{ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } أي سل لأجلنا ربك الذي عوّدك ما عوّدك يظهر لنا ما حالها وصفتها ، فالسؤال في الحقيقة عن الصفة ، لأن الماهية ومسمى الاسم معلومان ولا ثالث لهما لتستعمل { مَا } فيه ، أما إذا أريد بقرة معينة فظاهر لأنه استفسار لبيان المجمل وإلا فلمكان التعجب وتوهم أن مثل هذه البقرة لا تكون إلا معينة ، والجواب على الأول : بيان . وعلى الثاني : نسخ وتشديد ، وهكذا الحال فيما سيأتي من السؤال والجواب . وكان مقتضى الظاهر على الأول : أي لأنها للسؤال عن المميز وصفا كان أو ذاتياً .
وعلى الثاني : كيف ؟ لأنها موضوعة للسؤال عن الحال ، و{ مَا } وإن سئل بها عن الوصف لكنه على سبيل الندور ، وهو إما مجاز أو اشتراك كما صرح به في «المفتاح » والغالب السؤال بها عن الجنس ، فإن أجريت هنا على الاستعمال الغالب نزل مجعول الصفة لكونه على صفة لم يوجد عليها جنسه وهو إحياء الميت بضرب بعضه منزلة مجهول الحقيقة فيكون سؤالا عن الجنس تنزيلاً ، وعن الصفة حقيقة . وإن أجريت على النادر لم يحتج إلى التنزيل المذكور ، والقول إنه يمكن أن يجعل { مَا هِي } على حذف مضاف أي ما حالها ؟ فيكون سؤالاً عن نوع حال تفرع عليه هذه الخاصية على بعده خال عن اللطافة اللائقة بشأن الكتاب العزيز . و{ مَا } استفهامية خبر مقدم لهي والجملة في موضع نصب بيبين لأنه معلق عنها ، وجاز فيه ذلك لشبهه بأفعال القلوب ، والمعنى : يبين لنا جواب هذا السؤال .
{ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ } الفارض اسم للمسنة التي انقطعت ولادتها من الكبر ، والفعل فرضت بفتح الراء وضمها ويقال لكل ما قدم/ وطال أمره فارض ومنه قوله :
يا رب ذي ضعن على ( فارض ) *** له قروء كقروء الحائض
وكأن المسنة سميت فارضا لأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها ، والبكر اسم للصغيرة ، وزاد بعضهم التي لم تلد من الصغر وقال ابن قتيبة : هي التي ولدت ولداً واحداً ، والبكر من النساء التي لم يمسها الرجال ، وقيل : ( {[169]} ) هي التي لم تحمل ، والبكر من الأولاد الأول ، ومن الحاجات الأولى والبكر بفتح الباء الفتيّ من الإبل ، والأنثى بكرة وأصله من التقدم في الزمان ، ومنه البكرة والباكورة والاسمان صفة بقرة ولم يؤت بالتاء لأنهما اسمان لما ذكر ، واعترضت { لا } بين الصفة والموصوف وكررت لوجوب تكريرها مع الخبر والنعت والحال إلا في الضرورة خلافاً للمبرد وابن كيسان كقوله :
قهرت العدا ( لا مستعينا ) بعصبة *** ولكن بأنواع الخدائع والمكر
ومن جعل ذلك من الوصف بالجمل فقدر مبتدأ أي لا هي فارض ولا بكر فقد أبعد ، إذ الأصل الوصف بالمفرد ، والأصل أيضاً أن لا حذف ، وذكر ( يقول ) للإشارة إلى أنه من عند الله تعالى لا من عند نفسه .
{ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك } أي متوسطة السن ، وقيل : هي التي ولدت بطناً أو بطنين ، وقيل : مرة بعد مرة ويجمع على فعل كقوله :
طوال مثل أعناق الهوادي *** نواعم بين أبكار ( وعون )
ويجوز ضم عين الكلمة في الشعر ، وفائدة هذا بعد { لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ } نفي أن تكون عجلاً أو جنيناً ، وأراد من ذلك ما ذكر من الوصفين السابقين وبهذا صح الإفراد وإضافة ( بين ) إليه فإنه لا يضاف إلا إلى متعدد وكون الكلام مما حذف منه المعطوف لدلالة المعنى عليه والتقدير عوان بين ذلك وهذا أي الفارض والبكر فيكون نظير قوله :
فما كان بين الخير لو جاء سالما *** أبو حجر ( إلا ليال ) قلائل
حيث أراد بين الخير وباعثه تكلف مستغنى عنه بما ذكر( {[170]} ) . واختار السجاوندي أن المراد في وسط زمان الصلاح للعوان واعتداله تقول : سافرت إلى الروم وطفت بين ذلك ، فالمشار إليه عوان ، وارتضاه بعض المحققين مدعياً أو أولى لئلا يفوت معنى بين ذلك لأن أهل اللغة قالوا : بقرة عوان ( لا فارض ولا بكر ) وعلى الشائع ربما يحتاج الأمر إلى تجريد كما لا يخفى ، ثم إن عود الضمائر المذكورة في السؤال والجواب وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على أن المراد بها معينة لأن الأول : يدل على أن الكلام في البقرة المأمور بذبحها ، والثاني : يفيد أن المقصد تعيينها وإزالة إبهامها بتلك الصفات كما هو شأن الصفة لا أنها تكاليف متغايرة بخلاف ما إذا ذكر تلك الصفات بدون الإجراء ، وقيل : ( إنها لا فارض ولا بكر ) فإنه يحتمل أن يكون المقصود منه تبديل الحكم السابق ، والقول : بأنهم لما تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا ظنوها معينة خارجة عما عليه الجنس فسألوا عن حالها وصفتها فوقعت الضمائر لمعينة باعتقادهم فعينت تشديداً عليهم وإن لم يكن المراد منها أول الأمر معينة ليس بشيء لأنه حينئذ لم تكن الضمائر عائدة إلى ما أمروا بذبحها بل ما اعتقدوها ، والظاهر خلافه واللازم على هذا تأخير البيان عن وقت الخطاب وليس بممتنع والممتنع تأخيره عن وقت الحاجة إلا عند من( {[171]} ) يجوز/ التكليف بالمحال وليس بلازم إذ لا دليل على أن الأمر هنا للفور حتى يتوهم ذلك ومن الناس من أنكروا ذلك وادعوا أن المراد بها بقرة من نوع البقر بلا تعيين ، وكان يحصل الامتثال لو ذبحوا أي بقرة كانت إلا أنها انقلبت مخصوصة بسؤالهم وإليه ذهب جماعة من أهل التفسير وتمسكوا بظاهر اللفظ فإنه مطلق فيترك على إطلاقه مع ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما موقوفاً لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله تعالى عليهم ، وأخرجه سعيد بن منصور في «سننه » عن عكرمة مرفوعاً مرسلاً وبأنه لو كانت معينة لما عنفهم على التمادي وزجرهم عن المراجعة إلى السؤال ، واللازم حينئذ النسخ قبل الفعل بناءاً على مذهب من يقول الزيادة على الكتاب نسخ كجماهير الحنفية القائلين بأن الأمر المطلق يتضمن التخيير ، وهو حكم شرعي والتقييد يرفعه وهو جائز بل واقع كما في حديث فرض الصلاة ليلة المعراج ، والممتنع النسخ قبل التمكن من الاعتقاد بالاتفاق لأنه بداء وقبل التمكن من الفعل عند المعتزلة وليس بلازم على ما قيل على أنه قيل : يمكن أن يقال : ليس ذلك بنسخ لأن البقرة المطلقة متناولة للبقرة المخصوصة وذبح البقرة المخصوصة ذبح للبقرة مطلقاً فهو امتثال للأمر الأولي فلا يكون نسخاً ، واعترض على كون التخيير حكماً شرعياً الخ بالمنع مستنداً بأن الأمر المطلق إنما يدل على إيجاب ماهية من حيث هي بلا شرط لكن لما تتحقق إلا في ضمن فرد معين جاء التخيير عقلاً من غير دلالة النص عليه وإيجاب الشيء لا يقتضي إيجاب مقدمته العقلية إذ المراد بالوجوب الوجوب الشرعي ، ومن الجائز أن يعاقب المكلف على ترك ما يشمله مقدمة عقلية ولا يعاقب على ترك المقدمة ، ونسب هذا الاعتراض لمولانا القاضي في منهياته وفيه تأمل وذكر بعض المحققين أن تحقيق هذا المقام أنه إن كان المراد بالبقرة المأمور بذبحها مطلق البقرة أي بقرة كانت فالنسخ جائز لأن شرط النسخ التمكن من الاعتقاد وهو حاصل بلا ريب ، وإن كان البقرة المعينة فلا يجوز النسخ لعدم التمكن من الاعتقاد حينئذ لأنه إنما حصل بعد الاستفسار فاختلاف العلماء في جواز النسخ وعدمه في هذا المقام من باب النزاع اللفظي فتدبر .
{ فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ } أي من ذبح البقرة ولا تكرروا السؤال ولا تتعنتوا ، وهذه الجملة يحتمل أن تكون من قول الله تعالى لهم ، ويحتمل أن تكون من قول موسى عليه السلام حرضهم على امتثال ما أمروا به شفقة منه عليهم ، و{ مَا } موصولة والعائد محذوف أي ما تؤمرونه بمعنى ما تؤمرون به ، وقد شاع حذف الجار في هذا الفعل حتى لحق بالمتعدي إلى مفعولين فالمحذوف من أول الأمر هو المنصوب ، وأجاز بعضهم أن تكون { مَا } مصدرية أي فافعلوا أمركم ويكون المصدر بمعنى المفعول كما في قوله تعالى : { والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [ الصافات : 6 9 ] على أحد الوجهين ، وفيه بعد لأن ذلك في الحاصل بالسبك قليل وإنما كثر في صيغة المصدر .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{قالوا} يا موسى، {ادع لنا ربك}، أي سل لنا ربك {يبين لنا ما هي قال إنه يقول}، إن ربكم يقول: {إنها بقرة لا فارض ولا بكر}، يعني ليست بكبيرة ولا بكر، أي شابة، {عوان بين ذلك}، يعني بالعوان بين الكبيرة والشابة، {فافعلوا ما تؤمرون}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
فقال الذين قيل لهم:"إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذبَحُوا بَقَرَةً" بعد أن علموا واستقرّ عندهم أن الذي أمرهم به موسى عليه السلام من ذلك عن أمر الله من ذبح بقرة جدّ وحق: "ادْعُ لَنا رَبّكَ يُبَيّنُ لَنا مَا هِيَ"، فسألوا موسى أن يسأل ربه لهم ما كان الله قد كفاهم بقوله لهم: اذبحوا بقرة، لأنه جل ثناءه إنما أمرهم بذبح بقرة من البقر أيّ بقرة شاءوا ذبحها من غير أن يحصر لهم ذلك على نوع منها دون نوع أو صنف دون صنف، فقالوا بجفاء أخلاقهم وغلظ طبائعهم وسوء أفهامهم، وتكلف ما قد وضع الله عنهم مؤنته، تعنتا منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم... عن ابن عباس، قال: لما قال لهم موسى: "أعُوذُ باللّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِين "قالوا له يتعنتونه: "ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَيّنُ لَنا ما هيَ" فلما تكلفوا جهلاً منهم ما تكلفوا من البحث عما كانوا قد كفوه من صفة البقرة التي أمروا بذبحها تعنتا منهم بنبيهم موسى صلوات الله عليه بعد الذي كانوا أظهروا له من سوء الظن به فيما أخبرهم عن الله جل ثناؤه بقولهم: "أتَتّخِذُنا هُزُوا" عاقبهم عز وجل بأن خصّ بذبح ما كان أمرهم بذبحه من البقر على نوع منها دون نوع، فقال لهم جل ثناؤه إذ سألوه فقالوا: ما هي صفتها وما حليتها؟ حَلّها لنا لنعرفها قالَ: "إنّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْر" يعني بقوله جل ثناؤه: لا فارض: لا مسنة هرمة.
