تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (40)

في الغار : الغار هنا هو غار ثور الذي لجأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه يوم الهجرة .

سكينته : سكون النفس وطمأنينتها .

ثم بعد ذلك رغّبهم في الجهاد وبيَّن لهم أنه تعالى هو الذي ينصر نبيّه على أعداء دينه ، سواء أعانوه أم لم يفعلوا ، وهو سبحانه قد فعل ذلك والرسول في قلّة من العدد ، والعُدوُّ في كثرة ، فكيف وأصحابه الآن كثيرون ، والعدوُّ قليل ! ! .

إن لم تنصروا رسولَ الله فإن الله كفيلٌ بذلك . فلقد أيَده ونَصره حين أجمعَ كفّار قريش على قتله ، واضطروه إلى الخروج من مكة مهاجراً ، وليس معه إلا أبو بكر ثاني اثنين في الغار . والغارُ هو غار ثَوْر على ساعةٍ من مكة إلى جهة اليَمَن . وقد مكثا فيه ثلاث ليالٍ ، وبينما هما في الغار اقتفى أثرهما نفر من المشركين ، فخاف أبو بكر على حياة الرسول ، فقال له رسول الله : لا تحزن إن الله معنا ، ولن يصلوا إلينا .

روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أنَس قال : «حدثني أبو بكر قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ، فنظرتُ إلى أقوامِ المشركين ، وهم على رؤوسنا فقلت : يا رسولَ الله ، لو أن أحدَهم نَظَر إلى قدميه لأَبصرَنا تحت قدميه . فقال : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثُهما ؟

عند ذلك أنزل الله الطمأنينة على رسوله ، وأيّده بجنود عنده لا يعلمهم إلا هو سبحانه ، انتهى الأمرُ بأن جعَلَ كلمةَ الشِرك وشوكتَهم هي السفلى ، وكلمةُ الله وهي دينه ، هي العليا بظهور نور الإسلام .

{ والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

والله متّصفٌ بالعِزة لا يُقهر ، حكيم إذ يضع الأمورَ في مواضعِها . وقد اقتضت حكمتُه أن ينصر نبيه بعزّته ، ويُظهر دينه على جميع الأديان .

قراءات :

قرأ يعقوب «وكلمة الله » بالنصب ، والباقون بالرفع .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (40)

{ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ } من مكة ، وإسناد الإخراج إليهم إسناد إلى السبب البعيد فإن الله تعالى أذن له عليه الصلاة والسلام بالخروج حين كان منهم ما كان فخرج صلى الله عليه وسلم بنفسه { ثَانِيَ اثنين } حال من ضميره عليه الصلاة والسلام . أي أحد اثنين من غير اعتبار كونه صلى الله عليه وسلم ثانياً ، فإن معنى قولهم ثالث ثلاثة ورابع أربعة ونحو ذلك أحد هذه الأعداد مطلقاً لا الثالث والرابع خاصة ، ولذا منع الجمهور أن ينصب ما بعد بأن يقال ثالث ثلاثة ورابع أربعة ، فلا حاجة إلى تكلف توجيه كونه عليه الصلاة والسلام ثانيهما كما فعله بعضهم . وقرىء { ثَانِيَ } بسكون الياء على لغة من يجري الناقص مجرى المقصور في الإعراب ، وليس بضرورة خلافاً لمن زعمه وقال : إنه من أحسن الضرورة في الشعر . واستشكلت الشرطية بأن الجواب فيها ماض ويتشرط فيه أن يكون مستقبلاً حتى إذا كان ماضياً قلب مستقبلاً وهنا لم ينقلب ، وأجيب بأن الجواب محذوف أقيم سببه مقامه وهو مستقبل أي إن لم تنصروه فسينصره الله تعالى الذي قد نصره في وقت ضرورة أشد من هذه المرة وإلى هذا يشير كلام مجاهد ، وجوز أن يكون المراد إن لم تنصروه فقد أوجب له النصرة حين نصره في مثل ذلك الوقت فلن يخذله في غيره ، وفرق بين الوجهين بعد اشتراكهما في أن جواب الشرط محذوف بأن الدال عليه على الوجه الأول النصرة المقيدة بزمان الضعف والقلة في السالف وعلى الوجه الثاني معرفتهم بأنه صلى الله عليه وسلم من المنصورين ، وقال القطب : الوجهان متقاربان إلا أن الأول مبني على القياس والثاني على الاستصحاب فإن النصرة ثابتة في تلك الحالة فتكون ثابتة في الاستقبال إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان ، وقيل : إنه على الوجه الأول يقدر الجواب وعلى الثاني هو نصر مستمر فيصح ترتيبه على المستقبل لشموله له { إِذْ هُمَا فِى الغار } بدل من { إِذْ أَخْرَجَهُ } بدل البعض إذ المراد به زمان متسع فلا يتوهم التغاير المانع من البدلية ، وقيل : إنه ظرف { ثَانِيَ اثنين } والمراد بالغار ثقب في أعلى ثور وهو جبل في الجهة اليمنى لمكة على مسير ساعة ، مكثا فيه كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ثلاثة أيام يختلف إليهما بالطعام عامر بن فهيرة ؛ وعلي كرم الله تعالى وجهه يجهزهما فاشترى ثلاثة أباعر من إبل البحرين واستأجر لهما دليلاً ، فلما كانا في بعض الليل من الليلة الثالثة أتاهم علي كرم الله تعالى وجهه بالإبل والدليل فركبوا وتوجهوا نحو المدينة ، ولاختفائه عليه الصلاة والسلام في الغار ثلاثة اختفى الإمام أحمد فيما يروى زمن فتنة القرآن كذلك لكن لا في الغار ، واختفى هذا العبد الحقير زمن فتح بغداد بعد المحاصرة سنة سبع وأربعين بعد الألف والمائتين خوفاً من العامة وبعض الخاصة لأمور نسبت إليّ وافتراها بعض المنافقين علي في سرداب عند بعض الأحبة ثلاثة أيام أيضاً لذلك ثم أخرجني منه بالعز أمين وأيدني الله تعالى بعد ذلك بالغر الميامين { إِذْ يَقُولُ } بدل ثان ، وقيل : أول { لصاحبه } وهو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه .

وقد أخرج الدارقطني . وابن شاهين . وابن مردويه . وغيرهم عن ابن عمر قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله تعالى عنه : أنت صاحبي في الغار ، وأنت معي على الحوض " وأخرج ابن عساكر من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وأبي هريرة مثله ، وأخرج هو . وابن عدي من طريق الزهري عن أنس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان : هل قلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه شيئاً ؟ قال : نعم . قال : قل وأنا أسمع . فقال حسان رضي الله تعالى عنه )

وثاني اثنين في الغار المنيف وقد

طاف العدو به إذ صاعد الجبلا

وكان حب رسول الله قد علموا

من البرية لم يعدل به رجلا

فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال : صدقت يا حسان هو كما قلت " ولم يخالف في ذلك أحد حتى الشيعة فيما أعلم لكنهم يقولون ما ستعلمه ورده إن شاء الله تعالى { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا } بالعصمة والمعونة فهي معية مخصوصة وإلا فهو تعالى مع كل واحد من خلقه . روى الشيخان . وغيرهما عن أنس قال : حدثني أبو بكر قال : «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرأيت آثار المشركين فقلت : يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا تحت قدمه . فقال عليه الصلاة والسلام : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله تعالى ثالثهما » . وروى البيهقي وغيره . «أنه لما دخلا الغار أمر الله تعالى العنكبوت فنسجت على فم الغار وبعث حمامتين وحشيتين فباضتا فيه وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجلاً بعصيهم وسيوفهم حتى إذا كانوا قدر أربعين ذراعاً تعجل بعضهم فنظر في الغار ليرى أحداً فرأى حمامتين فرجع إلى أصحابه فقال : ليس في الغار أحد ولو كان قد دخله أحد ما بقيت هاتان الحمامتان » . وجاء في رواية قال بعضهم( {[310]} ) : إن عليه لعنكبوتاً قبل ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم فانصرفوا ، وأول من دخل الغار أبو بكر رضي الله تعالى عنه ، فقد أخرج ابن مردويه عن جندب بن سفيان قال : لما انطلق أبو بكر رضي الله تعالى عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار قال أبو بكر : لا تدخل يا رسول الله حتى استبرئه فدخل الغار فأصاب يده شيء فجعل يمسح الدم عن أصبعه وهو يقول :

ما أنت إلا أصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت

/ روى البيهقي في الدلائل . وابن عساكر «أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً تبعه أبو بكر فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما هذا يا أبا بكر ؟ فقال : يا رسول الله أذكر الرصد فأكون أمامك واذكر الطلب فأكون خلفك ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا آمن عليك فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه فلما رأى ذلك أبو بكر حمله على كاهله وجعل يشتد به حتى أتى فم الغار فأنزله ثم قال : والذي بعثك بالحق لا تدخل حتى أدخله فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك فدخل فلم ير شيئاً فحمله فأدخله وكان في الغار خرق فيه حيات وأفاعي فخشي أبو بكر أن يخرج منهن شيء يؤدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقمه قدمه فجعلن يضربنه ويلسعنه وجعلت دموعه تتحدر وهو لا يرفع قدمه حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم » . وفي رواية «أنه سد كل خرق في الغار بثوبه قطعه لذلك قطعاً وبقي خرق سده بعقبه » رضي الله تعالى عنه { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ } وهي الطمأنينة التي تسكن عندها القلوب { عَلَيْهِ } أي على النبي صلى الله عليه وسلم . وأخرج ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ . وابن مردويه . والبيهقي في الدلائل . وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الضمير للصاحب . وأخرج الخطيب في تاريخه عن حبيب بن أبي ثابت نحوه ، وقيل : وهو الأظهر لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم ينزعج حتى يسكن ولا ينافيه تعين ضمير { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } له عليه الصلاة والسلام لعطفه على { نَصَرَهُ الله } لا على { أَنَزلَ } حتى تتفكك الضمائر على أنه إذا كان العطف عليه كما قيل به يجوز أن يكون الضمير للصاحب أيضاً كما يدل عليه ما أخرجه ابن مردويه من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه : " يا أبا بكر إن الله تعالى أنزل سكينته عليك وأيدك " الخ وأن أبيت فأي ضرر في التفكيك إذا كان الأمر ظاهراً .

واستظهر بعضهم الأول وادعى أنه المناسب للمقام ، وإنزال السكينة لا يلزم أن يكون لدفع الانزعاج بل قد يكون لرفعته ونصره صلى الله عليه وسلم ، والفاء للتعقيب الذكرى وفيه بعد ، وفسرها بعضهم على ذلك الاحتمال بما لا يحوم حوله شائبة خوف أصلاً ، والمراد بالجنود الملائكة النازلون يوم بدر .

