا بلال " واستعمل النور لما يطرأ في الظلم كما ورد : «كان الناس في ظلمة فرش الله تعالى عليهم من نوره » وقول الشاعر :

بتنا وعمر الليل في غلوائه *** وله بنور البدر فرع أشمط

والضوء ليس كذلك إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع ، والذي يميل القلب إليه أن الضياء يطلق على النور القوي وعلى شعاع النور المنبسط فهو بالمعنى الأول أقوى وبالمعنى الثاني ولكل مقام مقال ولكل مرتبة عبارة ولا حجر على البليغ في اختيار أحد الأمرين في بعض المقامات لنكتة اعتبرها ومناسبة لاحظها ، وآية الشمس لا تدل على أن الضياء أقوى من النور أينما وقع فالله نور السموات والأرض ولله المثل الأعلى وشاع إطلاق النور على الذوات المجردة دون الضوء ، ولعل ذلك لأن انسياق العرضية منه إلى الذهن أسرع من انسياقها من النور إليه فقد انتشر أنه عرض وكيفية مغايرة للون ، والقول بأنه عبارة عن ظهور اللون أو أنه أجسام صغار تنفصل من المضيء فتتصل بالمستضيء مما بين بطلانه في «الكتب الحكمية » وإن قال بكل بعض من الحكماء ، ثم التعبير بالنور هنا دون الضوء يحتمل أن يكون لسر غير ما انقدح في أذهان الناس ، وهو كونه أنسب بحال المنافقين الذين حرموا الانتفاع والإضاءة بما جاء من عند الله مما سماه سبحانه نوراً في قوله تعالى : { قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب } [ المائدة : 5 1 ] فكأن الله عز شأنه أمسك عنهم النور وحرمهم الانتفاع به ، ولم يسمه سبحانه ضوءاً لتتأتى هذه الإشارة لو قال هنا ذهب الله بضوئهم بل كساه من حلل أسمائه وأفاض عليه من أنوار آلائه فهو المظهر الأتم والرداء المعلم . هذا وإضافة النور إليهم لأدنى ملابسة لأنه للنار في الحقيقة لكن لما كانوا ينتفعون به صح إضافته إليهم ، وقرأ ابن السميقع وابن أبي عبلة فلما أضاءت ثلاثياً وتخريجها يعلم مما تقدم ، وقرأ اليماني أذهب الله نورهم وفيها تأييد لمذهب سيبويه .

{ وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ } عطف على قوله تعالى : { ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } وهو أوفى بتأدية المراد فيستفاد منه التقرير لانتفاء النور بالكلية تبعاً لما فيه من ذكر الظلمة وجمعها وتنكيرها ، وإيراد { لاَّ يُبْصِرُونَ } وجعل الواو للحال بتقدير قد مع ما فيه يقتضي ثبوت الظلمة قبل ذهاب النور ومعه ، وليس المعنى عليه والترك في المشهور طرح الشيء كترك العصا من يده أو تخليته محسوساً كان أو غيره وإن لم يكن في يده كترك وطنه ودينه ، وقال الراغب : ترك الشيء رفضه قصداً واختياراً أو قهراً واضطراراً .

