ثم التفت يوسف إلى الذي اعتقدَ أنه ناجٍ منهما ، وهو ساقي الملك ، فقال له : اذكر حالي عند سيدك يا هذا ، عساه يُنصفني وينقذني مما أنا فيه .
فشغل الشيطان ذلك الرجلَ بعد أن خرج من السجن وأنساه أن يذكر للملك قصة يوسف . وهكذا مكث يوسف في السجن بضع سنين .
والبِضعُ من ثلاثٍ إلى تسع ، ولا ندري كم المدة التي أمضاها على التحديد .
{ وَقَالَ } أي يوسف عليه السلام . { للَّذي ظَنَّ أَنَّهُ نَاج } أوثر على صيغة المضارع مبالغة في الدلالة على تحقيق النجاة حسبما يفيده قوله : { قضي الأمر } [ يوسف : 41 ] الخ ، وهو السر في إيثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال : للذي ظنه ناجياً { مِّنْهُمَا } أي من صاحبيه ، وإنما ذكر بوصف النجاة تمهيداً لمناط التوصية بالذكر بما يدور( {[380]} ) عليه الامتياز بينه وبين صاحبه المذكور بوصف الهلاك . والظانّ هو يوسف عليه السلام لا صاحبه ، وإن ذهب إليه بعض السلف لأن التوصية لا تدور على ظنّ الناجي بل على ظنّ يوسف عليه السلام وهو بمعنى اليقين كما في قوله تعالى : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } [ البقرة : 46 ] ونظائره . ولعل التعبير به من باب إرخاء العنان والتأدب مع الله تعالى ، فالتعبير على هذا بالوحي كما ينبئ عنه قوله : { قضي الأمر } [ يوسف : 41 ] الخ ، وقيل : هو بمعناه ، والتعبير بالاجتهاد والحكم بقضاء الأمر أيضاً اجتهادي . واستدل به من قال : إن تعبير الرؤيا ظني لا قطعي ، والجار والمجرور إما في موضع الصفة - لناج - أو الحال من الموصول ولا يجوز أن يكون متعلقاً - بناج - لأنه ليس المعنى عليه { اذْكُرْنِي } بما أنا عليه من الحال والصفة . { عنْدَ رَبِّكَ } سيدك ، روي أنه لما انتهى بالناجي في اليوم الثالث إلى باب السجن قال له : أوصني بحاجتك ، فقال عليه السلام : حاجتي أن تذكرني عند ربك وتصفني بصفتي التي شاهدتها { فَأَنْسَاهُ الشيْطَانُ } أي أنسى ذلك الناجي بوسوسته وإلقائه في قلبه أشغالاً حتى يذهل عن الذكر ، وإلا فالإنساء حقيقة لله تعالى ، والفاء للسببية فإن توصيته عليه السلام المتضمنة للاستعانة بغيره سبحانه وتعالى كانت باعثة لما ذكر من إنسائه { ذكْرَ رَبِّه } أي ذكر يوسف عليه السلام عند الملك ، والإضافة لأدنى ملابسة ، ويجوز أن تكون من إضافة المصدر إلى المفعول بتقدير مضاف أي ذكر إخبار ربه .
{ فَلَبثَ } أي فمكث يوسف عليه السلام بسبب ذلك القول أو الإنساء { في السِّجْن بضْعَ سنينَ } البضع ما بين الثلاث إلى التسع كما روي عن قتادة ، وعن مجاهد أنه من الثلاث إلى دون المائة والألف ، وهو مأخوذ من البضع بمعنى القطع ؛ والمراد به هنا في أكثر الأقاويل سبع سنين وهي مدة لبثه كلها فميا صححه البعض ، وسنتان منها كانت مدة لبثه بعد ذلك القول ، ولا يأبى ذلك فاء السببية لأن لبث هذا المجموع مسبب عما ذكر ، وقيل : إن هذه السبع مدة لبثه بعد ذلك القول ، وقد لبث قبلها خمساً فجميع المدة اثنتا عشرة سنة ، ويدل عليه خبر «رحم الله تعالى أخي يوسف لو لم يقل : { اذكرني عند ربك } لما لبث في السجن سبعاً بعد / خمس »( {[381]} ) .