والأحزاب . وحنين ، وقيل : هم ملائكة أنزلهم الله تبارك وتعالى ليحرسوه في الغار . ويؤيده ما أخرجه أبو نعيم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه «أن أبا بكر رأى رجلاً يواجه الغار فقال : يا رسول الله إنه لرآنا قال : كلا إن الملائكة تستره الآن بأجنحتها فلم ينشب الرجل أنقعد يبول مستقبلهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر لو كان يرانا ما فعل هذا » ، والظاهر أنهما على هذا كانا في الغار بحيث يمكن رؤيتهما عادة ممن هو خارج الغار ، واعترض هذا القول بأنه يأباه وصف الجنود بعدم رؤية المخاطبين لهم إلا أن يقال : المراد من هذا الوصف مجرد تعظيم أمر الجنود ، ومن جعل العطف على { أَنَزلَ } التزم القول المذكور لاقتضائه لظاهر حال الفاء أن يكون ذلك الإنزال متعقباً على ما قبله وذلك مما لا يتأتى على القول الأول في الجنود { وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى } أي كلمتهم التي اجتمعوا عليها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة حيث نجاه ربه سبحانه على رغم أنوفهم وحفظه من كيدهم مع أنهم لم يدعوا في القوس منزعاً في إيصال الشر إليه ، وجعلوا الدية لمن يقتله أو يأسره عليه الصلاة والسلام ، وخرجوا في طلبه عليه الصلاة والسلام رجالاً وركباناً فرجعوا صفر الأكف سود الوجوه ، وصار له بعض من كان عليه عليه الصلاة والسلام . فقد أخرج ابن سعد . وأبو نعيم . والبيهقي كلاهما في الدلائل عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : «لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم . وأبو بكر التفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال : يا نبي الله هذا فارس قد لحق بنا فقال صلى الله عليه وسلم : اللهم اصرعه فصرع عن فرسه فقال : يا نبي الله مرني بما شئت قال : فقفت مكانك لا تتركن أحداً يلحق بنا فكان أول النهار جاهداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخر النهار مسلحة » وكان هذا الفارس سراقة ، وفي ذلك يقول لأبي جهل :

أبا حكم والله لو كنت شاهدا *** لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه

علمت ولم تشكك بأن محمدا *** رسول ببرهان فمن ذا يقاومه

وصح من حديث الشيخين وغيرهما «أن القوم طلبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأبا بكر ، وقال أبو بكر : ولم يدركنا منهم إلا سراقة على فرس له فقلت : يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا فقال : { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا } حتى إذا دنا فكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة قلت : يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا وبكيت قال : لم تبكي ؟ قلت : أما والله ما أبكي عل نفسي ولكن أبكي عليك فدعا عليه عليه الصلاة والسلام وقال : اللهم أكفناه بما شئت فساخت فرسه إلى بطنها في أرض صلدة ووثب عنها وقال : يا محمد إن هذا عملك فادع الله تعالى أن ينجيني مما أنا فيه فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهماً فانك ستمر بإبلي وغنمي في موضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا حاجة لي فيها ودعا له فانطاق ورجع إلى أصحابه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى قدمنا المدينة » الحديث ، ويجوز تفسير الكلمة بالشرك وهو الذي أخرجه ابن المنذر .

وابن أبي حاتم . والبيهقي في الأسماء والصفات ن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فهي مجاز عن معتقدهم الذي من شأنهم التكلم به ، وفسرها بعضهم بدعوة الكفر فهي بمعنى الكلام مطلقا ، وزعم شيخ الإسلام بأن الجعل المذكور على التفسيرين آب عن حمل الجنود على الملائكة الحارسين لأنه لا يتحقق بمجرد الانجاء بل بالقتل والأسر ونحو ذلك ، وأنت تعلم أنه لا إباء على التفسير الذي ذكرناه نحن على أن كون الانجاء مبدأ للجعل بتفسيريه كاف في دفع الإباء بلا امتراء { وَكَلِمَةُ الله هِىَ العليا } يحتمل أن يراد بها وعده سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم المشار إليه بقوله تعالى : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين } وإما كلمة التوحيد كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وإما دعوة الاسلام كما قيل ، ولا يخفى ما في تغيير الأسلوب من المبالغة لأن الجملة الاسمية تدل على الدوام والثبوت مع الإيذان بأن الجعل لم يتطرق لتلك الكلمة وأنها في نفسها عالية بخلاف علو غيرها فانه غير ذاتي بل بجعل وتكلف فهو عرض زائل وأمر غيرقار ولذلك وسط ضمير الفصل .

وقرأ يعقوب { كَلِمَةَ * الله } بالنصب عطفاً على { كَلِمَةَ الذين } وهو دون الرفع في البلاغة ، وليس الكلام عليه كأعتق زيد غلام زيد كما لا يخفى { والله عَزِيزٌ } لا يغالب في أمرهه { حَكِيمٌ } لا قصور في تدبيره هذا . واستدل بالآية على فضل أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وهو لعمري مما يدع الرافضي في حجر ضب أو مهامه قفر فانها خرجت مخرج العتاب للمؤمنين ما عدا أبا بكر رضي الله تعالى عنه . فقد أخرج ابن عساكر عن سفيان بن عيينة قال : عاتب الله سبحانه المسلمين جميعاً في نبيه صلى الله عليه وسلم غير أبي بكر وحده فانه خرج من المعاتبة ثم قرأ { إِلاَّ تَنصُرُوهُ } الآية ، بل أخرج الحكيم الترمذي عن الحسن قال : عاتب الله تعالى جميع أهل الآرض غير أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال : { إِلاَّ تَنصُرُوهُ } الخ .

وأخرج ابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجهه بلفظ إن الله تعالى ذم الناس كلهم ومدح أبا بكر رضي الله تعالى عنه فقال : { إِلاَّ تَنصُرُوهُ } الخ ، وفيها النص على صحبته رضي الله تعالى عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يثبت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام سواه ، وكونه المراد من الصاحب مما وقع عليه الإجماع ككون المراد من العبد في قوله تعالى : { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ } [ الإسراء : 1 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن هنا قالوا : إن إنكار صحبته كفر ، مع ما تضمنته من تسلية النبي عليه الصلاة والسلام له بقوله : { لاَ تَحْزَنْ } وتعليل ذلك بمعية الله سبحانه الخاصة المفادة بقوله : { إِنَّ الله مَعَنَا } ولم يثبت مثل ذلك في غيره بل لم يثبت نبي معية الله سبحانه له ولآخر من أصحابه وكأن في ذلك إشارة إلى أنه ليس فيهم كأبي بكر الصديق رضي الله عنه .

وفي انزال السكينة عليه بناء على عود الضمير إليه ما يفيد السكينة في أنه هو هو رضي الله تعالى عنه ولعن باغضيه ، وكذا في انزالها على الرسول عليه الصلاة والسلام مع أن المنزعج صاحبه ما يرشد المنصف إلى أنهما كالشخص الواحد ، وأظهر من ذلك إشارة ما ذكر إلى أن الحزن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويشهد لذلك ما مر في حديث الشيخين . وأنكر الرافضة دلالة الآية على شيء من الفضل في حق الصديق رضي الله تعالى عنه قالوا : إن الدال على الفضل إن كان { ثَانِيَ اثنين } فليس فيه أكثر من كون أبي بكر متما للعدد ، وإن كان { إِذْ هُمَا فِى الغار } فلا يدل على أكثر من اجتماع شخصين في مكان وكثيراً ما يجتمع فيه الصالح والطالح ، وإن كان { لِصَاحِبِهِ } فالصحبة تكون بين المؤمن والكافر كما في قوله تعالى : { قَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يحاوره أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ } [ الكهف : 37 ] و قوله سبحانه : { وَمَا صاحبكم بِمَجْنُونٍ } [ التكوير : 22 ] و { ياصاحبى السجن } [ يوسف : 39 ] بل قد تكون بين من يعقل وغيره كقوله :

إن الحمار مع الحمير مطية *** وإذا خلوت به فبئس الصاحب

وإن كان { لاَ تَحْزَنْ } فيقال : لا يخلو إما أن يكون الحزن طاعة أو معصية لا جائز أن يكون طاعة وإلا لما نهى عنه صلى الله عليه وسلم فتعين أن يكون معصية لمكان النهي وذلك مثبت خلاف مقصودكم على أن فيه من الدلالة على الجبن ما فيه ، وإن كان { إِنَّ الله مَعَنَا } فيحتمل أن يكون المراد إثبات معية الله تعالى الخاصة له صلى الله عليه وسلم وحده لكن أتى بنا سد الباب الايحاش ، ونظير ذلك الإتيان بأوفى قوله :

{ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِى ضلال مُّبِينٍ } [ سبأ : 24 ] وإن كان { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } فالضمير فيه للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا يلزم تفكيك الضمائر ، وحينئذ يكون في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بالسكينة هنا مع عدم التخصيص في قوله سبحانه : { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين } [ الفتح : 26 ] إشارة إلى ضد ما ادعيتموه ، وإن كان ما دلت عليه الآية من خروجه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت فهو عليه الصلاة والسلام لم يخرجه معه الا حذراً من كيده لو بقي مع المشركين بمكة ، وفي كون المجهز لهم بشراء الإبل علياً كرم الله تعالى وجهه إشارة لذلك ، وإن كان شيئاً وراء ذلك فبينوه لنتكلم عليه انتهى كلامهم .

ولعمى انه أشبه شيء بهذيان المحموم أو عربدة السكران ولولا ان الله سبحانه حكى في كتابه الجليل عن اخوانهم اليهود والنصارى ما هو مثل ذلك ورده رحمة بضعفاء المؤمنين ما كنا نفتح في رده فما أو نجري في ميدان تزييفه قلما لكنى لذلك أقول : لا يخفى أن { ثَانِيَ اثنين } وكذا { إِذْ هُمَا فِى الغار } إنما يدلان بمعونة المقام على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه ولا ندعي دلالتهما مطلقاً ومعونة المقام أظهر من نار على علم ولا يكاد ينتطح كبشان في أن الرجل لا يكون ثانياً باختياره لآخر ولا معه في مكان إذا فر من عدو ما لم يكن معولاً عليه متحققاً صدقه لديه لا سيما وقد ترك الآخر لأجله أرضاً حلت فيها قوابله وحلت عنه بها تمائمه وفارق أحبابه وجفا أترابه وامتطى غارب سبسب يضل به القطا وتقصر فيه الخطا . ومما يدل على فضل تلك الاثنينية قوله صلى الله عليه وسلم مسكناً جأش أبي بكر : «ما ظنك باثنين الله تعالى ثالهما » والصحبة اللغوية وان لم تدل بنفسها على المدعي لكنها تدل عليه بمعونة المقام أيضاً فاضافة صاحب إلى الضمير للعهد أي صاحبه الذي كان معه في وقت يجفو فيه الخليل خليله ورفيقه الذي فارق لمرافقته أهله وقبيله ، وأن { لاَ تَحْزَنْ } ليس الالمقصود منه حقيقة النهي عن الحزن فانه من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف بل المقصود منه التسلية للصديق رضي الله تعالى عنه أو نحوها ، وما ذكروه من الترديد يجري مثله في قوله تعالى خطاباً لموسى . وهارون عليهما السلام : { لاَ تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا } [ طه : 46 ] وكذا في قوله سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم : { وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً } [ يونس : 65 ] إلى غير ذلك ، أفترى ان الله سبحانه نهى عن طاعته ؟ أو أن أحداً من أولئك المعصومين عليهم الصلاة والسلام ارتكب معصية سبحانك هذا بهتان عظيم ، ولا ينافي كون الحزن من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف بالنظر إلى نفسه انه قد يكون مورداً للمدح والذم كالحزن على فوات طاعة فانه ممدوح والحزن على فوات معصية فانه مذموم لأن ذلك باعتبار آخر كما لا يخفى ، وما ذكر في حيز العلاوة من أن فيه من الدلالة على الجبن ما فيه فيه من ارتكاب الباطل ما فيه فانا لا نسلم أن الخوف يدل على الجبن وإلا لزم جبن موسى وأخيه عليهما السلام فما ظنك بالحزن ؟ وليس حزن الصديق رضي الله تعالى عنه بأعظم من الاختفاء بالغار ، ولا يظن مسلم أنه كان عن جبن أو يتصف بالجبن أشجع الخلق على الإطلاق صلى الله عليه وسلم ؟ ، ومن أنصف رأى أن تسليته عليه الصلاة والسلام لأبي بكر بقوله : { لاَ تَحْزَنْ } كما سلاه ربه سبحانه بقوله :

{ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } [ يونس : 65 ] مشيرة إلى الصديق رضي الله تعالى عنه عنده عليه الصلاة والسلام بمنزلته عند ربه جل شأنه فهو حبيب حبيب الله تعالى بل لو قطع النظر عن وقوع مثل هذه التسلية من الله تعالى لنبيه النبيه صلى الله عليه وسلم كان نفس الخطاب بلا تحزن كافياً في الدلالة على أنه رضي الله تعالى عنه حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فكيف تكون محاورة الاحباء وهذا ظاهر إلا عند الاعداء . وما ذكر من ان المعية الخاصة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحده والاتيان بنا لسد باب الايحاش من باب المكابرة الصرفة كما يدل عليه الخبر المار آنفاً ، على أنه إذا كان ذلك الحزن اشفاقاً على رسول الله عليه الصلاة والسلام لا غير فأي ايحاش في قوله لا تحزن على أن الله معي ، وإن كان اشفاقاً على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى نفسه رضي الله تعالى عنه لم يقع التعليل موقعه والجملة مسوقة له ولو سلمنا الإيحاش على الأول ووقوع التعليل موقعه على الثاني يكون ذلك الحزن دليلاً واضحاً على مدح الصديق ، وإن كان على نفسه فقط كما يزعمه ذو النفس الخبيثة لم يكن للتعليل معنى أصلا ، وأي معنى في لا تحزن على نفسك إن الله معي لا معك .

