أدخِل يدك في جيبك تخرج بيضاءَ من غير مرض ولا عيب ( وكان موسى أسمر اللون ) هاتان معجزتان من الله تواجه بهما فرعونَ وقومه .
ولما اعترى موسى الخوفُ من العصا وأخذته الدهشةُ من شعاعِ يده أمره ربه أن يضع يدَه على صدره ليزول ما به من الخوف ، فقال :
{ واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب } قال ابن عباس : كل خائف إذا وضع يده على صدره زال خوفه .
قرأ حفص : { من الرَهْب } بفتح الراء وسكون الهاء ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو : { من الرَهَب } بفتح الراء والهاء ، وقرأ حفص : { من الرَّهْب } بفتح الراء وسكون الهاء ، والباقون : { من الرُهْب } بضم الراء وسكون الهاء .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : { فذانّك } بتشديد النون ، والباقون : { فذانِك } بكسر النون دون تشديد
{ اسلك يَدَكَ } أي أدخلها { في جَيْبِكَ } هو فتح الجبة من حيث يخرج الرأس { تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء } أي عيب { واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب } أي من أجل المخالفة ، قال مجاهد . وابن زيد . أمره سبحانه بضم عضده وذراعه وهو الجناح إلى جنبه ليخف بذلك فزعه ومن شأن الإنسان إذا فعل ذلك في وقت فزعه أن يقوى قلبه ، وقال الثوري : خاف موسى عليه السلام أن يكون حدث به سوء فأمره سبحانه أن يعيد يده إلى جنبه لتعود إلى حالتها الأولى فيعلم أنه لم يكن ذلك سوءاً بل آية من الله عز وجل ؛ وقريب منه ما قيل : المعنى إذا هالك أمر لما يغلب من شعاعها فاضممها إليك يسكن خوفك . وفي «الكشاف » فيه معنيان : أحدهما : أن موسى عليه السلام لما قلب الله تعالى العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له : إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران : اجتناب ما هو غضاضة عليك ، وإظهار معجزة أخرى ، والمراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه ، والثاني : أن يراد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران . ومعنى من الرهب من أجل الرهب أي إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك ، جعل الرهب الذي كان يصيبه سبباً وعلة فيما أمر به من ضم جناحه إليه ، ومعنى { واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ } وقوله تعالى : { اسلك يَدَكَ في جَيْبِكَ } على أحد التفسيرين واحد ولكن خولف بين العبارتين ، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني إخفاء الرعب اه ، وضم الجناح على الثاني كناية عن التجلد والضبط نحو قوله :
اشدد حيازيمك للموت *** فإن الموت لاقيك
وهو مأخوذ من فعل الطائر عند الأمن بعد الخوف ، وهو في الأصل مستعار من فعل الطائر عند هذه الحالة ثم كثر استعماله في التجلد وضبط النفس حتى صار مثلاً فيه وكناية عنه ، وعليه يكون تتميماً لمعنى { إِنَّكَ مِنَ الامنين } [ القصص : 31 ] وهذا مأخوذ من كلام أبي علي الفارسي فإنه قال : هذا أمر منه سبحانه بالعزم على ما أراده منه وحض على الجد فيه لئلا يمنعه الجد الذي يغشاه في بعض الأحوال عما أمر بالمضي فيه .
