أم القرى : مكة المكرمة ، لأنها قبلة الناس ، وفيها أول بيت وُضع للناس ، فهي تعظَّم كالأم .
وهذا القرآن كتاب عظيم القدر أنزلناه على خاتم رسلنا كما أنزلنا من قبله التوراة على موسى . وقد باركنا فيه فجعلناه كثير الخير ، دائم البركة ، يبشر بالثواب والمغفرة ، مصدّقاً لما تقدّمه من كتب الأنبياء ، ومنذراً لأهل مكة من عذاب الله . فمن كان يؤمن بالقيامة فإنه يؤمن بهذا الكتاب . والمؤمنون به يحافظون على صلاتهم ، فيؤدونها في أوقاتها كاملة مستوفاة . وقد خُصت الصلاة بالذِكر ههنا ، لأنها عماد الدين .
القراءات : قرأ أبو بكر عن عاصم «لينذر » بالياء ، والباقون «لتنذر » بالتاء .
{ وهذا كتاب أنزلناه } تحقيق لإنزال القرآن الكريم بعد تقرير إنزال ما بشر به من التوراة وتكذيب لكلمتهم الشنعاء إثر تكذيب ، وتنكير { كِتَابٌ } للتفخيم ، وجملة { أنزلناه } في موضع الرفع صفة له وقوله سبحانه : { مُّبَارَكٌ } أي كثير الفائدة والنفع لاشتماله على منافع الدارين وعلوم الأولين والآخرين صفة بعد صفة . قال الإمام : «جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عن هذا الكتاب المتمسك به يحصل به عز الدنيا وسعادة الآخرة » ولقد شاهدنا والحمد لله عز وجل ثمرة خدمتنا له في الدنيا فنسأله أن لا يحرمنا سعادة الآخرة إنه البر الرحيم . وقوله جل وعلا : { مُّصَدّقُ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } صفة أخرى ، والإضافة على ما نص عليه أبو البقاء غير محضة ، والمراد بالموصول إما التوراة لأنها أعظم كتاب نزل قبل ولأن الخطاب مع اليهود ، وأما ما يعمها وغيرها من الكتب السماوية وروي ذلك عن الحسن ، وتذكير الموصول باعتبار الكتاب أو المنزل أو نحو ذلك ، ومعنى كونها بين يديه أنها متقدمة عليه فإن كل ما كان بين اليدين كذلك وتصديقه للكل في إثبات التوحيد والأمر به ونفي الشرك والنهي عنه وفي سائر أصول الشرائع التي لا تنسخ .
{ وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى } قيل : عطف على ما دل عليه صفة الكتاب كأنه قيل : أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدمه والإنذار . واختار العلامة الثاني كونه عطفاً على صريح الوصف أي كتاب مبارك وكائن للإنذار ، وادعى أنه لاحاجة مع هذا إلى ذلك التكلف فإن عطف الظرف على المفرد في باب الخبر والصفة كثير ، ودعوى أن الداعي إليه عرو تلك الصفات السابقة عن حرف العطف واقتران هذا به تستدعي القول بأن الصفات إذا تعددت ولم يعطف أولها يمتنع العطف أو يقبح والواقع خلافه ، والأولى ما يقال : إن الداعي أن اللفظ والمعنى يقتضيانه ، أما المعنى فلأن الإنذار علة لإنزاله كما يدل عليه { وأوحى الي هذا القرآن لأنذركم به } [ الأنعام : 19 ] ولو عطف لكان على أول الصفات على الراجح في العطف عند التعدد ، ولا يحسن عطف التعليل على المعلل به ولا الجار والمجرور على الجملة الفعلية . فإنه نظير هذا رجل قام عندي وليخدمني وهو كما ترى . ومنه يعلم الداعي اللفظي وجوز أن يكون علة لمحذوف يقدر مؤخراً أو مقدماً أي ولتنذر أنزلناه أو وأنزلناه لتنذر ، وتقديم الجار للاهتمام أو للحصر الإضافي ، وأن يكون عطفاً على مقدر أي لتبشر ولتنذر ، وأياً ما كان ففي الكلام مضاف محذوف أي أهل أم القرى ، والمراد بها مكة المكرمة ، وسميت بذلك لأنها قبلة أهل القرى وحجهم وهم يتجمعون عندها تجمع الأولاد عند الأم المشفقة ويعظمونها أيضاً تعظيم الأم ، ونقل ذلك عن الزجاج والجبائي ، ولأنها أعظم القرى شأناً فغيرها تبع لها كما يتبع الفرع الأصل .
وقيل لأن الأرض دحيت من تحتها فكأنها خرجت من تحتها كما تخرج الأولاد من تحت الأم أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس . ونقل ذلك عن السدي وقرأ أبو بكر عن عاصم { لّيُنذِرَ } بالياء التحتية على الإسناد المجازي للكتاب لأنه منذر به .