على أنه يقال للرافضي هل فهم الصديق رضي الله تعالى عنه من الآية ما فهمت من التخصيص وأن التعبير { بِنَا } كان سداً لباب الإيحاش أم لا ؟ فإن كان الأول يحصل الإيحاش ولا بد فنكون قد وقعنا فيما فررنا عنه ، وإن كان الثاني فقد زعمت لنفسك رتبة لم تكن بالغها ولو زهقت روحك ، ولو زعمت المساواة في فهم عبارات القرآن الجليل وإشاراته لمصاقع أولئك العرب المشاهدين للوحي ما سلم لك أو تموت فكيف يسلم لك الامتياز على الصديق وهو هو وقد فهم من اشارته صلى الله عليه وسلم في حديث التخيير ما خفي على سائر الصحابة حتي علي كرم الله تعالى وجهه فاستغربوا بكاءه رضي الله تعالى يومئذ ، وما ذكر من التنظير في الآية مشير إلى التقية التي اتخذها الرافضة دينا وحرفوا لها الكلم عن مواضعها ، وقد اسلفنا لك الكلام في ذلك على أتم وجه فتذكره ، وما ذكر في أمر السكينة فجوابه يعلم مما ذكرناه ، وكون التخصيص مشيراً إلى إخراج الصديق رضي الله تعالى عنه عن زمرة المؤمنين كما رمز إليه الكلب عدو الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لو كان ما خفي على أولئك المشاهدين للوحي الذين من جملتهم الأمير كرم الله تهالى وجهه فكيف مكنوه من الخلافة التي هي أخت النبوة عند الشيعة وهم الذين لا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم ، وكون الصحابة قد اجتمعوا في ذلك على ضلالة ، والأمير كان مستضعفاً فيما بينهم أو مأموراً بالسكوت وغمد السيف إذ ذاك كما زعمه المخالف قد طوى بساط رده وعاد شذر مذر فلا حاجة إلى اتعاب القلم في تسويد وجه زاعمه ، وما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرجه الا حذرا من كيده فيه أن الآية ليس فيها شائبة دلالة على إخراجه له أصلاً فضلاً عن كون ذلك حذراً من الكيد ، على أن الحذر لو كان في معيته له عليه الصلاة والسلام وأن فرصة تكون مثل الفرصة التي حصلت حين جاء الطلب لباب الغار ؟ فلو كان عند أبي بكر رضي الله تعتالى عنه وحاشاه أدنى ما يقال لقال : هلموا فههنا الغرض ، ولا يقال : إنه خاف على نفسه أيضاً لأنه يمكن أن يخلصها منهم بأمور ولا أقل من أن يقول لهم : خرجت لهذه المكيدة ، وأيضاً لو كان الصديق كما يزعم الزنديق فأي شيء منعه من أن يقول لابنه عبد الرحمن أو ابنته أسماء أو مولاه عامر بن فهيرة فقد كانوا يترددون إليه في الغار كما أخرج ابن مردويه عن عائشة فيخبر أحدهم الكفار بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على أنه على هذا الزعم يجيء حديث التمكين وهو أقوى شاهد على أنه هو هو وأيضاً إذا انفتح باب هذا الهذيان أمكن للناصبي أن يقول والعياذ بالله تعالى في علي كرم الله تعالى وجهه : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالبيتوتة على فراشه الشريف ليلة هاجر الا ليقتله المشركون ظناً منهم أنه النبي صلى الله عليه وسلم فيستريح منه ، وليس هذا القول بأعجب ولا أبطل من قول الشيعي : إن إخراج الصديق إنما كان حذراً من شره فليتق الله سبحانه من فتح هذا الباب المستهجن عند ذوي الألباب ، وزعم أن تجهيز الأمر كرم الله تعالى وجهه لهم بشراء الاباعر اشارة إلى ذلك لا يشير بوجه من الوجوه ، على أن ذلك وإن ذكرناه فيما قبل إنما جاء في بعضالروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والمعول عليه عند المحدثين غير ذلكد ولا بأس بايراده تكميلاً للفائدة وتنويراً لفضل الصديق رضي الله تعالى عنه فنقول :

أخرج عبد الرزاق .

وأحمد . وعبد بن حميد . والبخاري . وابن المنذر . وابن أبي حاتم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت : لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمرر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية ولما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً قبل أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك العماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال ابن الدغنة : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الآرض وأعبد ربي . قال ابن الدغنة : مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق فانا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلدك فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر فطاف ابن الدغنة في كفار قريش فقال : إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقرى الضيف ويعين على نوائب الحق فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وأمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره وليصل فيه ما شاء وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا ولا يستعلن باللاة والقراءة في غير داره ففعل ثم بدا لأبي بكر فابتني مسجداً بفناء دار فكان يصلي فيه ويقرأ فيتقصف( {[311]} ) عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان رجلاً بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن فأفزع ذلك اشراف قريش فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا : إنما أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وانه جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره وأعلن بالصلاة والقراءة وإنا خشينا أن يفتتن نساؤنا وأبناؤنا فان أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وأن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك فأنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال : يا أبا بكر قد علمت الذي عقدت لك عليه فاما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد إلى ذمتي فاني لا أحب أن تسمع العرب إني أخفرت في عقد رجل عقدت له فقال أبو بكر : فاني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة يومئذ قال للمسلمين : قد أريت دار هجرتكم أريت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما حرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة إلى أرض الحبشة من المسلمين وتجهز أبو بكر مهاجراً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : على رسلك فانى أرجو أن يؤذن لي .

فقال أبو بكر : وترجو ذلك بأبي أنت قال : نعم . فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحبته وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر فبينما نحن جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر : فداه أبي وأمي إن جاء به في هذه الساعة إلا أمر فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن من عندك ؟ فقال أبو بكر : إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم . فانه قد أذن لي بالخروج . فقال أبو بكر : فالصحابة بأبي أنت يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم . فقال أبو بكر : فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام : بالثمن قالت عائشة : فجهزناهما أحث الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر من نطاقها فأوكت به الجراب فلذلك كانت تسمى ذات النطاق . ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيخرج من عندهما سحراً فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمراً يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حتى يختلظ الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى لأبي بكر منيحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب بغلس ساعة من الليل فيبيتان في رسلها حتى ينعق بها عامر بغلس يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث ، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الدئل من بني عبد بن عدي هادياً خريتا قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث ليال فأخذ بهم طريق أذاخر وهو طريق الساحل » الحديث بطوله ، وفيه من الدلالة على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه ما فيه ، وهو نص في أن تجهيزهما كان في بيت أبي بكر وأن الراحلتين كانتا له ، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل إحداهما إلا بالثمن يرد على الرافضي زعم نهمة الصديقة وحاشاها في الحديث .

هذا ومن أحاط خبراً بأطراف ما ذكرناه من الكلام في هذا المقام علم أن قوله : كان شيئاً وراء ذلك فبينوه لنا حتى نتكلم عليه ناشىء عن محص الجهل أو العناد { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } وبالجملة إن الشيعة قد اجتمعت كلمتهم على الكفر بدلالة الآية على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه ويأبي الله تعالى إلا أن يكون كلمة الذين كفروا السفلى وكلمته هي العليا .

( ومن باب الإشارة ) : وقوله سبحانه : { إِلاَّ تَنصُرُوهُ } الخ عتاب للمتثاقلين أو لأهل الآرض كافة وإرشاد إلى أنه عليه الصلاة والسلام مستغن بنصرة الله عن نصرة المخلوقين . وفيه إشارة إلى رتبة الصديق رضي الله تعالى عنه فقد انفرد برسول الله صلى الله عليه وسلم انفراده عليه الصلاة والسلام بربه سبحانه في مقام قاب قوسين ، ومعنى { إِنَّ الله مَعَنَا } [ التوبة : 40 ] على ما قال ابن عطاء إنه معنا في الأزل حيث وصل بيننا بوصلة الصحبة وأثر هذه المعية قد ظهر في الدنيا والآخرة فلم يفارقه حياً ولا ميتاً ، وقيل : معنا بظهور عنايته ومشاهدته وقربه الذي لا يكيف ، ولله تعالى در من قال :

يا طالب الله في العرش الرفيع به *** لا تطلب العرش أن المجد للغار

ولا يخفى ما بين قول النبي صلى الله عليه وسلم : { إِنَّ الله مَعَنَا } وقول موسى عليه السلام : { إِنَّ مَعِىَ رَبّى } [ الشعراء : 62 ] من الفرق الظاهر لأرباب الأذواق حيث قدم نبينا صلى الله عليه وسلم اسمه تعالى عليه وعكس موسى عليه السلام ، وأتى صلى الله عليه وسلم بالاسم الجامع وأتى الكليم باسم الرب ، وأتى عليه الصلاة والسلام بنا في { مَعَنَا } وأتى موسى عليه السلام بياء المتكلم لأن نبينا صلى الله عليه وسلم على خلق لم يكن عليه موسى عليه الصلاة والسلام .

والضمير في قوله تعالى : { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } [ التوبة : 40 ] إن كان للصاحب فالأمر ظاهر وإن كان للنبي عليه الصلاة والسلام فيقال : في ذلك إشارة إلى مقام الفناء في الشيخ إذ ذاك .

وقال بعض الأكابر : أنزلت السكينة عليه عليه الصلاة والسلام لتسكين قلب الصديق رضي الله تعالى عنه وإذهاب الحزن عنه بطريق الانعكاس والإشراق ولو أنزلت على الصديق بغير واسطة لذاب لها ولعظمها فكأنه قيل : أنزل سكينة صاحبه عليه .


[310]:- هو كما في بعض الروايات أمية بن خلف اهـ منه.
[311]:- أي يزدحم اهـ منه.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (40)

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

... قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول في قوله: {ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه} هو أبو بكر، وكان يرفع من أبي بكر بذلك جدا.

- ابن العربي: روي عن مالك أنه قال: خير الناس بعد نبيهم أبو بكر.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

هذا إعلام من الله أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم أنه المتوكل بنصر رسوله على أعداء دينه وإظهاره عليهم دونهم، أعانوه أو لم يعينوه، وتذكير منه لهم فعل ذلك به، وهو من العدد في قلة والعدوّ في كثرة، فكيف به وهو من العدد في كثرة والعدوّ في قلّة؟ يقول لهم جلّ ثناؤه: إلا تنفروا أيها المؤمنون مع رسولي إذا استنفركم فتنصروه، فالله ناصره ومعينه على عدوّه ومغنيه عنكم وعن معونتكم ونصرتكم كما نصره إذ أخرجه الذين كفروا بالله من قريش من وطنه وداره ثانِيَ اثْنَيْنِ يقول: أخرجوه وهو أحد الاثنين: أي واحد من الاثنين، وكذلك تقول العرب: «هُوَ ثانِيَ اثْنَيْنِ» يعني أحد الاثنين، وثالث ثلاثة، ورابع أربعة، يعني: أحد ثلاثة، وأحد الأربعة... وإنما عنى جلّ ثناؤه بقوله:"ثانِيَ اثْنَيْنِ" رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، رضي الله عنه، لأنهما كانا اللذين خرجا هاربين من قريش، إذ همّوا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم واختفيا في الغار.

وقوله: "إذْ هُما فِي الغارِ "يقول إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رحمة الله عليه في الغار والغار: النقب العظيم يكون في الجبل. "إذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ" يقول: إذ يقول رسول الله لصاحبه أبي بكر: "لا تَحْزَنْ" وذلك أنه خاف من الطلب أن يعلموا بمكانهما، فجزع من ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاَ تَحْزَنْ لأنّ اللّهَ مَعَنا، واللّهُ ناصِرُنا، فَلَنِ يَعْلَمَ المُشْرِكُونَ بِنا، وَلَنْ يَصِلُوا إلَيْنَا يقول جلّ ثناؤه: فقد نصره الله على عدوّه وهو بهذه الحال من الخوف وقلة العدد، فكيف يخذله ويحوجه إليكم وقد كثر الله أنصاره وعدد جنوده؟.

"فأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَة الّذِينَ كَفَروُا السّفْلَى وكلمةٌ اللّهِ هِيَ العُلْيا واللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"؛ يقول تعالى ذكره: فأنزل الله طمأنينته وسكونه على رسوله وقد قيل: على أبي بكر.

"وأيّدهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا" يقول: وقوّاه بجنود من عنده من الملائكة لم تروها أنتم. "وَجَعَلَ كِلِمَةَ الّذِينَ كَفَرُوا" وهي كلمة الشرك السّفْلَى لأنها قُهرت وأذّلت وأبطلها الله تعالى ومحق أهلها، وكلّ مقهور ومغلوب فهو أسفل من الغالب والغالب هو الأعلى. "وكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ العْلْيَا" يقول: ودين الله وتوحيده وقول لا إله إلا الله، وهي كلمته العليا على الشرك وأهله، الغاليةُ...

قوله: "وَجَعَلَ كَلِمَةَ الّذِينَ كَفَرُوا السّفْلَى" وهي: الشرك بالله. "وكَلِمَةُ اللّهُ هِيَ العُلْيا" وهي لا إله إلا الله.

وأما قوله: "واللّهُ عَزِيرٌ حَكِيمٌ" فإنه يعني: والله عزيز في انتقامه من أهل الكفر به، لا يقهره قاهر ولا يغلبه غالب ولا ينصره من عاقبه ناصر، حكيم في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم في مشيئته.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

قوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} يعني إلا تنصروا أيها الناس النبي صلى الله عليه وسلم بالنفير معه وذلك حين استنفرهم إلى تبوك فتقاعدوا فقد نصره الله. {إِذْ أَخَرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني من مكة ولم يكن معه من يحامي عنه ويمنع منه إلا الله تعالى، ليعلمهم بذلك أن نصره نبيه ليس بهم فيضره انقطاعهم وقعودهم، وإنما هو من قبل الله تعالى فلم يضره قعودهم عنه.

وفي قوله: {فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} وجهان: أحدهما: بإرشاده إلى الهجرة حتى أغناه عن معونتهم. والثاني: بما تكفل به من إمداده بملائكته...

{إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبهِ لاَ تَحْزَنْ} يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لصاحبة أبي بكر "لا تَحْزَنْ "فاحتمل قوله ذلك له وجهين:

أحدهما: أن يكون تبشيراً لأبي بكر بالنصر من غير أن يظهر منه حزن.

والثاني: أن يكون قد ظهر منه حزن فقال له ذلك تخفيفاً وتسلية.

وليس الحزن خوفاً وإنما هو تألم القلب بما تخيله من ضعف الدين بعد الرسول فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا" أي ناصرنا على أعدائنا. {... فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ}... في السكينة أربعة أقاويل: أحدها: أنها الرحمة، قاله ابن عباس. والثاني: أنها الطمأنينة، قاله الضحاك. والثالث: الوقار، قاله قتادة. والرابع: أنها شيء يسكن الله به قلوبهم، قاله الحسن وعطاء.

{وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} فيه وجهان: أحدهما: بالملائكة. والثاني: بالثقة بوعده واليقين بنصره.

وفي تأييده وجهان: أحدهما: إخفاء أثره في الغار حين طلب. والثاني: المنع من التعرض له حين هاجر.

{وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْسُّفْلَى} يحتمل وجهين: أحدهما: بانقطاع الحجة. والثاني: جعل كلمة الذين كفروا السفلى بذُلّ الخوف.

وكلمة الله هي العليا بعز الظفر. {وَكَلِمَةُ اللهِ هيَ العُلْيَا} بظهور الحجة...

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير 456 هـ :

ومن فضائل أبي بكر المشهورة، قوله عز وجل: (إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}. فهذه فضيلة منقولة بنقل الكافة لا خلاف بين أحد في أنه أبو بكر، فأوجب الله تعالى له فضيلة المشاركة في إخراجه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنه خصه باسم الصحبة له، وبأنه ثانيه في الغار، وأعظم من ذلك كله، أن الله معهما، وهذا ما لا يلحقه فيه أحد...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: كيف يكون قوله: {فَقَدْ نَصَرَهُ الله} جواباً للشرط؟ قلت: فيه وجهان أحدهما: إلاّ تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلاّ رجل واحد ولا أقل من الواحد، فدلّ بقوله: {فَقَدْ نَصَرَهُ الله} على أنه ينصره في المستقبل، كما نصره في ذلك الوقت. والثاني: أنه أوجب له النصرة وجعله منصوراً في ذلك الوقت، فلن يخذل من بعده. وأسند الإخراج إلى الكفار كما أسند إليهم في قوله: {مّن قَرْيَتِكَ التى أَخْرَجَتْكَ} [محمد: 13] لأنهم حين هموا بإخراجه أذن الله له في الخروج فكأنهم أخرجوه {ثَانِيَ اثنين} أحد اثنين، كقوله: {ثالث ثلاثة} وهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه...

{سَكِينَتَهُ} ما ألقى في قلبه من الأمنة، التي سكن عندها وعلم أنهم لا يصلون إليه، والجنود الملائكة يوم بدر والأحزاب وحنين. و"كلمة الذين كفروا": دعوتهم إلى الكفر. {وَكَلِمَةُ الله} دعوته إلى الإسلام... و {هِي} فصل أو مبتدأ، وفيها تأكيد فضل كلمة الله في العلوّ، وأنها المختصة به دون سائر الكلم...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: النَّصْرُ: هُوَ الْمَعُونَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ}:

وَلِلْعَرَبِ فِي ذَلِكَ لُغَتَانِ: تَقُولُ ثَانِيَ اثْنَيْنِ، وَثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَرَابِعُ أَرْبَعَةٍ، بِمَعْنَى أَحَدُهُمَا، مُشْتَقَّةٌ من الْمُضَافِ إلَيْهِ. وَتَقُولُ أَيْضًا: خَامِسُ أَرْبَعَةٍ، أَيْ الَّذِي صَيَّرَهُمْ خَمْسَةً.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: {إلَّا تَنْصُرُوهُ}: يَعْنِي يُعِينُوهُ بِالنَّفِيرِ مَعَهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ بِصَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودِ الْمَلَائِكَةِ.

رَوَى أَصْبَغُ، وَأَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الْغَارِ إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. قَالَ: فَرَأَيْت مَالِكًا يَرْفَعُ بِأَبِي بَكْرٍ جِدًّا لِهَذِهِ الْآيَةِ.

قَالَ: وَكَانُوا فِي الْهِجْرَةِ أَرْبَعَةً، مِنْهُمْ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَرُقَيْطُ الدَّلِيلُ.

قَالَ غَيْرُ مَالِكٍ: يُقَالُ أُرَيْقِطُ قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَحَقٌّ أَنْ يَرْفَعَ مَالِكٌ أَبَا بَكْرٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَفِيهَا عِدَّةُ فَضَائِلَ مُخْتَصَّةٍ لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِ، مِنْهَا قَوْلُهُ: إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، فَحَقَّقَ لَهُ تَعَالَى [قَوْلَهُ لَهُ] بِكَلَامِهِ، وَوَصَفَ الصُّحْبَةَ فِي كِتَابِهِ مَتْلُوًّا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَمِنْهَا قَوْلُهُ: {إنَّ اللَّهَ مَعَنَا}. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ فِي الْغَارِ: (يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّك بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهَا؟) وَهَذِهِ مَرْتَبَةٌ عُظْمَى، وَفَضِيلَةٌ شَمَّاءُ، لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ ثَالِثُ اثْنَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَبُو بَكْرٍ، كَمَا أَنَّهُ قَالَ مُخْبِرًا عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبِي بَكْرٍ ثَانِيَ اثْنَيْنِ.

وَمِنْهَا قَوْلُهُ: {لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا}. وَقَالَ مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى وَبَنِي إسْرَائِيلَ: (كَلًّا إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ).

قَالَ لَنَا أَبُو الْفَضَائِلِ الْمُعَدِّلُ: قَالَ لَنَا جَمَالُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْقَاسِمِ قَالَ مُوسَى: (كَلًّا إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ)، وَقَالَ فِي مُحَمَّدٍ وَصَاحِبِهِ: (لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا). لَا جَرَمَ لَمَّا كَانَ اللَّهُ مَعَ مُوسَى وَحْدَهُ ارْتَدَّ أَصْحَابُهُ بَعْدَهُ، فَرَجَعَ من عِنْدِ رَبِّهِ، وَوَجَدَهُمْ يَعْبُدُونَ الْعِجْلَ.

وَلَمَّا قَالَ فِي مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ مَعَنَا، بَقِيَ أَبُو بَكْرٍ مُهْتَدِيًا مُوَحِّدًا، عَالِمًا عَازِمًا، قَائِمًا بِالْأَمْرِ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ اخْتِلَالٌ.

وَمِنْهَا قَوْلُهُ: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ}:

فِيهِ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: عَلَى النَّبِيِّ. الثَّانِي: عَلَى أَبِي بَكْرٍ.

قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَهُوَ الْأَقْوَى؛ لِأَنَّ الصِّدِّيقَ خَافَ عَلَى النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -من الْقَوْمِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ؛ لِيَأْمَنَ عَلَى النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فَسَكَنَ جَأْشُهُ، وَذَهَبَ رَوْعُهُ، وَحَصَلَ لَهُ الْأَمْنُ، وَأَنْبَتَ اللَّهُ شَجَرَ ثُمَامِهِ، وَأَلْهَمَ الْوَكْرَ هُنَالِكَ حَمَامَهُ، وَأَرْسَلَ الْعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلَيْهِ بَيْتًا، فَمَا أَضْعَفَ هَذِهِ الْجُنُودِ فِي ظَاهِرِ الْحِسِّ؛ وَمَا أَقْوَاهَا فِي بَاطِنِ الْمَعْنَى. وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِعُمَرَ حِينَ تَغَامَرَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: (هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي، إنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ قَالُوا كَذَبْت، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْت).

وَمِنْهَا: أَنَّهُ جَعَلَ أَبَا بَكْرٍ فِي مُقَابَلَةِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعَ، فَقَالَ: (إلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ بِصَاحِبِهِ فِي الْغَارِ، بِتَأْنِيسِهِ لَهُ، وَحَمْلِهِ عَلَى عُنُقِهِ)؛ [وَوَفَائِهِ لَهُ] بِوِقَايَتِهِ لَهُ [بِنَفْسِهِ]، وَبِمُوَاسَاتِهِ بِمَالِهِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ (أَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ من السَّمَاءِ، فَوُزِنَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -بِالْخَلْقِ فَرَجَحَهُمْ ثُمُّ وُزِنَ أَبُو بَكْر بِالخَلْقِ فَرَجَحَهُم)؛ وَبِهَذِهِ الْفَضَائِلِ اسْتَحَقَّ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاِتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا. وَسَبَقَتْ لَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ الْفَضِيلَةُ عَلَى النَّاسِ.

رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ.

وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ أَبُو بَكْرٍ. وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ النُّورِ بَيَانُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى إنْ شَاءَ اللَّهُ...

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْفِرَارِ من خَوْفِ الْعَدُوِّ، وَتَرْكِ الصَّبْرِ عَلَى مَا يَنْزِلُ من بَلَاءِ اللَّهِ، وَعَدَمِ الِاسْتِسْلَامِ الْمُؤَدِّي إلَى الْآلَامِ وَالْهُمُومِ، وَأَلَّا يُلْقِيَ بِيَدِهِ إلَى الْعَدُوِّ، تَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكُمْ لَعَصَمَهُ مَعَ كَوْنِهِ مَعَهُمْ، وَلَكِنَّهَا سُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَسِيرَةُ الْأُمَمِ، حَكَمَ اللَّهُ بِهَا لِتَكُونَ قُدْرَةً لِلْخَلْقِ، وَأُنْمُوذَجًا فِي الرِّفْقِ، وَعَمَلًا بِالْأَسْبَابِ.