ويفهم من «المصباح » أنه حقيقة في مفارقة المحسوسات ثم استعير في المعاني ، وفي كون الفعل من النواسخ الناصبة للجزأين لتضمينه معنى صير أم لا خلاف والكل هنا محتمل فعلى الأول : ( هم ) مفعوله الأول ، ( وفي ظلمات ) مفعوله الثاني ، و{ لاَّ يُبْصِرُونَ } صفة لظلمات بتقدير فيها أو حال من الضمير المستتر ، أو من ( هم ) ولا يجوز أن يكون في ظلمات حالاً ، و{ لاَّ يُبْصِرُونَ } مفعولاً ثانياً لأن الأصل في الخبر أن لا يكون مؤكداً وإن جوزه بعضهم . وعلى الثاني : ( هم ) مفعوله ، و{ فِي ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ } حالان مترادفان من المفعول أو متداخلان ، فالأول : من المفعول والثاني : من الضمير فيه أو { فِي ظلمات } متعلق ب { تركهم } و{ ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ } حال ، والظلمة في المشهور عدم الضوء عما من شأنه أن يكون مستضيئاً ، فالتقابل بينهما وبين الضوء تقابل العدم والملكة ، واعترض بأن الظلمة كيفية محسوسة ولا شيء من العدم كذلك وبأنها مجعولة كما يقتضيه قوله تعالى : { وَجَعَلَ الظلمات والنور } [ الأنعام : 1 ] والمجعول لا يكون إلا موجوداً ، وأجيب عن الأول بمنع الصغرى فإنا إذا غمضنا العين لا نشاهد شيئاً ألبتة كذلك إذا فتحنا العين في الظلمة ؛ وعن الثاني بالمنع أيضاً فإن الجاعل كما يجعل الموجود يجعل العدم الخاص كالعمى والمنافي للمجعولية هو العدم الصرف ، وقيل : كيفية مانعة من الأبصار فالتقابل تقابل التضاد ، واعترض بأنه لو كانت كيفية لما اختلف حال من في الغار المظلم ومن هو في الخارج في الرؤية وعدمها إلا أن يقال المراد أنها كيفية مانعة من إبصار ما فيها فيندفع الاعتراض عنه ، وربما يرجح عليه بأنه قد يصدق على الظلمة الأصلية السابقة على وجود العالم دونه كما قيل ، وقيل : التقابل بين النور والظلمة تقابل الإيجاب والسلب وجمع الظلمات إما لتعددها في الواقع سواء رجع ضمير الجمع إلى المستوقدين أو المنافقين أو لأنها في الحقيقة ، وإن كانت ظلمة واحدة لكنها لشدتها استعير لها صيغة الجمع مبالغة كما قيل رب واحد يعدل ألفاً أو لأنه لما كان لكل واحد ظلمة تخصه جمعت بذلك الاعتبار كذا قالوا . ومن اللطائف أن الظلمة حيثما وقعت في القرآن وقعت مجموعة والنور حيثما وقع وقع مفرداً ، ولعل السبب هو أن الظلمة وإن قلت تستكثر والنور وإن كثر يستقل ما لم يضر ، وأيضاً كثيراً ما يشار بهما إلى نحو الكفر والإيمان والقليل من الكفر كثير والكثير من الإيمان قليل فلا ينبغي الركون إلى قليل من ذاك ولا الاكتفاء بكثير من هذا ، وأيضاً معدن الظلمة بهذا المعنى قلوب الكفار { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شتى } [ الحشر : 4 1 ] ومشرق النور بذلك المعنى قلوب المؤمنين وهي كقلب رجل واحد ، وأيضاً النور المفاض هو الوجود المضاف وهو واحد لا تعدد فيه كما يرشدك إليه قوله تعالى : { الله نُورُ السموات والارض } [ النور : 5 3 ] وفي الظلمة لا يرى مثل هذا ، وأيضاً الظلمة يدور أصل معناها على المنع فلذا أخذت من قولهم ما ظلمك أن تفعل كذا أي ما منعك ، وفي «مثلثات » ابن السيد : الظلم بفتح الظاء شخص كل شيء يسد بصر الناظر يقال لقيته أول ذي ظلم أي أول شخص يسد بصري وزرته والليل ظلم أي مانع من الزيارة فكأنها سميت ظلمة لأنها تسد في المشهور وتمنع الرؤية ، فباعتبار تعدد الموانع جمعت ولم يعتبر مثل هذا في أصل معنى النور فلم يجمع إلى غير ذلك وإنما نكرت ظلمات هنا ولم تضف إلى ضميرهم كما أضيف النور اختصاراً للفظ واكتفاءً بما دل عليه المعنى ، والظرفية مجازية كيفما فسرت الظلمة على بعض الآراء ، و{ لاَّ يُبْصِرُونَ } منزل منزلة اللازم لطرح المفعول نسياً منسياً ، ولعدم القصد إلى مفعول دون مفعول فيفيد العموم ، وقرأ الجمهور : { فِى ظلمات } بضم اللام ، والحسن وأبو السماك بسكونها ، وقوم بفتحها ، والكل جمع ظلمة .

وزعم قوم أن ( ظلمات ) بالفتح جمع ظلم ( جمع ظلمة ) فهي جمع الجمع ، والعدول إلى الفتح تخفيفاً مع سماعه في أمثاله أسهل من ادعاء جمع الجمع إذ ليس بقياسي ولا دليل قطعي عليه ، وقرأ اليماني في ( ظلمة ) ، وفي الآية إشارة إلى تشبيه إجراء كلمة الشهادة على ألسنة من ذكر والتحلي بحلية المؤمنين ونحو ذلك مما يمنع من قتلهم ويعود عليهم بالنفع الدنيوي من نحو الأمن والمغانم ، وعدم إخلاصهم لما أظهروه بالنفاق الضار في الدين بإيقاد نار مضيئة للانتفاع بها أطفأها الله تعالى فهبت عليهم الرياح والأمطار وصيرت موقدها في ظلمة وحسرة ، ويحتمل أنهم لما وصفوا بأنهم { اشتروا الضلالة بالهدى } [ البقرة : 16 ] عقب ذلك بهذا التمثيل لتشبيه هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد ، والضلالة التي اشتروها وطبع الله تعالى بها على قلوبهم بذهاب الله تعالى بنورهم وتركه إياهم في الظلمات ، والتفسير المأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما أخرجه ابن جرير عنه أن ذلك مثل للإيمان الذي أظهروه لاجتناء ثمراته بنار ساطعة الأنوار موقدة للانتفاع والاستبصار ولذهاب أثره وانطماس نوره بإهلاكهم وإفشاء حالهم بإطفاء الله تعالى إياها وإذهاب نورها ، ويحتمل التشبيه وجوهاً أخر .