وليس المراد بالضم الضم المزيل للفرجة بين الشيئين وهو أبعد عن المناقشة مما ذكره الزمخشري . ومثله في البعد عن المناقشة ما قاله البقاعي : من أنه أريد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه عند خروج يده بيضاء حتى لا يحذر ولا يضطرب من الخوف . وأراد بأحد التفسيرين الوجه الأول لأن المعنى عليه أدخل يدك اليمنى تحت عضدك اليسرى ، وقال بعضهم : إن المعنى اضمم يديك المبسوطتين بإدخال اليمنى تحت العضد الأيسر واليسرى تحت الأيمن أو بإدخالهما في الجيب . وظاهره أنه أريد بالجناح الجناحات ، وقد صرح الطبرسي بذلك في نحو ما ذكر وقال : إنه قد جاء المفرد مراداً به التثنية كما في قوله :
يداك يد إحداهما الجود كله *** وراحتك اليسرى طعان تغامره
فإن المعنى يداك يدان بدلالة قوله إحداهما . في «الكشاف » أيضاً من بدع التفاسير أن الرهب الكم بلغة حمير . وأنهم يقولون : أعطني ما في رهبك ، وليت شعري كيف صحته في اللغة وهل سمع من الأثبات الثقات التي ترضي عربيتهم ؟ ثم ليت شعري كيف موقعه في الآية وكيف تطبيقه المفصل كسائر كلمات التنزيل ؟ على أن موسى عليه السلام ما كان عليه ليلة المناجاة إلا زرمانقة من صوف لا كمين لها اه . وما أشار إليه من أن ذاك لا يطابق بلاغة التنزيل مما لا ريب فيه فإن الذاهبين إليه قالوا : المعنى عليه واضمم إليك يدك مخرجة من الكم لأن يده كانت في الكم ؛ وهو معنى كما ترى ولفظه أقصر منه في الإفادة . وأما أمر سماعه عن الإثبات فقد تعقبه في «البحر » بأنه مروى عن الأصمعي وهو ثقة ثبت . وقال الطيبي : قال محيي السنة : قال الأصمعي : سمعت بعض الأعراب يقول : أعطني ما في رهبك أي ما في كمك . وزعم بعضهم أن استعمال الرهب في الكم لغة بني حنيفة أيضاً وهو عندهم وكذا عند حمير بفتح الراء والهاء . والحزم عندي عدم الجزم بثبوت هذه اللغة . وعلى تقدير الثبوت لا ينبغي حمل ما في «التنزيل الكريم » عليها . والظاهر أن من الرهب متعلق باضمم وقال أبو البقاء : هو متعلق بولي . وقيل بمدبراً . وقيل بمحذوف : أي تسكن من الرهب . وقيل باضمم . ولا يخفى ما في تعلقه بسوى اضمم وإن أشار إلى تعلقه بولي أو مدبراً كلام ابن جريج على ما أخرجه عنه ابن المنذر حيث جعل الآية من التقديم والتأخير . والمراد ولي مدبراً من الرهب . وقرأ الحرميان : { مِنَ الرهب } بفتح الراء والهاء ، وأكثر السبعة بضم الراء وإسكان الهاء . وقرأ قتادة ، والحسن ، وعيسى ، والجحدري بضمهما والكل لغات { فَذَانِكَ } أي العصا واليد والتذكير لمراعاة الخبر وهو قوله تعالى : { برهانان } وقيل : الإشارة إلى انقلاب العصا حية بعد إلقائها وخروج اليد بيضاء بعد إدخالها في الجيب فأمر التذكير ظاهر ، والبرهان الحجة النيرة وهو فعلان لقولهم : أبره الرجل إذا جاء بالبرهان من بره الرجل إذا ابيض ويقال للمرأة البيضاء : برهاء وبرهرهة .
وقال بعضهم : هو فعلان من البره بمعنى القطع فيفسر بالحجة القاطعة ، وقيل : هو فعلال لقولهم برهن ونقل عن الأكثر أن برهن مولد بنوه من لفظ البرهان ، وقرأ أبو عمرو . وابن كثير { فَذَانِكَ } بتشديد النون وهي لغة فيه ، فقيل : إنه عوض من الألف المحذوفة من ذا حال التثنية لألفها نون وأدغمت ، وقال المبرد : إنه بدل من لام ذلك كأنهم أدخلوها بعد نون التثنية ، ثم قلبت اللام نوناً لقرب المخرج وأدغمت وكان القياس قلب الأولى لكنه حوفظ على علامة التثنية ، وقرأ ابن مسعود . وعيسى . وأبو نوفل . وابن هرمز . وشبل . فذانيك بياء بعد النون المكسورة وهي لغة هذيل ، وقيل : بل لغة تميم . ورواها شبل عن ابن كثير ، وعنه أيضاً فذانيك بفتح النون قبل الياء على لغة من فتح نون التثنية نحو قوله :
على أحوذيين استقلت عشية *** فما هي إلا لمحة وتغيب
/ وعن ابن مسعود أنه قرأ بتشديد النون مكسورة بعدها ياء ، قيل وهي لغة هذيل ، وقال المهدوي : بل لغتهم تخفيفها و { مِنْ } في قوله تعالى : { مِن رَبّكَ } متعلق بمحذوف هو صفة لبرهانان أي كائنان من ربك و { إلى } في قوله سبحانه : { إلى فِرْعَوْنَ } متعلق بمحذوف أيضاً هو على ما يقتضيه ظاهر كلام بعضهم صفة بعد صفة له أي واصلان إليهم ، وعلى ما يقتضيه ظاهر كلام آخرين حال منه أي مرسلاً أنت بهما إليهم .