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَالَتْ الْإِمَامِيَّةُ قَبَّحَهَا اللَّهُ: حُزْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي الْغَارِ مَعَ كَوْنِهِ مَعَ النَّبِيِّ دَلِيلٌ عَلَى جَهْلِهِ وَنَقْصِهِ وَضَعْفِ قَلْبِهِ وَحَيْرَتِهِ.

أَجَابَ عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: لَا تَحْزَنْ، لَيْسَ بِمُوجِبٍ بِظَاهِرِهِ وُجُودَ الْحُزْنِ، إنَّمَا يَقْتَضِي مَنْعَهُ مِنْهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَلَعَلَّ النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -قَالَ لَهُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي طُمَأْنِينَةِ قَلْبِهِ؛ فَإِنَّ الصِّدِّيقَ قَالَ لِلنَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا. فَقَالَ لَهُ: {لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا}؛ لِتَطْمَئِنَّ نَفْسُهُ.

الثَّانِي: أَنَّ الصِّدِّيقَ لَا يَنْقُصُهُ إضَافَةُ الْحُزْنِ إلَيْهِ، كَمَا لَمْ تَنْقُصْ إبْرَاهِيمَ حِينَ قِيلَ عَنْهُ: {نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}. وَلَمْ يَنْقُصْ مُوسَى قَوْلُهُ عَنْهُ: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى}.

وَهَذَانِ الْعَظِيمَانِ قَدْ وُجِدَتْ عِنْدَهُمْ التَّقِيَّةُ نَصًّا، وَإِنَّمَا هِيَ عِنْدَ الصِّدِّيقِ هَاهُنَا بِاحْتِمَالٍ.

الثَّالِثُ: أَنَّ حُزْنَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لِشَكٍّ وَحَيْرَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ خَوْفًا عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ ضَرَرٌ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَعْصُومًا من الضَّرَرِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَعِيفَ الْقَلْبِ، وَهُوَ لَمْ يَسْتَخْفِ حِينَ مَاتَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ بَلْ ظَهَرَ وَقَامَ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ بِقُوَّةِ يَقِينٍ، وَوُفُورِ عِلْمٍ، وَثُبُوتِ جَأْشٍ، وَفَصْلٍ لِلْخُطْبَةِ الَّتِي تُعْيِي الْمُحْتَالِينَ.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما وصف سبحانه نفسه الأقدس بما هو له أهل من شمول القدرة وعظيم البأس والقوة، أتبع ذلك بدليل يتضمن أن المستنفر لهم -وهو نبيه صلى الله عليه وسلم- غير محتاج إليهم ومتوقف نصره عليهم كما لم يحتج إليهم -بحياطة القادر له- فيما مضى من الهجرة التي ذكرها، وأن نفع ذلك إنما هو لهم باستجلاب ما وعدوه واستدفاع ما أوعدوه في الدارين المشار إلى ذلك كله بقوله {فما متاع الحياة الدنيا} الآية وقوله {إلا تنفروا} -الآية، فقال: {إلا تنصروه} أي أنتم طاعة لأمر الله، والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم إما على طريق الاستخدام من سبيل الله لأنه الموضح له الداعي إليه، أو لتقدم اسمه الشريف إضماراً في قوله {إذا قيل لكم} أي من رسول الله صلى عليه وسلم استنصاراً منه لكم، وإظهاراً في قوله تعالى (هو الذي أرسل رسوله} [التوبة: 34] الآية وقوة ما في كل جملة من المناسبة المقتضية لأن تعانق التي بعدها ولا تنفك عنها قصر الفصل بين الظاهر وضميره، وذكر الغار والصاحب أوضح الأمر. وذلك أنه سبحانه لما عابهم باتخاذ الرؤساء أرباباً اشتدت الحاجة إلى بيان أنهم في البعد عن ذلك على غاية لا تخفى على متأمل، فوصفهم بالأكل المستلزم للجسمية المستلزمة للحاجة...، و بأن مأكولهم أموال غيرهم باطلاً، وبأنهم يغشونهم لصدهم إياهم عن السبيل التي لا يخفى حسنها على من له أدنى نظر؛ ولما كان ذلك شديد الإثارة لتشوف النفوس إلى السؤال عن العرب: هل فعلوا فعلهم واتبعوا سنتهم؟ أجاب بأن عملهم في تحليل النسأة لهم بعض الأشهر الحرم وتحريم بعض أشهر الحل والزيادة في عدة أشهر السنة كعملهم سواء...

ولما أمر بقتال المشركين كافة وحثهم على التقوى، وكان بعضهم قد توانى في ذلك، اشتد اقتضاء الحال لمعاتبة على التثاقل عن النفر، فلما تم ذلك في هذا الأسلوب البديع والطراز الرفيع حث على نصر الرسول الذي أرسله ليظهره على الدين كله فقال جواباً للشرط: {فقد} أي إن لم يتجدد منكم له نصر فإن الله قادر على نصره وسينصره ويغنيه عنكم ولا تضرون إلا أنفسكم فقد {نصره الله} أي الملك الأعظم وحده والأمر في غاية الشدة، ولا شك عند عاقل أن المستقبل عنده كالماضي {إذ} أي حين {أخرجه الذين} وعبر بالماضي لأن فيهم من أسلم بعد ذلك فقال: {كفروا} أي من مكة وهم في غاية التمالؤ عليه حين شاوروا في قتله أو إخراجه أو إثباته، فكان ذلك سبباً لإذن الله له في الخروج من بينهم حال كونه {ثاني اثنين} أي أحدهما أبو بكر رضي الله عنه ولا ثالث لهما ينصرهما إلا الله... {إذ هما في الغار} أي غار ثور الذي في أعلى الجبل المواجه للركن اليماني بأسفل مكة على مسيرة ساعة منها لمّا كمنا به ثلاث ليال ليفتر عنهما الطلب، وذلك قبل أن يصلا إليكم أو يعولا في النصر عليكم {إذ يقول} أي رسول الله صلى الله عليه وسلم {لصاحبه} أي أبي بكر الصديق رضي الله عنه وثوقاً بربه غير منزعج من شيء {لا تحزن} والحزن: هم غليظ بتوجع يرق له القلب، حزنه وأحزنه بمعنى؛ ... ثم علل نهيه لصاحبه بقوله معبراً بالاسم الأعظم مستحضراً لجميع ما جمعه من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي تخضع دونها صلاب الرقاب وتندك بعظمتها شوامخ الجبال الصلاب {إن الله} أي الذي له الأمر كله {معنا} أي بالعون والنصرة، وهو كاف لكل مهم، قوي على دفع كل ملم، فالذي تولى نصره بالحراسة في ذلك الزمان كان قادراً على أن يأمر الجنود التي أيده بها أن تهلك الكفار في كل موطن من غير أن يكون لكم في ذلك أمر أو يحصل لكم به أجر،...، وكما أنه كان موجوداً في ذلك الزمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى هو على ذلك في هذا الزمان وكل زمان، فتبين كالشمس أن النفع في ذلك إنما هو خاص بكم، وأنه سبحانه ما رتب هذا كله على هذا المنوال إلا لفوزكم، وفي هذه الآية من التنويه بمقدار الصديق وتقدمه وسابقته في الإسلام وعلو منصبه وفخامة أمره ما لا يعلمه إلا الذي أعطاه إياه؛ ... ولما كان رضي الله عنه نافذ البصيرة في المعارف الإلهية، راسخ القدم في ذلك المقام لذلك لم يتلعثم من أول الأمر في عناد جميع العباد بخلع الأنداد، ثم تدرب فيه مترقياً ثلاث عشرة سنة، وكان الذي به من القلق إنما هو الخوف من أن يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم أذى فيدركه من الحزن لذلك ما يهلكه قبل سروره بظهور الدين وقمع المعتدين، ولم يكن جبناً ولا سوء ظن، لما كان ذلك كذلك كان رضي الله عنه حقيقاً لحصول السكينة له عند سماع اسم الشريف الأعظم الدال على ذلك المقام المذكور بتلك العظمة التي يتلاشى عندها كل عظيم، ويتصاغر في جنبها كل كبير، ولذلك ذكر هذا الاسم الأعظم وقدم، وأشرك الصديق في المعية وبدأ بالنهي عن الحزن لأنه المقصود بالذات وما بعده علة له...

وأما بنو إسرائيل فلم يكن عندهم من المعرفة إلا ما شاهدوا من إحسانه تعالى إلى موسى عليه السلام بإظهار تلك الآيات على يده حتى استنقذهم بها مما كانوا فيه، ومنع موسى عليه السلام مع وحدته من سطوات فرعون على عظمته وما كان يواجهه به من المكروه، فلما رأوا جموعه مقبلة كان حالهم مقتضياً للسؤال عن ذلك المحسن بإظهار تلك الآيات: هل هو مع موسى عليه السلام على ما كان عليه فيمنعهم أم لا؟ فلذلك قدم إنكار الإدراك ثم إثبات المعية على سيبل الخصوص به، وعبر عن الإله باسم الرب الدال على ذلك الإحسان المذكور به فقال {كلا إن معي ربي} [الشعراء: 62] فكأن قيل: ماذا يفعل والبحر أمامنا والعدو وراءنا؟ فقال "سيهدين "أي إلى ما أفعل، يعرف ذلك من كان متضلعاً بالسير وقصص بني إسرائيل على ما ذكرتها في الأعراف عن التوراة،... مستحضراً لأن الصديق رضي الله عنه كان في صعودهما إلى الغار يذكر الرصد فيتقدم النبي صلى الله عليه وسلم ليفتديه بنفسه ثم يذكر الطلب فيتأخر ثم يذكر ما عن اليمين والشمال فينتقل إليهما، ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قتلت أنا فأنا رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة، وأنه كان عارفاً بأن الله تعالى تكفل بإظهار الدين على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم المتضمن لحراسة نفسه الشريفة قبل ذلك، ولذلك كان به في هذا اليوم من القلق ما ذكر، وكان عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أثبت الناس، ولذلك أتى بالفاء المعقبة في قوله: {فأنزل الله} أي الملك الأعظم {سكينته} أي السكون... المبالغ فيه المؤثر للنسك {عليه} أي الصديق- كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما -لأن السكينة لم تفارق النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عطف على نصره الله قوله: {وأيده} أي النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف الضمائر هنا لا يضر لأنه غير مشتبه {بجنود لم تروها} أي من الملائكة الكرام {وجعل كلمة} أي دعوة {الذين كفروا} أي أوقعوا الكفر من آمن منهم بعد ذلك وغيره {السفلى} فخيّب سعيهم ورد كيدهم، ثم ابتدأ الإخبار بما له سبحانه على الدوام من غير انقطاع أصلاً في وقت من الأوقات فقال: {وكلمة الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء، ونصبها يعقوب عطفاً على ما سبق {هي العليا} أي وحدها، لا يكون إلا ما يشاءه دائماً أبداً، فالله قادر على ذلك {والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {عزيز} أي مطلقاً يغلب كل شيء من ذلك وغيره {حكيم} لا يمكن أن ينقض شيء من مراده لما ينصب من الأسباب التي لا مطمع لأحد في مقاومتها فلا محيص عن نفوذها...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

قال عزَّ وجلَّ {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا} أي إلا تنصروا الرسول الذي استنفركم في سبيل الله على من أرادوا قتاله من أولياء الشيطان، فسينصره الله بقدرته وتأييده، كما نصره إذ أجمع المشركون على الفتك به، وأخرجوه من داره وبلده، أي اضطروه إلى الخروج والهجرة ولولا ذلك لم يخرج. وقد تكرر في التنزيل ذكر إخراج المشركين للرسول وللمؤمنين المهاجرين من ديارهم بغير حق، وليس المراد منه أنهم تولوا طردهم وإخراجهم مجتمعين ولا متفرقين؛ فإن أكثرهم خرج مستخفياً كما خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه رضي الله عنه، أو تقدير الكلام: إلا تنصروه فقد أوجب الله له النصر في كل حال وكل وقت حتى نصره في ذلك الوقت الذي لم يكن معه جيش ولا أنصار منكم بل حال كونه: {ثاني اثنين} أي أحدهما، فإن مثل هذا التعبير لا يعتبر فيه الأولية ولا الأولوية؛ لأن كل واحد منهما ثان للآخر، ومثله ثالث ثلاثة، ورابع أربعة، لا معنى له إلا أنه واحد من ثلاثة أو أربعة به تم هذا العدد. على أن الترتيب فيه إنما يكون بالزمان أو المكان، وهو لا يدل على تفضيل الأول على الثاني ولا الثالث أو الرابع على من قبله.. {إذ هما في الغار} أي في ذلك الوقت الذي كان فيه الاثنان في الغار المعروف عندكم، وهو غار جبل ثور. {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} أي إذ كان يقول لصاحبه الذي هو ثانيه -وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه- حين رأى منه أمارة الحزن والجزع، أو كلما سمع منه كلمة تدل على الخوف والفزع:"لا تحزن". الحزن انفعال نفسي اضطراري يراد بالنهي عنه مجاهدته وعدم توطين النفس عليه،...