ومن البطون القرآنية التي ذكرها ساداتنا الصوفية نفعنا الله تعالى بهم أن الآية مثل من دخل طريقة الأولياء بالتقليد لا بالتحقيق فعمل عمل الظاهر وما وجد حلاوة الباطن فترك الأعمال بعد فقدان الأحوال ، أو مثل من استوقد نيران الدعوى وليس عنده حقيقة المعنى فأضاءت ظواهره بالصيت والقبول فأفشى الله تعالى نفاقه بين الخلق حتى نبذوه في الآخر ولا يجد مناصاً من الفضيحة يوم تبلى السرائر ، وقال أبو الحسن الوراق : هذا مثل ضربه الله تعالى لمن لم يصحح أحوال الإرادة فارتقى من تلك الأحوال بالدعاوى إلى أحوال الأكابر فكان يضيء عليه أحوال إرادته لو صححها بملازمة آدابها فلما مزجها بالدعاوى أذهب الله تعالى عنه تلك الأنوار وبقي في ظلمات دعاويه لا يبصر طريق الخروج منها ، نسأل الله تعالى العفو والعافية ونعوذ به من الحور بعد الكور .


[131]:_ قوله: إلى أن الباء هكذا بخط المؤلف اهـ مصححه.
[132]:_ قوله: كذا قيل إلى قوله: فتدبر هذا ليس موجوداً في خط المؤلف بل في المبيضة فقط التي ليست بخطه اهـ مصححه.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ} (17)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم ضرب الله للمنافقين مثلا، فقال عز وجل: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله} طفئت ناره، يقول الله عز وجل: مثل المنافق إذا تكلم بالإيمان كان له نور بمنزلة المستوقد نارا يمشي بضوئها ما دامت ناره تتقد، فإذا ترك الإيمان كان في ظلمة كظلمة من طفئت ناره، فقام لا يهتدي ولا يبصر، فذلك قوله سبحانه: {ذهب الله بنورهم}، يعني بإيمانهم، نظيرها في سورة النور: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} (النور: 40)، يعني به الإيمان... {وتركهم في ظلمات}، يعني الشرك، {لا يبصرون} الهدى.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

مثل استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإقرار بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به قولاً وهم به مكذّبون اعتقادا، كمثل استضاءة الموقد نارا.

عن ابن عباس، قال: ضرب الله للمنافقين مثلاً فقال:"مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهُمْ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ" أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق...

عن ابن عباس: "مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا "إلى آخر الآية. هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه وتركهم في ظلمات، يقول في عذاب... عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُهُمْ كمَثَلِ الذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أضَاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ": زعم أن أناسا دخلوا في الإسلام مَقْدَم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم إنهم نافقوا فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارا فأضاءت له ما حوله من قذى أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشرّ. فبينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر.

وأما النور فالإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت الظلمة نفاقهم.

وقوله: "ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ" قال: أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به.

وأما الظلمة: فهي ضلالتهم وكفرهم، يتكلمون به وهم قوم كانوا على هدى ثم نزع منهم فعتوا بعد ذلك...

عن قتادة قوله: "مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلّمَا أضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ" وإن المنافق تكلم بلا إلَه إلا الله فأضاءت له في الدنيا فناكح بها المسلمين، وغازى بها المسلمين، ووارث بها المسلمين، وحقن بها دمه وماله. فلما كان عند الموت سُلبها المنافق لأنه لم يكن لها أصل في قلبه ولا حقيقة في علمه...

عن مجاهد في قول الله: "مَثَلَهُمُ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا فَلَمّا أَضَاءَتْ ما حَوْلَهُ" قال: أما إضاءة النار: فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى، وذهاب نورهم: إقبالهم إلى الكافرين والضلالة...

عن الربيع بن أنس، قال: ضرب مثل أهل النفاق فقال: "مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا" قال: إنما ضوء النار ونورها ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، كذلك المنافق كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة...

وأولى التأويلات بالآية ما قاله قتادة والضحاك، وما رواه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس. وذلك أن الله جل ثناؤه إنما ضرب هذا المثل للمنافقين الذين وصف صفتهم وقصّ قصصهم من لدن ابتدأ بذكرهم بقوله: "ومِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَا باللّهِ وبَاليَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ" لا المعلنين بالكفر المجاهرين بالشرك... فإذا كان الأمر على ما وصفنا في ذلك، فأولى تأويلات الآية بالآية: مثل استضاءة المنافقين بما أظهروا بألسنتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الإقرار به، وقولهم له وللمؤمنين: آمَنا باللّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ، حتى حُكم لهم بذلك في عاجل الدنيا بحكم المسلمين في حقن الدماء والأموال والأمن على الذرية من السباء، وفي المناكحة والموارثة، كمثل استضاءة الموقد النار بالنار، حتى إذا ارتفق بضيائها، وأبصر ما حوله مستضيئا بنوره من الظلمة، خمدت النار وانطفأت، فذهب نوره، وعاد المستضيء به في ظلمة وحيرة. وذلك أن المنافق لم يزل مستضيئا بضوء القول الذي دافع عنه في حياته القتل والسباء مع استبطانه ما كان مستوجبا به القتل وسلب المال لو أظهره بلسانه، تُخيّل إليه بذلك نفسه أنه بالله ورسوله والمؤمنين مستهزئ مخادع، حتى سوّلت له نفسه، إذ ورد على ربه في الآخرة، أنه ناج منه بمثل الذي نجا به في الدنيا من الكذب والنفاق. أوَ ما تسمع الله جل ثناؤه يقول إذ نعتهم ثم أخبرهم عند ورودهم عليه: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ جَمِيعا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنّهُمْ على شَيْءٍ ألاَ إِنّهُمْ هُمُ الكَاذِبُونَ} ظنا من القوم أن نجاتهم من عذاب الله في الاَخرة في مثل الذي كان به نجاتهم من القتل والسباء وسلب المال في الدنيا من الكذب والإفك، وأن خداعهم نافعهم هنالك نفعه إياهم في الدنيا. حتى عاينوا من أمر الله ما أيقنوا به أنهم كانوا من ظنونهم في غرور وضلال، واستهزاء بأنفسهم وخداع، إذ أطفأ الله نورهم يوم القيامة فاستنظروا المؤمنين ليقتبسوا من نورهم، فقيل لهم: "ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا" واصلوا سعيرا. فذلك حين ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، كما انطفأت نار المستوقد النار بعد إضاءتها له، فبقي في ظلمته حيران تائها يقول الله جل ثناؤه: "يَوْمَ يَقُولُ المُنَافِقُونَ والمُنَافِقَاتُ لِلّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذَابُ يُنادونَهُمْ ألَم نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنّكُمْ فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ وَتَرَبّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرّتْكُمُ الأمانِيّ حتى جاءَ أمْرُ اللّهِ وَغَرَكُمْ باللّهِ الغَرُورُ فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ منْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا مأْوَاكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ المَصِير" [الحديد،13-15].