"ولا بِكْر": والبكر من إناث البهائم وبني آدم ما لم يفتحله الفحل، وهي مكسورة الباء... وأما «البَكْر» بفتح الباء فهو الفتى من الإبل. وإنما عنى جل ثناؤه بقوله وَلا بِكْر ولا صغيرة لم تلد.
" عَوَانٌ": العوان: النصف التي قد ولدت بطنا بعد بطن، وليست بنعت للبكر، يقال منه: قد عوّنت إذا صارت كذلك. وإنما معنى الكلام أنه يقول: إنها بقرة لا فارض ولا بكر، بل عوان بين ذلك... عن ابن عباس: "عَوَانٌ" قال بين الصغيرة والكبيرة، وهي أقوى ما تكون من البقر والدوابّ وأحسن ما تكون.
" بَيْن ذلكَ": بين البكر والهرمة.
فمعنى الكلام: قال: إنه يقول أنها بقرة لا مسنة هرمة ولا صغيرة لم تلد، ولكنها بقرة نصف قد ولدت بطنا بعد بطن بين الهرم والشباب. فجمع ذلك معنى الهرم والشباب.
يقول الله لهم جل ثناؤه: افعلوا ما آمركم به تدركوا حاجاتكم وطلباتكم عندي، واذبحوا البقرة التي أمرتكم بذبحها، تصلوا بانتهائكم إلى طاعتي بذبحها إلى العلم بقاتل قتيلكم.
{فَافْعَلُواْ مَا تُومَرُونَ} تجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنت فما تركوه. وهذا يدل على أن مقتضى الأمر الوجوب كما تقوله الفقهاء؛ وهو الصحيح على ما هو مذكور في أصول الفقه، وعلى أن الأمر على الفور؛ وهو مذهب أكثر الفقهاء أيضا ويدل على صحة ذلك أنه تعالى استقصرهم حين لم يبادروا إلى فعل ما أمروا به فقال: فذبحوها وما كادوا يفعلون...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{قالوا} تمادياً في الغلظة {ادع لنا ربك} أي المحسن إليك فكان تخصيصهم له بالإضافة غاية في الجفاء "يبين "من التبيين وهو اقتطاع الشيء، والمعنى مما يلابسه ويداخله -قاله الحرالي. والمراد المبالغة في البيان بما يفهمه صيغة التفعيل.
{فافعلوا ما تؤمرون} فإن الاعتراض على من يجب التسليم له كفر، فلم يفعلوا.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} أي ما الصفات المميزة لها؟ قال الأستاذ الإمام: إن السؤال بما هي ليس جاريا هنا على اصطلاح علماء المنطق من جعله سؤالا عن حقيقة الماهية، وإنما هو على حسب أسلوب اللغة، والعرب يسألون بما عن الصفات التي تميز الشيء في الجملة كالذي ذكره في الجواب
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ولكن طبيعة التلكؤ والالتواء تدركهم، فإذا هم يسألون: (قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟).. والسؤال بهذه الصيغة يشي بأنهم ما يزالون في شكهم أن يكون موسى هازئا فيما أنهى إليهم! فهم أولا: يقولون: (ادع لنا ربك).. فكأنما هو ربه وحده لا ربهم كذلك! وكأن المسألة لا تعنيهم هم إنما تعني موسى وربه! وهم ثانيا: يطلبون منه أن يدعو ربه ليبين لهم: (ما هي؟) والسؤال عن الماهية في هذا المقام -وإن كان المقصود الصفة- إنكار واستهزاء.. ما هي؟ إنها بقرة. وقد قال لهم هذا من أول الأمر بلا تحديد لصفة ولا سمة. بقرة وكفى!