والنهي عن الحزن -وهو تألم النفس مما وقع- يستلزم النهي عن الخوف مما يتوقع، وقد عبر عن الماضي بصيغة الاستقبال «يقول» للدلالة على التكرار المستفاد من بعض الروايات، ولاستحضار صورة ما كان في ذلك الزمان والمكان ليتمثل المخاطبون ما كان لها من عظمة الشأن، وعلل هذا النهي بقوله: {إن الله معنا} أي لا تحزن لأن الله معنا بالنصر والمعونة، والحفظ والعصمة، والتأييد والرحمة، ومن كان الله تعالى معه بعزته التي لا تغلب، وقدرته التي لا تقهر، ورحمته التي قام ويقوم بها كل شيء فهو حقيق بأن لا يستسلم لحزن ولا خوف، وهذا النوع من المعية الربانية أعلى من معيته سبحانه للمتقين والمحسنين في قوله: {واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل:127، 128]، والفرق بينهما أن المعية في آية سورة النحل لجماعة المتقين المجتنبين لما يجب تركه، والمحسنين لما يجب فعله، فهي معللة بوصف مشتق هو مقتضى سنة الله في عالم الأسباب لكل من كان كذلك، وإن كان الخطاب في النهي عن الحزن قبلها للرسول صلى الله عليه وسلم، وأما المعية هنا فهي لذات الرسول وذات صاحبه، غير مقيدة بوصف هو عمل لها؛ بل هي خاصة برسوله وصاحبه من حيث هو صاحبه، مكفولة بالتأييد بالآيات، وخوارق العادات، وكبر العنايات، إذ ليس المقام بمقام سنن الله في الأسباب والمسببات، التي يوفق لها المتقين والمحسنين المتقنين للأعمال...

يعلم هذا التفاوت بين النوعين من الحق الواقع إن لم يعلم من اللفظ وحده، وهي من قبيل قوله تعالى لموسى وهارون إذ أرسلهما إلى فرعون فأظهرا الخوف من بطشه بهما {قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} [طه:45، 46]، وقد كان خاتم النبيين أكمل منهما إذ لم يخف من قومه الخارجين في طلبه للفتك به كما سنذكره، وكان للصديق الأكبر أسوة حسنة بهما إذ خاف على خليله وصفيه الذي شرفه الله في ذلك اليوم الفذ بصحبته، وإنما نهاه صلى الله عليه وسلم عن الحزن لا عن الخوف، ونهى الله موسى وهارون عن الخوف لا عن الحزن، لأن الحزن تألم النفس من أمر واقع، وقد كان نهيه صلى الله عليه وسلم إياه عنه في الوقت الذي أدرك المشركون فيه الغار بالفعل...

وأما الخوف فهو انفعال النفس من أمر متوقع، وقد نهى الله رسوليه عنه قبل وقوع سببه وهو لقاء فرعون ودعوته إلى ما أمرهما به. والنهي عن الحزن يستلزم النهي عن الخوف كما تقدم، وقد كان الصديق خائفا وحزنا كما تدل عليه الروايات، وهو مقتضى طبع الإنسان. وحاصل المعنى إلا تنصروه بالنفر لما استنفركم له فإن الله تعالى قد ضمن له النصر، فهو ينصره كما نصره في ذلك الوقت الذي اضطره المشركون فيه بتألبهم عليه واجتماع كلمتهم على الفتك به في ذلك الوقت الذي كان فيه ثاني اثنين في الغار، أعزلين غير مستعدين للدفاع، وكان صاحبه فيه قد ساوره الحزن والجزع في ذلك الوقت الذي كان يقول له فيه -وهو آمن مطمئن بوعد الله وتأييده ومعيته الخاصة-: {لا تحزن إن الله معنا}، فنحن غير مكلفين بشيء من الأسباب أكثر مما فعلنا من استخفائنا هنا...

فتكرار الظرف «إذ» في المواضع الثلاثة مبدلاً بعضها من بعض في غاية البلاغة، به يتجلى تأييده تعالى لرسوله أكمل التجلي، فهو يذكرهم بوقت خروجه صلى الله عليه وسلم مهاجرا مع صاحبه بما كان من قريش من شدة الضغط والاضطهاد، وقد تقدم تفصيله في تفسير {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} [الأنفال:30] من سورة الأنفال، وسيعاد مختصرا في هذا السياق. ويتلوه تذكيرهم بإيوائه مع صاحبه إلى الغار لا يملكان من أسباب الدفاع عن أنفسهما شيئا. ثم يخص بالذكر وقت قوله لصاحبه {لا تحزن إن الله معنا}، أي أنه كان هو الذي يسلي صاحبه ويثبته لا أنه كان يتثبت به، [وهكذا كان شأنه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في كل وقت يشتد فيه القتال أيضا]، وكون سبب ذلك وعلته إيمانه الأكمل بمعية الله عزَّ وجلَّ الخاصة. فالعبرة لهم في هذه الذكريات الثلاث أن الله تعالى غني عن نفرهم مع رسوله بقدرته وعزته، وأن رسوله صلى الله عليه وسلم غني عن نصرهم له بنصره عزَّ وجلَّ وتأييده، وبقدرته على تسخير غيرهم له من جنوده وعباده، وقد بين تعالى أثر ذلك وعاقبته بقوله:... أما إنزال السكينة فذكر في ثلاث آيات فقط: أولاها: الآية الرابعة من سورة الفتح، والثانية: الآية السادسة والعشرون منها، وكان نزول السورة بعد صلح الحديبية الذي فتن فيه المؤمنون واضطربت قلوبهم بما ساءهم من شروطه التي عدوها إهانة لهم وفوزاً للمشركين، وأمرها مشهور، فكان من عناية الله تعالى بهم أن ثبت قلوبهم ومكنهم من فتح خيبر، وأنزل سورة الفتح مبيناً فيها حكم ذلك الصلح وفوائده، وامتن بذلك على رسوله وعليهم بقوله: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} إلى قوله {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليماً حكيماً} [الفتح: 1- 4]، فهذه سكينة خاصة بالمؤمنين، بين حكمتها العليم الحكيم، وفيها إشارة إلى جنود الملائكة لا تصريح...

ثم قال بعد ما تقدمت الإشارة إليه من حكم ذلك الصلح، وما أعقبه من الفتح: {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليماً} [الفتح: 26]، الأشهر في تفسير هذه الحمية أنها ما أباه المشركون في كتاب الصلح من بدئه بكلمة بسم الله الرحمن الرحيم، ومن وصف محمد صلى الله عليه وسلم فيه برسول الله وتعصبهم لما كان من عادة الجاهلية وهو: باسمك اللهم، وهذا مما ساء رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك، كما ساءه كراهة جمهور المسلمين الأعظم لهذا الصلح، ولكنه لم يكن ليضيع بذلك صلحا عظيما كان أول فتح لباب حرية دعوة الإسلام في المشركين، بوضع الحرب عشر سنين، فأنزل الله سكينته عليه وألهمه قبول شروطهم، وأنزلها على المؤمنين بعد أن هموا بمعارضته صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بالتحلل من عمرتهم فتلبثوا حتى خشي عليهم الهلاك، واستشار في ذلك زوجه أم سلمة فأشارت عليه بأن يخرج إليهم ويأمر حلاقه بحلق شعره، ففعل فاقتدوا به، بما أنزل الله عليهم من سكينته... والآية [الثالثة] هي ما تقدم في هذه السورة في سياق غزوة حنين إذ راع المسلمين رشق المشركين إياهم بالنبل، فانهزم المنافقون والمؤلفة قلوبهم، واضطرب جمهور المسلمين بهزيمتهم فولوا مدبرين، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه الكفار مع عدد قليل صار يكثر بعلمهم بموقفه، وقد حزن قلبه لتوليهم {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها} [التوبة: 26]، وما العهد بتفسيرها ببعيد، فهذه سكينته مشتركة بين الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين سكن بها ما عرض له صلى الله عليه وسلم من تأثير هزيمتهم، وسكن ما عرض لهم من الاضطراب لهزيمة المنافقين والمؤلفة قلوبهم كما تقدم...

{وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا} في الآية احتمالان: أحدهما أن يكون المراد بكلمة الذين كفروا كلمة الشرك والكفر، وبكلمة الله كلمة التوحيد وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعليه أهل التفسير المأثور، ووجهه أن عداوة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم إنما كانت لأجل دعوته إلى التوحيد الخالص من جميع شوائب الشرك وخرافات الوثنية، ولذلك قام أبو سفيان عند ظهور المشركين في أحد فقال رافعا صوته ليسمع المسلمون: أعل هبل، أعل هبل. وهبل صنمهم الأكبر، فأمر صلى الله عليه وسلم أن يجاب (الله أعلى وأجل)،... والاحتمال الثاني أن يكون المراد بكلمة الذين كفروا ما أجمعوه بعد التشاور في دار الندوة من الفتك به صلى الله عليه وسلم والقضاء على دعوته وهو ما تقدم في سورة الأنفال من قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} [الأنفال: 30] الخ، ويكون المراد بكلمة الله ما قضت به إرادته ومضت به سنته من نصر رسله، وبينه في مثل قوله: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات: 171- 173] وقوله: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} [المجادلة: 21] فهذه كلمة الله الإرادية القدرية التي كان من مقتضاها وعده لرسوله الأعظم بالنصر. وفسر بعضهم كلمته هنا بما وعده من إحباط كيدهم ورد مكرهم في نحورهم وهو قوله في تتمة الآية {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [الأنفال:30]، وما قلناه هو الأصل والقول الفصل، وهذا مبني عليه...

وقد قرأ الجمهور [وكلمة الله] بالرفع لإفادة أنها العليا المرفوعة بذاتها لا بجعل وتصيير، ولا كسب وتدبير، وقرأها يعقوب بالنصب. والمراد من القراءتين معا أنها هي العليا بالذات ثم بما يكون من تأييد الله لأهلها القائمين بحقوقها بجعلهم بها أعلى من غيرهم كما قال: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139]، وبجعلها بهم ظاهرة بالعلم والعمل تعلو كل ما يخالفها عند غيرهم. فإن كان المراد بها ما تعلقت به إرادته تعالى ومضت به سنته من نصر رسله وإظهار دينه [وهي كلمة التكوين] فالأمر ظاهر لأن ما تتعلق مشيئته تعالى به كائن لا محالة لا يوجد ما يعارضه فيعلو عليه أو يساويه، وكذلك إن أريد بها الخبر الإلهي بهذا النصر والوعد به الذي هو بيان لهذه السنة التي هي من متعلقات صفة الإرادة، بناء على أنه مما أوحاه إليهم، ومنه قوله تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} [غافر:51] الخ {قوله الحق..} {ولن يخلف الله وعده} [الحج:47]، والخبر والوعد من متعلقات صفة الكلام. فكلمة التكوين الإرادية وكلمة التكليف الخبرية متحدتان في هذا الموضوع. وأما على القول بأن المراد بها كلمة التوحيد أو دينه تعالى المبني على أساس توحيده فالنظر... فيها من وجهين: أحدهما: مضمون الكلمة في الواقع، وهو وحدانيته تعالى، وهذه حقيقة قطعية قامت عليها البراهين، وكذا إن أريد بها هذا الدين عقائده وأحكامه وآدابه؛ إذ يقال: إنه كلمة التكليف أو كلماته، فهذه من حيث كونها من متعلقات صفة الكلام الإلهية لها صفة العليا بياناً وبرهاناً وحكمة ورحمة وفضلاً، ولا بد من تمامها صدقاً في الإخبار وعدلاً في الأحكام، كما قال تعالى في سورة الأنعام: {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم} [الأنعام: 116]...