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

... كأنَّ ما حصلوا فيه من الظلمة بعد الضياء أسوأ حالاً، لأن من طُفِئَت عنه النار حتى صار في ظلمة، فهو أقل بصراً ممن لم يزل في الظلمة، وهذا مَثَل ضربه الله تعالى للمنافقين.

وفيما كانوا فيه من الضياء، وجعلوا فيه من الظلمة قولان:

أحدهما: أن ضياءهم دخولهم في الإسلام بعد كفرهم، والظلمة خروجهم منه بنفاقهم.

والثاني: أن الضياء يعود للمنافقين بالدخول في جملة المسلمين، والظلمة زوالُهُ عنهم في الآخرة، وهذا قول ابنِ عباسٍ وقتادةَ...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

لما جاء بحقيقة صفتهم، عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميماً للبيان. ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد. وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبيّ، ولأمر مّا أكثر الله في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام الأنبياء والحكماء. قال الله تعالى: {وَتِلْكَ الامثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون} [العنكبوت: 43]. والمثل في أصل كلامهم: بمعنى المثل، وهو النظير. يقال: مثل ومثل ومثيل، كشبه وشبه وشبيه. ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده: مثل. ولم يضربوا مثلاً، ولا رأوه أهلا للتسيير، ولا جديراً بالتداول والقبول، إلا قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه. ومن ثمّ حوفظ عليه وحمى من التغيير.

فإن قلت: ما معنى مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً، وما مثل المنافقين ومثل الذي استوقد ناراً حتى شبه أحد المثلين بصاحبه؟ قلت: قد استعير المثل استعارة الأسد للمقدام، للحال أو الصفة أو القصة، إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد ناراً. وكذلك قوله: {مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون} [الرعد: 35] أي وفيما قصصنا عليك من العجائب: قصة الجنة العجيبة. ثم أخذ في بيان عجائبها. {وَلِلَّهِ المثل الأعلى} [النحل: 60]: أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة. {مَثَلُهُمْ في التوراة} [الفتح: 29] أي صفتهم وشأنهم المتعجب منه. ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا: فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن. فإن قلت: فما معنى إسناد الفعل إلى الله تعالى في قوله: {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ}؟ قلت: إذا طفئت النار بسبب سماوي ريح أو مطر، فقد أطفأها الله تعالى وذهب بنور المستوقد. ووجه آخر، وهو أن يكون المستوقد في هذا الوجه مستوقد نار لا يرضاها الله. ثم إما أن تكون ناراً مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام، وتلك النار متقاصرة مدّة اشتعالها قليلة البقاء. ألا ترى إلى قوله: {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله} [المائدة: 64]، وإما ناراً حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي، ويتهدوا بها في طرق العبث، فأطفأها الله وخيب أمانيهم.

فإن قلت: هلا قيل ذهب الله بضوئهم؟ لقوله: {فَلَمَّا أَضَاءتْ}؟ قلت: ذكر النور أبلغ؛ لأنّ الضوء فيه دلالة على الزيادة. فلو قيل: ذهب الله بضوئهم، لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نوراً، والغرض إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلاً. ألا ترى كيف ذكر عقيبه {وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات} والظلمة عبارة عن عدم النور وانطماسه، وكيف جمعها، وكيف نكرها، وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة مبهمة لا يتراءى فيها شبحان وهو قوله: {لاَّ يُبْصِرُونَ}.