هنا كذلك يردهم موسى إلى الجادة، بأن يسلك في الإجابة طريقا غير طريق السؤال. إنه لا يجبههم بانحرافهم في صيغة السؤال كي لا يدخل معهم في جدل شكلي.. إنما يجيبهم كما ينبغي أن يجيب المعلم المربي من يبتليه الله بهم من السفهاء المنحرفين. يجيبهم عن صفة البقرة:
قال: إنها بقرة لا فارض ولا بكر، عوان بين ذلك..
إنها بقرة لا هي عجوز ولا هي شابة، وسط بين هذا وذاك. ثم يعقب على هذا البيان المجمل بنصيحة آمرة حازمة: (فافعلوا ما تؤمرون).. ولقد كان في هذا كفاية لمن يريد الكفاية؛ وكان حسبهم وقد ردهم نبيهم إلى الجادة مرتين، ولمح لهم بالأدب الواجب في السؤال وفي التلقي. أن يعمدوا إلى أية بقرة من أبقارهم، لا عجوز ولا صغيرة، متوسطة السن، فيخلصوا بها ذمتهم، وينفذوا بذبحها أمر ربهم، ويعفوا أنفسهم من مشقة التعقيد والتضييق.. ولكن إسرائيل هي إسرائيل!
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
ومعنى {ادع لنا} يحتمل أن يراد منه الدعاء الذي هو طلب بخضوع وحرص على إجابة المطلوب فيكون في الكلام رغبتهم في حصول البيان لتحصيل المنفعة المرجوة من ذبح بقرة مستوفية للصفات المطلوبة في القرابين المختلفة المقاصد، بنوه على ما ألفوه من الأمم عبدة الأوثان من اشتراط صفات وشروط في القرابين المقربة تختلف باختلاف المقصود من الذبيحة، ويحتمل أنهم أرادوا مطلق السؤال فعبروا عنه بالدعاء لأنه طلب من الأدنى إلى الأعلى، ويحتمل أنهم أرادوا من الدعاء النداء الجهير بناء على وهمهم أن الله بعيد المكان، فسائله يجهر بصوته، وقد نهي المسلمون عن الجهر بالدعاء في صدر الإسلام.
واللام في قوله {لنا} لام الأجل أي ادع عنا، وجزم {يبين} في جواب {ادع} لتنزيل المسبب منزلة السبب، أي إن تدعه يسمع فيبين وقد تقدم...
وقوله: {قال إنه يقول إنها بقرة} أكد مقول موسى ومقول الله تعالى بإن لمحاكاة ما اشتمل عليه كلام موسى من الاهتمام بحكاية قول الله تعالى فأكده ب"إن"، وما اشتمل عليه مدلول كلام الله تعالى لموسى من تحقيق إرادته ذلك تنزيلاً لهم منزلة المنكرين لما بدا من تعنتهم وتنصلهم، ويجوز أن يكون التأكيد الذي في كلام موسى لتنزيلهم منزلة أن يكون الله قال لموسى ذلك جرياً على اتهامهم السابق في قولهم: {أتتخذنا هزؤاً} [البقرة: 67] جواباً عن قوله: {إن الله يأمركم}.
ووقع قوله: {لا فارض ولا بكر} موقع الصفة لبقرة وأقحم فيه حرف} لا} لكون الصفة بنفي وصف ثم بنفي آخر على معنى إثبات وصف واسطة بين الوصفين المنفيين. وإنما اختيرت لهم العوان لأنها أنفس وأقوى ولذلك جعلت العوان مثلاً للشدة...
وجاء في جوابهم بهذا الإطناب دون أن يقول من أول الجواب إنها عوان تعريضاً بغباوتهم واحتياجهم إلى تكثير التوصيف حتى لا يترك لهم مجالاً لإعادة السؤال.