وفي «البحر » أنه متعلق بمحذوف دل عليه المعنى تقديره اذهب إلى فرعون { يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ } أي فرعون وملأه { كَانُواْ قَوْماً فاسقين } أي خارجين عن حدود الظلم والعدوان فكانوا أحقاء بأن نرسلك بهاتين المعجزتين الباهرتين إليهم ، والكلام في كانوا يعلم مما تقدم في نظائره .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{اسلك} يعني: أدخل {يدك} اليمنى {في جيبك} فجعلها في جيبه من قبل الصدر... {تخرج} يدك من الجيب {بيضاء من غير سوء} يعني من غير برص لها شعاع كشعاع الشمس، يغشي: البصر {واضمم إليك جناحك} يعني عضدك من يدك {من الرهب فذانك برهانان من ربك} يعني: آيتين من ربك يعني: اليد والعصا {إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين} يعني عاصين.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وقوله:"اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ" يقول: أدخل يدك. وفيه لغتان: سلكته، وأسلكته "فِي جَيْبِكَ "يقول: في جيب قميصك...
وقوله: "تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غيرِ سُوءٍ" يقول: تخرج بيضاء من غير برص...
وقوله: "وَاضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ" يقول: واضمم إليك يدك... عن مجاهد "وَاضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ" قال: وجناحاه: الذراع، والعضد: هو الجناح. والكفّ: اليد...
وقوله: "مِنَ الرّهْبِ" يقول: من الخوف والفرَق الذي قد نالك من معاينتك ما عاينت من هول الحية...
وقوله: "فَذَانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبّكَ" يقول تعالى ذكره: فهذان اللذان أريتكهما يا موسى من تحوّل العصا حية، ويدك وهي سمراء، بيضاء تلمع من غير برص، برهانان: يقول: آيتان وحجتان، وأصل البرهان: البيان...
"إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ" يقول: إلى فرعون وأشراف قومه، حجة عليهم، ودلالة على حقيقة نبوّتك يا موسى.
"إنّهُمْ كانُوا قَوْما فاسِقِينَ" يقول: إن فرعون وملأه كانوا قوما كافرين.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
وقال بعضهم: أمره أن يضم يديه إلى نفسه لأن ذلك أخوف وأهيب وأعظم من إرسالهما. وذلك معروف أيضا في الناس أنهم إذا دخلوا على ملك من الملوك ضموا أيديهم وأجنحتهم إلى أنفسهم تعظيما لهم وتبجيلا أو خوفا منهم. فعلى ذلك جائز أن يأمره بضم يديه إلى نفسه ليكون بين يدي ربه أهيب وأخوف ما يكون، وأعظم ما يجب له، وهو ما قال له: {فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى} [طه: 12].
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
ومعنى الآية إذا هالك أمر يدك وما ترى من شعاعها، فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، وقال بعضهم: أمره الله سبحانه وتعالى أن يضم يده إلى صدره ليذهب الله عز وجل ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقيل: معناه سكّنْ روعك واخفض عليك جأشك لأنّ من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، وضم الجناح هو السكون، ومثله قوله سبحانه {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24] يريد الرفق.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
فإن قلت: ما معنى قوله: {واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب}؟ قلت: فيه معنيان، أحدهما: أنّ موسى عليه السلام لما قلب الله العصا حية: فزع واضطرب، فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إنّ اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء. فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية، فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى. والمراد بالجناح: اليد؛ لأنّ يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر. وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى، فقد ضمّ جناحه إليه. والثاني: أن يراد بضم جناحه إليه: تجلده وضبطه نفسه. وتشدّده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر؛ لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما. وإلا فجناحاه مضمومتان إليه مشمران.