فإن قلت: فلم وصفت بالإضاءة؟ قلت: هذا على مذهب قولهم: للباطل صولة ثم يضمحل. ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت، ونار العرفج مثل لنزوة كل طماح. والفرق بين أذهبه وذهب به، أن معنى أذهبه: أزاله وجعله ذاهباً. ويقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه. وذهب السلطان بماله: أخذه (فلما ذهبوا به)، {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ} [المؤمنون: 91]. ومنه: ذهب به الخيلاء. والمعنى: أخذ الله نورهم وأمسكه، {وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ} [فاطر: 2] فهو أبلغ من الإذهاب. وقرأ اليماني: أذهب الله نورهم.

وترك: بمعنى طرح وخلى، إذا علق بواحد، كقولهم: تركه ترك ظبي ظله. فإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير، فيجري مجرى أفعال القلوب، ومنه قوله: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات} أصله: هم في ظلمات.

والظلمة عدم النور... واشتقاقها من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا: أي ما منعك وشغلك، لأنها تسدّ البصر وتمنع الرؤية...

فإن قلت: وأين الإضاءة في حال المنافق؟ وهل هو أبداً إلا حائر خابط في ظلماء الكفر؟ قلت: المراد ما استضاءوا به قليلاً من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق التي ترمي بهم إلى ظلمة سخط الله وظلمة العقاب السرمد.

ويجوز أن يشبه بذهاب الله بنور المستوقد اطلاع الله على أسرارهم وما افتضحوا به بين المؤمنين واتسموا به من سمة النفاق.

والأوجه أن يراد الطبع. لقوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ}.

وفي الآية تفسير آخر: وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم في الظلمات.

وتنكير النار للتعظيم...

زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 597 هـ :

وفي ضرب المثل لهم بالنار... حكم:

إحداها: أن المستضيء بالنار مستضيء بنور من جهة غيره، لا من قبل نفسه، فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة، فكأنهم لما أقروا بألسنتهم من غير اعتقاد قلوبهم؛ كان نور إيمانهم كالمستعار.

والثانية: أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة الحطب، فهو له كغذاء الحيوان، فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة الاعتقاد ليدوم...

التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :

قال سبحانه وتعالى: {ذهب الله بنورهم} ولم يقل: ذهب نورهم. وفيه سر بديع: وهو انقطاع سر تلك المعية الخاصة التي هي للمؤمنين من الله تعالى، فإن الله تعالى مع المؤمنين، و {إن الله مع الصابرين} [البقرة: 153] و {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 168]. فذهاب الله بذلك النور انقطاع المعية التي خص بها أولياءه، فقطعها بينه وبين المنافقين فلم يبق عندهم بعد ذهاب نورهم ولا معهم، فليس لهم نصيب من قوله: {لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40] ولا من {كلا إن معي ربي سيهدين} [الشعراء: 62]

وتأمل قوله تعالى: {أضاءت ما حوله} كيف جعل ضوءها خارجا عنه منفصلا؟ ولو اتصل ضوءها به ولابسه لم يذهب، ولكنه كان ضوءه مجاورة، لا ملابسة ومخالطة، وكان الضوء عارضا والظلمة أصلية. فرجع الضوء إلى معدنه وبقيت الظلمة في معدنها، فرجع كل منهما إلى أصله اللائق به، حجة من الله قائمة. وحكمة بالغة، تعرف بها إلى أولي الألباب من عباده.

وتأمل قوله: {ذهب الله بنورهم} ولم يقل «بنارهم» ليطابق أول الآية. فإن النار فيها إشراق وإحراق، فذهب بما فيها من الإشراق -وهو النور- وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق، وهو النارية.

وتأمل كيف قال: {بنورهم} ولم يقل بضوئهم، مع قوله: {فلما أضاءت ما حوله} لأن الضوء هو زيادة في النور، فلو قال: ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة فقط، دون الأصل. فلما كان النور أصل الضوء كان الذهاب به ذهابا بالشيء وزيادته. وأيضا: فإنه أبلغ في النفي عنهم، وأنهم من أهل الظلمات، الذين لا نور لهم. وأيضا: فإن الله تعالى سمى كتابه نورا، ورسوله نورا، ودينه نورا، ومن أسمائه سبحانه وتعالى «النور»، والصلاة نور، فذهابه سبحانه بنورهم: ذهاب بهذا كله. وتأمل مطابقة هذا المثل لما تقدمه من قوله: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} كيف طابق بين هذه التجارة الخاسرة التي تضمنت حصول الضلالة والرضى بها، وبدل الهدى في مقابلتها، وحصول الظلمات التي هي الضلالة والرضى بها، بدلا عن النور الذي هو الهدى والنور، فبدلوا الهدى والنور، وتعوضوا عنه بالظلمة والضلالة، فيا لها من تجارة ما أخسرها! وصفقة ما أشد غبنها! طريق الحق واحد:

وتأمل كيف قال الله تعالى: {ذهب الله بنورهم} فوحده، ثم قال: {وتركهم في ظلمات} فجمعها. فإن الحق واحد، وهو «صراط الله المستقيم»، الذي لا صراط يوصل إليه سواه، وهو عبادة الله وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، لا بالأهواء والبدع، وطرق الخارجين عما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، من الهدى ودين الحق، بخلاف طرق الباطل، فإنها متعددة متشعبة، ولهذا يفرد سبحانه الحق ويجمع الباطل. كقوله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [البقرة:257]، وقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] فجمع سبيل الباطل، ووحد سبيل الحق.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