والوجه الثاني: إقامة المكلفين لها بمعنييها، وهي تختلف باختلاف أحوالهم في العلم والإيمان والأخلاق، وما يترتب عليها من الأعمال، فمن هذا الوجه قد تخفى علويتها على الناس في بعض الأحيان. إذ ينظرون إليها في صفات المدعين لها وأعمالهم لا في ذاتها، وقد يكون هؤلاء غير قائمين بها ولا مقيمين لها. ومن عجائب ما روي لنا من إدراك بعض الإفرنج لعلوية كتاب الله تعالى بسعة علمه وعقله أن عاهل الألمان الأخير قال لشيخ الإسلام في الحكومة العثمانية لما زار الاستانة في أثناء الحرب الكبرى: يجب عليكم وأنتم دولة الخلافة الإسلامية أن تفسروا هذا القرآن تفسيرا تظهر به علويته!!! كما أدرك هذه العلوية الوليد بن المغيرة من كبراء مشركي قريش بذكائه ودقة فهمه وبلاغته إذ كان مما قاله فيه: وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. وراجع ما قلناه في تفسير {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33] من هذه السورة وما هو ببعيد... وأما كلمة الذين كفروا فقد كانت لا مقابل ولا معارض لها قبل الإسلام من حيث القيام بها لتوصف بالوصف اللائق بها، وهو السفلية، سواء أريد بها كلمة الشرك أو كلمة الحكم، فقد كان لأهلها السيادة في بلاد العرب حتى مكة المكرمة، ودنسوا بيت الله بأوثانهم، فأذل الله أهلها وأزال سيادتهم بظهور الإسلام بعد كفاح معروف، وإن أريد بها تقريرهم لقتل النبي صلى الله عليه وسلم فالأمر ظاهر أيضا. وكل من الأمرين حصل بجعل الله وتدبيره ثم بكسب المؤمنين وجهادهم. وأما كلمة الكفر في نفسها، وبصرف النظر عن تلبس بعض الشعوب أو القبائل بها، فلا حقيقة لها. أعني أن الشرك لا حقيقة لمضمونه في الوجود وإنما هو دعاوى لفظية صادرة عن وساوس شيطانية خيالية، كما قال تعالى: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباءكم ما أنزل الله بها من سلطان} [الأعراف:71]...

الكلمة الثانية مناقب الصديق في قصة الهجرة قد دلت هذه الآية الكريمة وما يفسرها ويشرحها من الأحاديث الصحيحة وما في معناها من الأخبار والآثار مما دونها في الرواية على مناقب وفضائل لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه امتاز بهما على جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نذكر منها ما يتبادر إلى الفهم بغير تكلف لبداهته، ومن غير مراعاة ترتيب. الأولى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمن على سره وعلى نفسه في هذه الحادثة التي كانت أهم حوادث رسالته، وأشدها خطراً، وخيرها عاقبة، غير صاحبه الأول أبي بكر الصديق، وإن شئت قلت: إنه لم يختر لصحبته وإيناسه فيها غيره. ويؤيد ما رواه ابن عدي وابن عساكر من طريق الزهري عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان: (هل قلت في أبي بكر شيئا؟ قال نعم، قال: (قل وأنا أسمع) فقال:... وثاني اثنين في الغار المنيف وقد طاف العدو به إذ صعَّد الجبلا وكان حب رسـول الله قد علمـوا من البرية لم يعـدل به رجـلا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال: (صدقت يا حسان هو كما قلت). الثانية: أنه صلى الله عليه وسلم رضي أن تكون نفقة هذه الرحلة من مال أبي بكر الذي أنفق جميع ماله في خدمته صلى الله عليه وسلم، إلا أنه أحب أن تكون الراحلة التي ركبها بالثمن يدفعه بعد ذلك. وتقدم ما قاله بعض العلماء في تعليل ذلك.

وفي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب غضب من أبي بكر رضي الله عنه في محاورة بينهما، فطلب منه أبو بكر أن يغفر له فأبى، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يغفر الله لك يا أبا بكر) ثلاثا ـ قال الراوي: وهو أبو الدرداء رضي الله عنه ـ ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فقال: أثمَّ أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى... النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فجعل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمعر حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله والله أنا كنت أظلم ـ مرتين ـ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي)؟ -مرتين- فما أوذي أبو بكر بعدها. وقد صرح أيضا بأن أمن الناس عليه في ماله ونفسه أبو بكر. رواه الشيخان وغيرهما. الثالثة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يختر في ذلك وأمثاله إلا ما اختاره الله تعالى له، فهذا تفضيل من الله عز وجل للصديق على غيره من أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم...

الرابعة: ذكره عز وجل في كتابه العزيز بهذا الثناء العظيم الذي لم يشاركه فيه أحد من المؤمنين في مقام إطلاق الإنكار عليهم، والتوبيخ لهم على تثاقلهم عن إجابة استنفار رسوله صلى الله عليه وسلم إياهم بأمره...

أخرج خيثمة بن سليمان الأطرابلسي في فضائل الصحابة وابن عساكر من طريق الزهري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن الله ذم الناس كلهم ومدح أبا بكر رضي الله عنه فقال: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}... الخامسة: أمره صلى الله عليه وسلم عليا كرم الله وجهه أن يبلغ الناس في موسم الحج هذه الآية في جملة ما بلغه من أول سورة براءة، كما تقدم في أول تفسير السورة، وفي ذلك حكم بالغة تقطع كل وتين من قلوب الرافضة، وإن لم تقطع ألسنتهم الكاذبة الخاطئة. السادسة: قوله تعالى في رسوله صلى الله عليه وسلم وفيه [ثاني اثنين]، فهذا القول من رب العالمين -في خطاب جميع المؤمنين في هذا المقام والسياق...

فيه دلالة واضحة على فضل هذين الاثنين، وكون الصديق هو الثاني في المرتبة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما يقتضيه المقام للهجرة الشريفة من الفضائل والمزايا... السابعة: وهي تؤيد ما تضمنه معنى الاثنينية من رفعة المقام، قوله صلى الله عليه وسلم له: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثها؟)، وإنها لمنقبة تتضاءل دونها المناقب، ومرتبة تنحدر عن عليا سمائها المراتب، أكبر أعلم رسل الله بالله أمرها، وهو أعلم بقدرها، فإن قوله صلى الله عليه وسلم (ما ظنك يا أبا بكر) بكذا يراد به أنه لا يمكن أن تحوم الظنون أو تنتهي الآراء والأفكار إلى شأن أعلى من شأنها، ومنعة أعز من منعتها الخ...

الثامنة: حكاية رب العزة والجلال لقول رسوله الذي ختم به النبيين، وأرسله رحمة للعالمين، لهذا الصاحب الصديق المكي {لا تحزن إن الله معنا}، فهي دليل على أنه قال له ذلك بإذنه تعالى ووحيه، لا من حسن ظنه صلى الله عليه وسلم بربه واجتهاد رأيه، على أنه لو كان اجتهادا أقره ربه عليه وحكاه عنه، وجعله مما يتعبد به المؤمنون ما دامت السموات والأرض، لكانت قيمته في غايته، بمعنى ما كان من الوحي منذ بدايته، وهذا يؤيد كون ما ذكرناه في تفسير المعية من كونها معية خاصة من نوع المعية التي أيد الله تعالى بها موسى وهارون عليهما السلام، إلا أنها أعلى في ذاتها وشخصها من كل أفراد هذا النوع، فالمعية الإلهية معنى إضافي يختلف باختلاف موضعه ومتعلقه، فمعية العلم عامة كقوله تعالى: {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكبر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم...} [المجادلة: 7]، وهي لا تشريف فيها لأهلها بل هي تهديد لهم، وإنذار بأن الله مطلع على كل ما يصدر عنهم، وأنه سيحاسبهم عليه ويجزيهم به، وأعلى منها معيته تعالى للمتقين والمحسنين، وهي تتضمن معنى التوفيق واللطيف كما تقدم، ففيها شرف عظيم، وأعلى منها معيته عز وجل للأنبياء والمرسلين في مقام التأييد على الأعداء المناوئين. وهي أعلى الأنواع كما علمت؛ ولم يثبت لأحد من غيرهم حظ منها إلا ما ثبت للصديق هنا...

التاسعة: إنزال الله تعالى سكينته عليه على ما تقدم من التفسير المنقول المعقول، وهي منقبة لم يرد في التنزيل إثباتها لشخص معين قبله ولا بعده إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما ورد إثباتها لجماعة المؤمنين كما تقدم، وقد كان رضي الله تعالى عنه قائماً مقام جميع المؤمنين في الغار، وسائر رحلة الهجرة الشريفة في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما نزل التنويه بذلك في أواخر مدة الهجرة أي سنة تسع منها، وقد روينا لك ما قاله علي المرتضى كرم الله وجهه وغيره من تفضيله على جميع المؤمنين بهذه الآية من قبل الله عز وجل، وأنه كان المبلغ لها عن الرسول صلى الله عليه وسلم في موسم الحج. العاشرة: تأييده بجنود لم يرها المخاطبون من المؤمنين- وهي الملائكة- بناء على القول بعطف جملة التأييد على جملة إنزال السكينة كما تقدم شرحه، ويأتي في هذا ما ذكرناه فيما قبله من الخصوصية، وجعل أبي بكر في مقام المؤمنين كافة مع تفضيله عليهم... الحادية عشرة: إثبات الله تعالى صحبته لرسوله صلى الله عليه وسلم في أعظم مواطن بعثته، وأطوار نبوته، فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد سمى أتباعه في عهده أصحابا تواضعا منه وتربية لهم على احترام جميع أفراد الأمة ومعاملتهم بالعدل والمساواة، وإزالة لما كان في الجاهلية من احتقار بعض القبائل لبعض، واحتقار الأغنياء والرؤساء لمن دونهم، وإبطالاً لما كان في شعوب أخرى كالهنود من جعل الناس طبقات بعضها فوق بعض بالحكم والتوارث ـ وهو صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الجميع، ولإصلاح الجميع ـ فإن هذا لا ينافي ما جرت به سنة الله تعالى في خلقه وأقرته شريعة الحق والعدل لخاتم رسله من تفاضل أفراد الناس بعضهم على بعض بالإيمان والعلم والعمل ومعالي الأخلاق {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13]، {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ورحمة} [النساء: 95، 96] {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أعظم درجة عند الله} [التوبة: 20] الخ. وقد أجمع المسلمون على أن المهاجرين السابقين الأولين أفضل من سائر المؤمنين، وورد في فضائل الهجرة آيات وأحاديث كثيرة معروفة...، وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن أبا بكر رضي الله عنه أول المهاجرين، وأنه امتاز بهجرته مع الرسول نفسه بإذن ربه ورغبته صلى الله عليه وسلم من قبل الإذن الإلهي له، إذ منع أبا بكر من الهجرة وحده انتظارا منه لإذن الله تعالى له بهجرته معه كما تقدم في الحديث الصحيح، فلا غرو أن يكون له كل ما علمنا من المزايا في الهجرة، وأن يكون بها أفضل المهاجرين بعد سيد المهاجرين صلى الله عليه وسلم، وأن تكون صحبته أفضل وأكمل من صحبة غيره... وفي قوله صلى الله عليه وسلم في حديث مغاضبة عمر له على مسمع من الصحابة: (فهل أنتم تاركو لي صاحبي) إشعار بأنه الصاحب الأكمل له صلى الله عليه وسلم، فهو قد أضافه إلى نفسه، كما أضافه الله تعالى إليه في كتابه، إذ الإضافة هنا كالإضافة في قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده} [الإسراء: 1] إضافة تشريف واختصاص، فإن جميع الخلق عبيد الله {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً} [مريم: 93]... الثانية عشرة: حكاية الله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال له: {لا تحزن}، فكونه صلى الله عليه وسلم يعني بتسليته وطمأنته أمر عظيم، وإخبار الله بذلك فيما يتعبد به المؤمنون إلى يوم القيامة أمر أعظم. وناهيك بتعليله بما علله به من معية الله عز وجل لهما. وهذا النهي عن الحزن لم يرد في غير هذا الموضع من القرآن خطاباً من قبله تعالى إلا للنبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ـ وورد خطاباً من الملائكة للوط عليه السلام ـ وقد علل في آخر سورة النحل بمعية الله تعالى للمتقين والمحسنين، وعلل هنا بالمعية التي هي أخص منها وأعلى كما تقدم شرحه...