وتعقب بأن الخبر لم يثبت بهذا اللفظ وإنما الثابت في عدة روايات «ما لبث في السجن طول ما لبث » وهو لا يدل على المدعى . وروى ابن أبي حاتم عن طاوس والضحاك تفسير البضع ههنا بأربع عشرة سنة وهو خلاف المعروف في تفسيره ، والأولى أن لا يجزم بمقدار معين كما قدمنا . وكون هذا اللبث مسبباً عن القول هو الذي تظافرت عليه الأخبار كالخبر السابق والخبر الذي روي عن أنس قال : «أوحى الله تعالى إلى يوسف عليه السلام من استنقذك من القتل حين هم إخوتك أن
يقتلوك ، قال : أنت يا رب ، قال : فمن استنقذك من الجب إذ ألقوك فيه ، قال : أنت يا رب ، قال : فمن استنقذك من المرأة إذ همت بك ، قال : أنت يا رب ، قال : فما بالك نسيتني وذكرت آدمياً ، قال : يا رب كلمة تكلم بها لساني ، قال : وعزتي لأدخلنك في السجن بضع سنين » وغير ذلك من الأخبار . ولا يشكل على هذا أن الاستعانة بالعباد في كشف الشدائد مما لا بأس به ، فقد قال سبحانه : { وتعاونوا على البر والتقوى } [ المائدة : 2 ] فكيف عوتب عليه السلام في ذلك لأن ذلك مما يختلف باختلاف الأشخاص ، واللائق بمناصب الأنبياء عليهم السلام ترك ذلك والأخذ بالعزائم ، واختار أبو حيان أن يوسف عليه السلام إنما قال للشرابي ما قال ليتوصل بذلك إلى هداية الملك وإيمانه بالله تعالى كما توصل إلى إيضاح الحق لصاحبيه ، وإن ذلك ليس من باب الاستعانة بغير الله تعالى في تفريج كربه وخلاصه من السجن ، ولا يخفى أن ذلك خلاف الظاهر ، وموجب للطعن في غير ما خبر ، نعم إنه اللائق بمنصبه عليه الصلاة والسلام . وجوز بعضهم كون ضمير - أنساه - و { ربه } عائدين على يوسف عليه السلام ، وإنساء الشيطان ليس من الإغواء في شيء بل هو تك الأولى بالنسبة لمقام الخواص الرافعين للأسباب من البين ، وأنت تعلم أن الأول هو المناسب لمكان الفاء ، ولقوله تعالى الآتي : { وادّكر بعد أمّة } [ يوسف : 45 ] .
ثم ختم يوسف - عليه السلام - حديثه مع صاحبيه في السجن ، بأن أوصى الذي سينجوا منهما بوصية حكاها القرآن في قوله : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذكرني عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السجن بِضْعَ سِنِينَ } .
أى : " وقال " يوسف - عليه السلام - للفتى الذي اعتقد أنه سينجو منهما وهو ساقى الملك ، أيها الساقى بعد أن تخرج من السجن وتعود إلى عملك عند سيدك الملك ، اذكر حقيقة حالى عنده ، وأنى سجين مظلوم .
ولكن الساقى بعد أن عاد إلى عمله عند الملك ، لم ينفذ الوصية ، لأن الشيطان أنساه ما قاله له يوسف ، فكانت النتيجة أن لبث يوسف - عليه السلام - في السجن مظلوما بعض سنين .
والبضع - بالكسر - من ثلاث إلى تسع ، وهو مأخذو من البضع - بالفتح - بمعنى القطع والشق . يقال : بضعت الشئ أى : قطعته .
وقد اختلفوا في المدة الى قضاها يوسف في السجن على أقوال من أشهرها أنه لبث فيه سبع سنين .
وعلى هذا التفسير يكون الضمير في " فأنساه " يعود إلى ساقى الملك ، ويكون المراد بربه أى : سيده ملك مصر .
وهناك من يرى أن الضمير في قوله " فأنساه " يعود إلى يوسف - عليه السلام - وأن المراد بالرب عننا : الخالق - عز وجل - ، وعليه يكون المعنى .
وقال يوسف - عليه السلام - للفتى الذي اعتقد نجاته وهو ساقى الملك : اذكر مظلمتى عند سيدك الملك عندما تعود إليه . واذكر له إحسانى لتفسير الرؤى . .