أقول: المثل –بفتحتين- والمثل بالكسر والمثيل كالشبه والشبه والشبيه وزنا ومعنى في الجملة، وهو من مثل الشيء مثولا إذا انتصب بارزا فهو ماثل. ومثل الشيء – بالتحريك – صفته التي توضحه وتكشف عن حقيقته أو ما يراد بيانه من نعومته وأحواله. ويكون حقيقة ومجازا، وأبلغه: تمثيل المعاني المعقولة بالصور الحسية وعكسه ومنه الأمثال المضروبة وتسمى الأمثال السائرة، وسيأتي تحقيق معناها في تفسير {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما} ومنه ما يسميه البيانيون الاستعارة التمثيلية وهو خاص بالمجاز. والتمثيل مثل أساليب البلاغة وأشدها تأثيرا في النفس وإقناعا للعقل، قال تعالى {29: 43 وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} وما رأيت أحدا من علماء البلاغة وفاه حقه من البيان المقنع إلا إمامهم الشيخ عبد القهار الجرجاني في كتابه (أسرار البلاغة). وهاك ما كنت كتبت في تفسير هذا المثل ثم ما بعده إجمالا ثم تفصيلا، مقتبسا معانيه من دروس أستاذنا الإمام:

هذا مثل من مثلين ضربهما الله في هذه الآيات للصنف الثالث من الناس الذين قرع القرآن أبواب قلوبهم. وكان من عناية الله تعالى في بيان حاله أن قفّى على ذلك التفصيل في شر فرقه وأطوارهم بضرب المثل الذي يقصد به تجلى المعنى في أتم مجاليه، وتأثر النفوس بما أودع فيه، ناهيك بما في التنقل في الأساليب من توجيه الذهن إلى سابق القول ودعوة الفكر إلى مراجعة ما مضى منه. ولولا أن بلاء هذا الصنف عظيم، وداءه دفين، وعلاجه متعسر – لأنه متولد من الدواء الذي كان يجب أن تكون فيه الصحة ونعمة العافية – لما كان من البلاغة ولا من الحكمة، أن يعني بشأنه كل هذه العناية، كما قلنا في تزييف رأي من ذهب إلى أن الكلام في تلك الشرذمة من المنافقين في عصر التنزيل ضرب الله تعالى لهذا الصنف في مجموعه مثلين، ينبئان بانقسامه إلى فريقين، خلافا لما في أكثر التفاسير في أن المثلين لفريق واحد، وأن معناهما وموضوعهما واحد.

(الأول) من آتاهم الله دينا وهداية عمل بها سلفهم فجنوا ثمرها، وصلح حالهم بها، أيام كانوا مستقيمين على الطريقة، آخذين بإرشاد الوحي، واقفين عند حدود الشريعة، ولكنهم انحرفوا عن سنن سلفهم في الأخذ بها ظاهرا وباطنا، ولم ينظروا في حقائق ما جاءهم، بل ظنوا أن ما كان عند سلفهم من نعمة وسعادة إنما كان أمرا خصوا به، أو خيرا سيق إليهم، لظاهر قول أو عمل امتازوا به عن غيرهم ممن لم يأخذ بدينهم، وإن كان ذلك العمل لم يخالط سرائرهم، ولم تصلح به ضمائرهم، فأخذوا بتقاليد وعادات لم تدع في نفوسهم مجالا لغيرها، ولذلك لم يتفكروا قط في كونهم أحرى بالتمتع بتلك السعادة والسيادة من سلفهم، لأن حفظ الموجود، أيسر من إيجاد المفقود، بل لم يبيحوا لأنفسهم فهم الكتاب الذي اقتدى من قبلهم بما فيه من شموس العرفان، ونجوم الفرقان، لزعمهم أن فهمه لا يرتقي إليه إلا أفراد من رؤساء الدين، يؤخذ بأقوالهم ما وجدوا، وبكتبهم إذا فقدوا.

فمثل هذا الفريق من الصنف المخذول في فقده لما كان عنده من نور الهداية الدينية، وحرمانه من الاهتداء بها بالمرة، وانطماس الآثار دونها عنده – مثل من استوقد نارا الخ. والوجه في التمثيل: أن من يدعي الإيمان بكتاب نزل من عند ربه قد طلب بذلك الإيمان أن توقد له نار يهتدي بها في الشبهات، ويستضئ بها في ظلمات الريب والمشكلات، ويبصر على ضوئها ما قد يهجم عليه من مفترسة الأهواء والشهوات، فلما أضاءت ما حوله بما أودعته من الهدى والرشاد، وكاد بالنظر فيها يمشي على هداية وسداد – هجمت عليه من نفسه ظلمة التقليد الخبيث، وعصب عينيه شيطان الغرور، فذهب عنه ذلك النور، وأطبق عليه جو الضلالة بل طفئ فيه نور الفطرة، وتعطلت قوى الشعور بما بين يديه، فهم بمنزلة الأعمى الأصم الذي لا يبصر ولا يسمع.