الثالثة عشرة: إن القرآن العظيم كلام الله تعالى، وهو أكمل كتاب أنزله الله تعالى على خاتم رسله لهداية البشر كافة، فهو يمدح الإيمان والأعمال الصالحة والصفات الحميدة وأهلها، ويذم الكفر والشرك والأعمال السيئة والصفات القبيحة وأهله، ولا ترى فيه مدحاً لشخص معين من هذه الأمة غير رسولها صلى الله عليه وسلم إلا لصاحبه الأكبر أبي بكر رضي الله عنه، ولا ذما لشخص معين من الكفار غير أبي لهب وامرأته. فاختصاص أبي بكر بالمدح من رب العالمين في هذه الآية منقبة لا يشاركه فيها أحد من هذه الأمة تدل على فضله على كل فرد من أفرادها، وهذا المعنى أي الاختصاص غير موضوع المدح المتقدم تفصيله فهو يجعل قيمته مضاعفة؛ إذ لو كان في التنزيل مدح لغيره كالأحاديث الشريفة الواردة في فضائله وفضائل آخرين من أهل بيته صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما كانت هذه منقبة خاصة بالصديق، وإن كان المدح المفروض لغيره دون مدحه في موضوعه، كما هو شأن أحاديث المناقب...، فكيف وقد... جاء هذا المدح في سياق توبيخ المؤمنين على التثاقل في إجابة الرسول إلى ما استنفرهم له كما تقدم شرحه والآثار فيه...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ويضرب اللّه لهم المثل من الواقع التاريخي الذي يعلمونه، على نصرة اللّه لرسوله بلا عون منهم ولا ولاء، والنصر من عند اللّه يؤتيه من يشاء: (إلا تنصروه فقد نصره اللّه إذ أخرجه الذين كفروا، ثاني اثنين إذ هما في الغار. إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن اللّه معنا. فأنزل اللّه سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة اللّه هي العليا، واللّه عزيز حكيم) ذلك حين ضاقت قريش بمحمد ذرعاً، كما تضيق القوة الغاشمة دائماً بكلمة الحق، لا تملك لها دفعاً، ولا تطيق عليها صبراً، فائتمرت به، وقررت أن تتخلص منه؛ فأطلعه اللّه على ما ائتمرت، وأوحى إليه بالخروج، فخرج وحيداً إلا من صاحبه الصدّيق، لا جيش ولا عدة، وأعداؤه كثر، وقوتهم إلى قوته ظاهرة. والسياق يرسم مشهد الرسول -[صلى الله عليه وسلم]- وصاحبه: (إذ هما في الغار). والقوم على إثرهما يتعقبون، والصديق -رضي اللّه عنه- يجزع -لا على نفسه ولكن على صاحبه- أن يطلعوا عليهما فيخلصوا إلى صاحبه الحبيب، يقول له: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه. والرسول -[صلى الله عليه وسلم]- وقد أنزل اللّه سكينته على قلبه، يهدئ من روعه ويطمئن من قلبه فيقول له:"يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما؟". ثم ماذا كانت العاقبة، والقوة المادية كلها في جانب، والرسول -[صلى الله عليه وسلم]- مع صاحبه منها مجرد؟ كان النصر المؤزر من عند اللّه بجنود لم يرها الناس. وكانت الهزيمة للذين كفروا والذل والصغار: (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى). وظلت كلمة اللّه في مكانها العالي منتصرة قوية نافذة: (وكلمة اللّه هي العليا).. وقد قرئ (وكلمة اللّه) بالنصب. ولكن القراءة بالرفع أقوى في المعنى. لأنها تعطي معنى التقرير. فكلمة اللّه هي العليا طبيعة وأصلاً، بدون تصيير متعلق بحادثة معينة. واللّه (عزيز) لا يذل أولياؤه (حكيم) يقدر النصر في حينه لمن يستحقه. ذلك مثل على نصرة اللّه لرسوله ولكلمته؛ واللّه قادر على أن يعيده على أيدي قوم آخرين غير الذين يتثاقلون ويتباطأون. وهو مثل من الواقع إن كانوا في حاجة بعد قول اللّه إلى دليل!...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

... والتعريف في الغار للعهد، لغار يعلمه المخاطبون، وهو الذي اختفى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين خروجهما مهاجِريْن إلى المدينة، وهو غارٌ في جبل ثَوْر خارج مكة إلى جنوبيها، بينه وبين مكة نحو خمسة أميال، في طريق جبليّ.

والغار الثقب في التراب أو الصخر.

... والصاحب هو {ثاني اثنين} وهو أبو بكر الصديق. ومعنى الصاحب: المتّصف بالصحبة، وهي المعية في غالب الأحوال، ومنه سمّيت الزوجة صاحبة، كما تقدّم في قوله تعالى: {ولم تكن له صاحبة} في سورة الأنعام (101). وهذا القول صدر من النبي لأبي بكر حين كانا مختفيين في غار ثور، فكان أبو بكر حزيناً إشفاقاً على النبي أن يشعر به المشركون، فيصيبوه بمضرّة، أو يرجعوه إلى مكة.

والمعية هنا: معية الإعانة والعناية، كما حكى الله تعالى عن موسى وهارون: {قال لا تخافا إنني معكما} [طه: 46] وقوله {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم} [الأنفال: 12].

{فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى وَكَلِمَةُ الله هِي العليا والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

التفريع مؤذن بأنّ السكينة أنزلت عقب الحُلول في الغار، وأنّها من النصر، إذ هي نصر نفساني، وإنّما كان التأييد بجنود لم يروها نصراً جثمانياً. وليس يلزم أن يكون نزول السكينة عقب قوله: {لا تحزن إن الله معنا} بل إنّ قوله ذلك هو من آثار سكينة الله التي أنزلت عليه، وتلك السكينة هي مظهر من مظاهر نصر الله إيّاه، فيكون تقدير الكلام: فقد نصره الله فأنزل السكينة عليه وأيّده بجنود حين أخرجه الذين كفروا، وحِين كان في الغار، وحين قال لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا. فتلك الظروف الثلاثة متعلّقة بفعل {نصره} على الترتيب المتقدّم، وهي كالاعتراض بين المفرّع عنه والتفريع، وجاء نظم الكلام على هذا السبك البديع للمبادأة بالدلالة على أنّ النصر حصل في أزمان وأحوال ما كان النصر ليحصل في أمثالها لغيره لولا عناية الله به، وأنّ نصره كان معجزةً خارقاً للعادة.

وبهذا البيان تندفع الحيرة التي حصلت للمفسّرين في معنى الآية، حتّى أغرب كثير منهم فأرجع الضمير المجرور من قوله: {فأنزل الله سكينته عليه} إلى أبي بكر، مع الجزم بأنّ الضمير المنصوب في {أيّده} راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنشأ تشتيت الضمائر، وانفكاك الأسلوب بذكر حالة أبي بكر، مع أنّ المقام لذكر ثباتِ النبي صلى الله عليه وسلم وتأييد الله إيّاه، وما جاء ذكر أبي بكر إلاّ تبعاً لذكر ثبات النبي عليه الصلاة والسلام، وتلك الحيرة نشأت عن جعل {فأنزل الله} مفرّعاً على {إذ يقول لصاحبه لا تحزن} وألجأهم إلى تأويل قوله: {وأيده بجنود لم تروها} إنّها جنود الملائكة يوم بدر، وكلّ ذلك وقوف مع ظاهر ترتيب الجمل، مع الغفلة عن أسلوب النظم المقتضي تقديماً وتأخيراً.

والسكينة: اطمئنان النفس عند الأحوال المخوفة، مشتقّة من السكون، وقد تقدّم ذكرها عند قوله تعالى: {فيه سكينة من ربكم} في سورة البقرة (248).

والتأييد: التقوية والنصر، وهو مشتقّ من اسم اليَدِ، وقد تقدّم عند قوله تعالى {وأيدناه بروح القدس} في سورة البقرة (87).

والجنود: جمع جند بمعنى الجيش، وقد تقدم عند قوله تعالى: {فلما فصل طالوت بالجنود} في سورة البقرة (249)، وتقدّم آنفاً في هذه السورة.

ثم جوز أن تكون جملة {وأيده بجنود} معطوفة على جملة {فأنزل الله سكينته عليه} عطف تفسير فيكون المراد بالجنود الملائكة الذين ألقوا الحيرة في نفوس المشركين فصرفوهم عن استقصاء البحث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإكثار الطلب وراءهُ والترصّدِ له في الطرق المؤدّية والسبل الموصلة، لا سيما ومن الظاهر أنّه قصد يثرب مهاجَرَ أصحابه، ومدينة أنصاره، فكان سهلاً عليهم أن يرصدوا له طرق الوصول إلى المدينة.

ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة {أخرجه والتقدير: وإذ أيده بجنود لم تروها أي بالملائكة، ويوم بدر، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، كما مر في قوله: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها} [التوبة: 26].

(والكلمة) أصلها اللفظة من الكلام، ثم أطلقت على الأمر والشأن ونحوِ ذلك من كلّ ما يتحدّث به الناس ويخبر المرءُ به عن نفسه من شأنه، قال تعالى: {وجعلها كلمة باقية في عقبه} [الزخرف: 28] (أي أبقى التبرىء من الأصنام والتوحيد لله شأنَ عقبه وشعارهم) وقال {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات} [البقرة: 124] أي بأشياء من التكاليف كذبح ولده، واختتانه، وقال لمريم {إن الله يبشرك بكلمة منه} [آل عمران: 45] أي بأمر عجيب، أو بولد عجيب، وقال {وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً} [الأنعام: 115] أي أحكامه ووعوده ومنه قولهم: لا تُفرقْ بين كلمة المسلمين، أي بين أمرهم واتّفاقهم، وجَمع الله كلمة المسلمين، فكلمةُ الذين كفروا شأنهم وكيدهم وما دبروه من أنواع المكر.

ومعنى السفلى الحقيرة لأنّ السُفل يكنّى به عن الحقارة، وعكسه قوله: {وكلمة الله هي العليا} فهي الدين وشأن رسوله والمؤمنين، وأشعر قوله: {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى} أنّ أمر المشركين كان بمظنّة القوة والشدّة لأنّهم أصحاب عدد كثير وفيهم أهل الرأي والذكاء، ولكنّهم لمّا شاقوا الله ورسوله خذلهم الله وقلب حالهم من علوّ إلى سفل.

وجملة {وكلمة الله هي العليا} مستأنفة بمنزلة التذييل للكلام لأنّه لمّا أخبر عن كلمة الذين كفروا بأنّها صارت سفلى أفاد أنّ العَلاء انحصر في دين الله وشأنه. فضمير الفصل مفيد للقصر، ولذلك لم تعطف كلمة الله على كلمة الذين كفروا، إذ ليس المقصود إفادةَ جعل كلمة اللَّهِ عُليا، لما يُشعر به الجعل من إحداث الحالة، بل إفادةَ أنّ العَلاء ثابت لها ومقصور عليها، فكانت الجملة كالتذييل لجعل كلمة الذين كفروا سفلى.

ومعنى جعلها كذلك: أنّه لمّا تصادمت الكلمتان وتناقضتا بطلت كلمة الذين كفروا واستقرّ ثبوت كلمة الله.

وقرأ يعقوب، وحده {وكلمةَ الله} بنصب (كلمة) عطفاً على {كلمة الذين كفروا السفلى} فتكون كلمة الله عُليا بجعل الله وتقديره.

وجملة {والله عزيز حكيم} تذييل لمضمون الجملتين: لأنّ العزيز لا يغلبه شيء، والحكيم لا يفوته مقصد، فلا جرم تكون كلمته العليا وكلمة ضدّه السفلى.

أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري 1439 هـ :

من الهداية: -وجوب نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في دينه في أمته في سنته.- شرف أبي بكر الصديق وبيان فضله -الإِسلام يعلو ولا يعلى عليه.