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي 741 هـ :
{اسلك يدك في جيبك} أي: أدخلها فيه، والجيب هو فتح الجبة من حيث يخرج الإنسان رأسه.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
...أمر عليه السلام، إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه من الرهب، وهي يده، فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف. وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء فوضع يديه على فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجد أو يَخف، إن شاء الله، وبه الثقة.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء)..
وأطاع موسى الأمر، وأدخل يده في فتحة ثوبه عند صدره ثم أخرجها. فإذا هي المفاجأة الثانية في اللحظة الواحدة. إنها بيضاء لامعة مشعة من غير مرض، وقد عهدها أدماء تضرب إلى السمرة. إنها إشارة إلى إشراق الحق ووضوح الآية ونصاعة الدليل.
وأدركت موسى طبيعته. فإذا هو يرتجف من رهبة الموقف وخوارقه المتتابعة. ومرة أخرى تدركه الرعاية الحانية بتوجيه يرده إلى السكينة. ذلك أن يضم يده على قلبه، فتخفض من دقاته، وتطامن من خفقاته:
وكأنما يده جناح يقبضه على صدره، كما يطمئن الطائر فيطبق جناحه. والرفرفة أشبه بالخفقان، والقبض أشبه بالاطمئنان. والتعبير يرسم هذه الصورة على طريقة القرآن.
والآن وقد تلقى موسى ما تلقى، وقد شاهد كذلك ما شاهد، وقد رأى الآيتين الخارقتين، وقد ارتجف لهما ثم اطمأن.. الآن يعرف ما وراء الآيات، والآن يتلقى التكليف الذي كان يعد من طفولته الباكرة ليتلقاه..
(فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه. إنهم كانوا قوما فاسقين)..
وإذن فهي الرسالة إلى فرعون وملئه. وإذن فهو الوعد الذي تلقته أم موسى وهو طفل رضيع: (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين).. الوعد اليقين الذي انقضت عليه السنون. وعد الله لا يخلف الله وعده وهو أصدق القائلين.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{واضمم إليك جناحك} تمثيل بحال الطائر إذا سكن عن الطيران أو عن الدفاع جعل كناية عن سكون اضطراب الخوف. ويكون {من} هنا للبدلية، أي اسكن سكون الطائر بدلاً من أن تطير خوفاً.
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
ثم كشف الخطاب الإلهي عن السر فيما آتاه الله لموسى الكليم، من الرعاية والتكريم، إذ قال تعالى: {فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه}، إ شارة إلى أن تحويل عصا موسى بأمر الله إلى حية تسعى في الوقت المناسب، وتحويل يده من حالتها الطبيعية، إلى يد بيضاء تتلألأ، لها شعاع وبريق، إنما هما برهانان على صدق رسالته، وصحة نبوته، اكرمه الله بهما ليتغلب على عناد فرعون ومغالطته، عندما يقبل على مخاطبته، ويتوجه إليه بدعوته، وعقب كتاب الله على هذا القرار الإلهي الحكيم بأن فرعون وملأه قد جاوزوا الحدود في تصرفاتهم ومعاملاتهم وحياتهم الخاصة والعامة، فلا بد من أن يوجه إليهم الإنذار الأخير، قبل الإعذار وسوء المصير {إنهم كانوا قوما فاسقين}.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
كانت المعجزة الأُولى آية «من الرعب»، ثمّ أمر أن يظهر المعجزة الثّانية وهي آية أُخرى «من النور والأمل» ومجموعهما سيكون تركيباً من «الإنذار» و«البشارة» إذْ جاءه الأمر (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء). فالبياض الذي يكون على يده للناس لم يكن ناشئاً عن مرض كالبرص ونحوه بل كان نوراً إلهيا جديداً. لقد هزّت موسى (عليه السلام) مشاهدته لهذه الأُمور الخارقة للعادات في الليل المظلم وفي الصحراء الخالية.. ومن أجل أن يهدأ روع موسى من الرهب، فقد أمر أن يضع يده على صدره (واضمم إليك جناحك من الرهب)..