وأما الفريق الثاني فقد ضرب الله له المثل في قوله {أو كصيب من السماء} الخ، وهو الذي بقي له بصيص من النور، فله نظرات ترمي إلى ما بين يديه من الهداية أحيانا، ولمعاني التنزيل يسطع على نفسه الفينة بعد الفينة، ويتألق في نظره الحين بعد الحين، عند ما تحركه الفطرة، أو تدفعه الحوادث للنظر فيما بين يديه، ولكنه من التقاليد والبدع في ظلمات حوالك، ومن الخبط فيها على حال لا تخلو من المهالك، وهو في تخبطه يسمع قوارع الإنذار الإلهي ويبرق في عينيه نورا لهداية، فإذا أضاء له ذلك البرق السماوي سار، وإذا انصرف عنه بشبه الضلالات الغرارة قام وتحير لا يدري أين يذهب. ثم إنه ليعرض عن سماع نذر الكتاب ودعاة الحق، كمن يضع إصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع إرشاد المرشد ولا نصح الناصح، يخاف من تلك القوارع أن تقتله، ومن صواعق النذر أن تهلكه هذا هو شأن فريقي هذا الصنف بما يشير إليه المثلان إجمالا.

وفي تفسير الآيات تفصيل ما أشرنا إليه.

قال تعالى {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} العرب تستعمل لفظ "الذي "في الجمع كلفظي "ما" و "من" ومنه قوله تعالى {9: 69 وخضتم كالذي خاضوا} وإن شاع في "الذي" الإفراد لأن له جمعا وقد روعي في قوله "استوقد" لفظه، وفي قوله "ذهب الله بنورهم" معناه، والفصيح فيه مراعاة اللفظ أولا، ومراعاة المعنى آخرا. والتفنن في إرجاع الضمائر متفرعة ضرب من استعماله البلغاء، يقرر المعنى في الذهن ويهبه فضل تمكن وتأكيد، بما يحدث فيه من الروية والتوجه إلى الإحاطة بمعاني المختلفات.

أقول: استوقد النار طلب وقودها بفعله أو فعل غيره، وقالوا: إنه بمعنى أوقدها ويرجع إلى الأول بأنه طلب بإضرامها وإيرائها أن تقد. يقال: وقدت النار تقد وتوقدت واتقدت واستوقدت – لازم – ومعني الجملة في منافقي اليهود قد تقدم آنفا بالإجمال، وسيجيء تفصيله. وأما منافقو العرب – الذين قال تعالى فيهم من سورتهم {63: 3 ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا} الآية – فيقال فيهم: مثلهم وصفتهم في إسلامهم أولا وكفرهم آخرا كمثل فريق من الناس أوقد نارا لينتفع بها في ليلة حالكة الظلام، ويبصر ما حوله مما عساه يضره ليتقيه، أو ينفعه ليجتنيه.

{فلما أضاءت ما حوله} يقال ضاءت النار والشمس وأضاءت – لازم – ويقال ضاء المكان وأضاءته النار أي أظهرته بضوئها. قال العباس رضي الله عنه في النبي صلى الله عليه وسلم:

أنت لما ظهرت أشرقت الأر *** ض وضاءت بنورك الأفق

والمعنى المتبادر: فلما أضاءت النار ما حوله من الأمكنة والأشياء وتمكن من الانتفاع والاستضاءة بنورها {ذهب الله بنورهم} بإطفاء نارهم بنحوه مطر شديد نزل عليها، أو عاصف من الريح جرفها وبددها، وهذا بالنسبة إلى المثل، وأما بالنسبة إلى المضروب فيهم المثل من العرب، فالنور نور الإسلام الذي أضاء قلوب من حولهم من المؤمنين المخلصين {39: 22 أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} وذهابه في الدنيا ما عرض لهم من الشك أو الجزم بالكفر حتى لم يعودوا يدركون منافعه وفضائله، وأما ذهابه بعدها فأوله الموت. فإن المنافق يرى بالموت. أو قبيل خروج روحه منزلته بعدها، وبعده ظلمة القبر أي حياة البرزخ، وبعدها موقف الحساب والجزاء {57: 13- 15 يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم – قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا، فضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ينادونهم: ألم نكن معكم؟ قالوا: بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم، وغرتكم الأماني، حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور} الخ الآية التالية، وفي هاتين الآيتين أصدق بيان للمراد من ذهاب الله بنورهم، وكونه ليس إجبارا لهم على الكفر، ولا عبارة عن سلبهم التمكن من الإيمان، وإنما هو تعبير عن سنة الله تعالى في عاقبة فتنتهم لأنفسهم الخ وقال شيخنا في تطبيق المثل على اليهود وأمثالهم من هذه الأمة ما معناه: استوقدوا بفطرتهم السليمة نار الهداية الإلهية بتصديقهم، فلما أضاءت لهم بُروقُها، ووضح لهم طريقها، فاجأتهم التقاليد الموروثة، وباغتتهم العادات المألوفة، وشغلهم ما يتوهمونه فيها من المنافع والفوائد، وما يتوقعونه في الإعراض عنها من المصارع والمفاسد عن الاستعانة بذلك الضوء على سلوك ذلك الصراط المستقيم، والتفرقة بين نهاره المشرق وظلمات ليلها البهيم، بل استبدلوا هذا الديجور، بذلك الضياء والنور، وهذا هو معنى ذهاب نورهم. وإنما قال {ذهب الله بنورهم} ولم يقل ذهب نورهم، أو أذهب الله نورهم للإشعار بأن الله تعالى كان معهم بمعونته وتوفيقه عندما استوقدوا النار فأضاءت، وذلك أنهم كانوا قائمين على سبيل فطرته التي فطر الناس عليها، معتقدين صحة شريعته التي دعا الناس إليها، وبأنه تخلى عنهم عند ما نكبوا عن تلك السبيل، وعافوا ذلك المورد السلسبيل.