وقوله { فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ } أى : فأنسى الشيطان يوسف أن يذكر حاجته لله وحد ، ولا يذركها للساقى ليبلغها إلى الملك .
فكانت النتيجة أن لبث يوسف في السجن بضع سنين بسبب هذا الاعتماد على المخلوق ؟
والذى يبدو لنا أن التفسير الأول أقرب إلى الصواب ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة ، ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك { وَقَالَ الذي نَجَا مِنْهُمَا وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ .
. . } يدل دلالة واضحة على أن الضمير في قوله " فأنساه " يعود إلى ساقى الملك ، وأن المراد بربه أى سيده .
وقد علق الإِمام الرازى على هذه الآية تعليقا يشعر بترجيحه للرأى الثانى فقال ما ملخصه : " واعلم أن الاستعانة بالناس في دفع الظلم جائزة في الشريعة ، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فهذا وإن كان جائزا لعامة الخلق ، إلا أن الأولى بالصديقين أن يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية ، وألا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب . .
ثم قال والذى جربته من أول عمري إلى آخره أ الإِنسان كلما عول في أمر من الأمور على غير الله ، صار ذلك سببا إلى البلاء وإلى المحنة . . وإذا عول العبد على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن الوجوه ، فهذه التجربة قد استمرت لى من أول عمرى إلى هذا الوقت الذي بعث فيه السابعة والخمسين من عمرى .
ثم قال : واعلم أن الحق هو قول من قال إن الضمير في قوله : { فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ } راجع إلى يوسف . . والمعنى : أن الشيطان أنسى يوسف أن يذكر به وخالقه . .
ونحن مع احترامنا لرأى الفخر الرازى ، إلا أننا ما زلنا نرى أن عودة الضمير في قوله " فأنساه " إلى الساقى الذي ظن يوسف أنه هو الناجى من العقوبة ، أولى لما سبق أن ذكرناه .
قال ابن كثير : وقوله { اذكرني عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ . . . }
أى : " قال يوسف اذكر قصتى عند ربك وهو الملك ، فنسى ذلك الموصى أن يذكر مولاه بذلك ، وكان نسيانه من جملة مكايد الشيطان . . هذا هو الصواب أن الضمير في قوله : " فأنساه " . . عائد على الناجى كما قال مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد . .
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد قصت علينا بأسلوبها المشوق الحكيم جابنا من حياة يوسف - عليه السلام - في السجن فماذا كان بعد ذلك ؟
قوله تعالى : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } قال يوسف عليه السلام للفتى الذي أيقن ( يوسف ) أنه ناج وأنه سيسقي سيده الملك خمرا : { اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ } أي اذكر رأيته هنا وما أنا عليه من عبارة الرؤيا للملك ، وأخبره أني مظلوم وأن ما اتهمتموني به افتراء وباطل . { فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ } أي أنسى الشيطان الناجي وهو الساقي أن يذكر يوسف لربه وهو سيده الملك ، وقيل : الضمير في { فأنساه } عائد إلى يوسف ؛ أي أنساه الشيطان ذكر ربه ، وهو أن يشكو إلى الله وحده ويتغبث به دون غيره ؛ ويطلب منه العون والفرج ، لكنه بدلا من ذلك استغاث بمخلوق ، ومن أجل زلته هذه عوقب بالبث في السجن بضع سنين . قال ابن عباس في ذلك : عوقب يوسف بطول الحبس بضع سنين لما قال للذي نجا منهما : { اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ } ولو ذكر يوسف ربه لخلصه .
والراجح القول الأول ، وهو عود الضمير على الناجي ؛ فهو الذي نسي أن يذكر للملك قصة يوسف . ويدل على صوب هذا القول : أن يوسف لا يستحق العقاب باللبث في السجن من أجل النسيان ، فغن الناسي غير مؤاخذ . ويستدل أيضا بقوله تعالى : { وقال الذي نج منهما وادكر بعد أمة } وهذا يدل على أن الناسي هو الساقي وليس يوسف . والله تعالى أعلم .
قوله : { فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } { بضع } ، في العدد ، بكسر الباء ، هو ما بين الثلاث إلى التسع . تقول : بضع سنين ، وبعضة عشر رجلا ، وبعض عشرة امرأة ، فإذا جاوزت لفظ العشر ذهب البعض ، فلا تقول : بضع وعشرون{[2248]} .