فإن قلت: هم سألوا عن صفة غير معينة فمن أين علم موسى أنهم سألوا عن السن؟ ومن أين علم من سؤالهم الآتي ب {ما هي} أيضاً أنهم سألوا عن تدربها على الخدمة؟
قلت: يحتمل أن يكون {ما هي} اختصاراً لسؤالهم المشتمل على البيان وهذا الاختصار من إبداع القرآن اكتفاء بما يدل عليه الجواب، ويحتمل أن يكون ما حكى في القرآن مرادف سؤالهم، فيكون جواب موسى عليه السلام بذلك لعلمه بأن أول ما تتعلق به أغراض الناس في معرفة أحوال الدواب هو السن فهو أهم صفات الدابة ولما سألوه عن اللون ثم سألوا السؤال الثاني المبهم علم أنه لم يبق من الصفات التي تختلف فيها مقاصد الناس من الدواب غير حالة الكرامة أي عدم الخدمة لأن ذلك أمر ضعيف إذ قد تخدم الدابة النفيسة ثم يكرمها من يكتسبها بعد ذلك فتزول آثار الخدمة وشعثها.
وقوله: {فافعلوا ما تؤمرون} الفاء للفصيحة وموقعها هنا موقع قطع العذر مع الحث على الامتثال...والمعنى: فبادروا إلى ما أمرتم به وهو ذبح البقرة...
وفي حث موسى إياهم على المبادرة بذبح البقرة بعدما كلفوا به من اختيارها عواناً دليل على أنهم مأمورون بذبح بقرة مّا غير مراد منها صفة مقيدة، لأنه لما أمرهم بالمبادرة بالذبح حينئذ علمنا وعلموا أن ما كلفوا به بعد ذلك من طلب أن تكون صفراء فاقعة وأن تكون سالمة من آثار الخدمة ليس مما أراده الله تعالى عند تكليفهم أول الأمر وهو الحق، إذ كيف تكون تلك الأوصاف مرادة مع أنها أوصاف طردية لا أثر لها في حكمة الأمر بالذبح، لأنه سواء كان أمراً بذبحها للصدقة أو للقربان أو للرش على النجس أو للقسامة فليس لشيء من هاته الصفات مناسبة للحكم، وبذلك يعلم أن أمرهم بهاته الصفات كلها هو تشريع طارئ قصد منه تأديبهم على سؤالهم، فإن كان سؤالهم للمطل والتنصل، فطلب تلك الصفات المشقة عليهم تأديب على سوء الخلق والتذرع للعصيان، وإن كان سؤالاً ناشئاً عن ظنهم أن الاهتمام بهاته البقرة يقتضي أن يراد منها صفات نادرة كما هو ظاهر قولهم بعد: {وإنا إن شاء الله لمهتدون} [البقرة: 70] فتكليفهم بهاته الصفات العسير وجودها مجتمعة تأديب علمي على سوء فهمهم في التشريع كما يؤدَّب طالب العلم إذا سأل سؤالاً لا يليق برتبته في العلم. وقد قال عمر لأبي عبيدة في واقعة الفرار من الطاعون « لو غيرك قالها يا أبا عبيدة». ومن ضروب التأديب الحمل على عمل شاق، وقد أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه عباساً رضي الله عنه على الحرص حين حمل من خمس مال المغنم أكثر من حاجته فلم يستطع أن يقله فقال له: مر أحداً رفعه لي فقال: لا آمر أحداً فقال له: ارفعه أنت لي فقال: لا، حتى جعل العباس يحثو من المال ويرجعه لصبرته إلى أن استطاع أن يحمل ما بقي فذهب والنبيء صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره تعجباً من حرصه كما في « صحيح البخاري».
ومما يدل على أنه تكليف لقصد التأديب أن الآية سيقت مساق الذم لهم، وعدت القصة في عداد قصص مساويهم وسوءِ تلقيهم للشريعة بأصناف من التقصير عملاً وشكراً وفهماً بدليل قوله تعالى آخر الآيات: {وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71] مع ما روي عن ابن عباس أنه قال: لو ذبحوا أي بقرة أجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
وبهذا تعلمون أن ليس في الآية دليل على تأخير البيان عن وقت الخطاب ولا على وقوع النسخ قبل التمكن لأن ما طرأ تكليف خاص للإعنات، على أن الزيادة على النص ليست بنسخ عند المحققين، وتسميتها بالنسخ اصطلاح القدماء.