ولا شك أن المستوقد تكون له حالة مع الله مرضية في التوجه إليه وقصد اتباع هداه، والاستضاءة بنوره الذي وهبه إياه، فإذا أعرض عنه وكله الله إلى نفسه، وذهب بنوره. وإذا ذهب النور لا يبقى إلا الظلمة، وما كان هؤلاء في ظلمة واحدة، ولكنها ظلمات بعضها فوق بعض، متعددة بتعدد أنواع التقاليد التي فتنوا بها، وبتعدد أنواع الهداية التي أعرضوا عنها، ولذلك قال:

{وتركهم في ظلمات لا يبصرون} شيئا. حذف مفعول يبصرون إيذانا بالعموم، أي لا يبصرون مسلكا من مسالك الهداية ولا يرون طريقا من طرقها، لأنه صرف عنايته عنهم بتركهم سنته، وإهمالهم هدايته، ووكلهم إلى أنفسهم. ويا ويل من وكله الله إلى نفسه، وحرمه توفيقه، نسأل الله العافية.

هذا المثل مضروب لفريق لا ترجى هدايته، لأنه سد على نفسه جميع أبواب الهداية فلا يثق بعقله ولا بحواسه ولا بوجدانه إذا خالفت تقاليده وعدم الإبصار بذهاب النور غير كاف لتمثيل هذا اليأس والحرمان، لجواز أن يلوح بارق، أو يذر شارق، أو يصيح طارق، فتكون الهداية، وتنكشف الغواية، ولذلك عقبه بقوله تعالى {صم بكم عمي فهم لا يرجعون}.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ولعلنا نلمح أن الحيز الذي استغرقه رسم هذه الصورة الثالثة قد جاء أفسح من الحيز الذي استغرقه رسم الصورة الأولى والصورة الثانية..

ذلك أن كلا من الصورتين الأوليين فيه استقامة على نحو من الأنحاء وفيه بساطة على معنى من المعاني.. الصورة الأولى صورة النفس الصافية المستقيمة في اتجاهها، والصورة الثانية صورة النفس المعتمة السادرة في اتجاهها. أما الصورة الثالثة فهي صورة النفس الملتوية المريضة المعقدة المقلقلة. وهي في حاجة إلى مزيد من اللمسات، ومزيد من الخطوط كيما تتحدد وتعرف بسماتها الكثيرة.

على أن هذه الإطالة توحي كذلك بضخامة الدور الذي كان يقوم به المنافقون في المدينة لإيذاء الجماعة المسلمة، ومدى التعب والقلق والاضطراب الذي كانوا يحدثونه؛ كما توحي بضخامة الدور الذي يمكن أن يقوم به المنافقون في كل وقت داخل الصف المسلم، ومدى الحاجة للكشف عن ألاعيبهم ودسهم اللئيم.

وزيادة في الإيضاح، يمضي السياق يضرب الأمثال لهذه الطائفة ويكشف عن طبيعتها، وتقلباتها وتأرجحها ليزيد هذه الطبيعة جلاء وإيضاحا:

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18)

إنهم لم يعرضوا عن الهدى ابتداء، ولم يصموا آذانهم عن السماع، وعيونهم عن الرؤية وقلوبهم عن الإدراك، كما صنع الذين كفروا. ولكنهم استحبوا العمى على الهدى بعد ما استوضحوا الأمر وتبينوه.. لقد استوقدوا النار، فلما أضاء لهم نورها لم ينتفعوا بها وهم طالبوها. عندئذ (ذهب الله بنورهم) الذي طلبوه ثم تركوه: (وتركهم في ظلمات لا يبصرون) جزاء إعراضهم عن النور!

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وهذا التمثيل تمثيل لحال المنافقين في ترددهم بين مظاهر الإيمان وبواطن الكفر فوجه الشبه هو ظهور أمر نافع ثم انعدامُه قبل الانتفاع به، فإن في إظهارهم الإسلام مع المؤمنين صورة من حسن الإيمان وبشاشته لأن للإسلام نوراً وبركة، ثم لا يلبثون أن يرجعوا عند خلوهم بشياطينهم فيزول عنهم ذلك ويرجعوا في ظلمة الكفر أشد مما كانوا عليه لأنهم كانوا في كفر فصاروا في كفر وكَذب وما يتفرع عن النفاق من المذام، فإن الذي يستوقد النار في الظلام يتطلب رؤية الأشياء، فإذا انطفأت النار صار أشد حيرة منه في أول الأمر لأن ضوء النار قد عوَّد بصره فيظهر أثر الظلمة في المرة الثانية أقوى ويرسخ الكفر فيهم...