{ وَمَنْ حَوْلَهَا } من أهل المدر والوبر في المشارق والمغارب لعموم بعثه صلى الله عليه وسلم الصادع بها القرآن في غير آية ، واللفظ لا يأبى هذا الحمل فلا متمسك بالآية لطائفة من اليهود زعموا أنه صلى الله عليه وسلم مرسل للعرب خاصة ، على أنه يمكن أن يقال : خص أولئك بالذكر لأنهم أحق بإنذاره عليه الصلاة والسلام كقوله تعالى : { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقربين } [ الشعراء : 214 ] ولذا أنزل كتاب كل رسول بلسان قومه { والذين يُؤْمِنُونَ بالاخرة } وبما فيها من الثواب والعقاب ، ومن اقتصر على الثاني في البيان لاحظ سبق الإنذار { يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي بالكتاب ، قيل : أو بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم يرهبون من العذاب ويرغبون في الثواب ولا يزال ذلك يحملهم على النظر والتأمل حتى يؤمنوا به { وَهُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } يحتمل أن يراد بالصلاة مطلق الطاعة مجازاً أو اكتفى ببعضها الذي هو عماد الدين وعلم الإيمان ولذا أطلق على ذلك الإيمان مجازاً كقوله تعالى : { مَّا كَانَ الله * لِيُضِيعَ إيمانكم } [ البقرة : 341 ] .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ } لما فيه من أسرار القرب والوصال والتشويق إلى الحسن والجمال بل منه تجلى الحق لخلقه لو يعلمون . { مُّصَدّقُ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } من التوراة والإنجيل لجمعه الظاهر والباطن على أتم وجه { وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى } وهي القلب { وَمَنْ حَوْلَهَا } [ الأنعام : 92 ] من القوى
وبعد أن أبطل - سبحانه - بالدليل قول من قال { مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ } أتبعه ببيان أن هذا القرآن من عند الله وأنه مصدق للكتب السماوية السابقة ومهيمن عليها فقال - تعالى - :
{ وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ } .
والمعنى : وهذا القرآن كتاب أنزلناه على قلبك يا محمد وهذا الكتاب من صفاته أنه مبارك أى : كثير الفوائد لاشتماله على منافع الدين والدنيا .
والمبارك اسم مفعول من باركه وبارك فيه ، إذا جعل له البركة ، ومعناها كثرة الخير ونماؤه .
وقدم هنا وصفه بالإنزال على وصفه بالبركة بخلاف قوله " وهذا ذكر مبارك أنزلناه " لأن الأهم هنا وصفه بالإنزال ، إذ جاء عقيب إنكارهم أن ينزل الله على بشر من شىء بخلافه هناك .
ووقعت الصفة الأولى جملة فعلية لأن الإنزال يتجدد وقتا فوقتا ، والثانية اسمية لأن الاسم يدل على الثبوت والاستقرار وهو مقصود هنا أى : أن بركته ثابتة مستقرة .
قال الإمام الرازى : العلوم إما نظرية وإما عملية ، أما العلوم النظرية فأشرفها وأكملها معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه ، ولا ترى فى هذه العلوم أكمل ولا أشرف مما تجده فى هذا الكتاب ، وأما العلوم العملية فالمطلوب إما أعمال الجوارح ، وإما أعمال القلب ، وهو المسمى بطهارة الأخلاق وتزكية النفس ، ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده فى هذا الكتاب ، ثم قد جرت سنة الله بأن الباحث فيه والمتمسك به يحصل له عز الدنيا وسعادة الآخرة .
وقوله { مُّصَدِّقُ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ } أى أن هذا القرآن موافق ومؤيد للكتب التى قبله فى إثبات التوحيد ونفى الشرك ، وفى سائر أصول الشرائع التى لا تنسخ .
وقوله : { وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا } أى : ولتنذر بهذا الكتاب أم القرى أى مكة ، ومن حولها من أطراف الأرض شرقا وغربا لعموم بعثته صلى الله عليه وسلم قال - تعالى - { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ } وقال - تعالى - { قُلْ ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً } وسميت مكة بأم القرى لأنها مكان أول بيت وضع للناس ، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم ، ولأنها أعظم القرى شأنا وغيرها كالتبع لها كما يتبع الفرع الأصل ، وفى ذكرها بهذا الاسم المبنىء عما ذكر إشعار بأن إنذار أهلها مستتبع لإنذار أهل الأرض كافة .
ووجه الاقتصار على مكة ومن حوهلا فى هذه الآية أنهم الذين جرى الكلام والجدال معهم فى قوله - تعالى - قبل ذلك
{ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق } قال الآلوسى : ويمكن أن يقال خصهم بالذكر لأنهم الأحق بإنذاره صلى الله عليه وسلم فهو كقوله - تعالى - : { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين } ولذا أنزل كتاب كل رسول بلسان قومه " .
وقال صاحب المنار " وزعم بعض اليهود المتقدمين وغيرهم أن المراد بمن حولها بلاد العرب فخصه بمن قرب منها عرفا ، واستدلوا به على أن بعثة النبى صلى الله عليه وسلم خاصة بقومه العرب .
والاستدلال باطل وإن سلم التخصيص المذكور ، فإن إرساله إلى قومه لا ينافى إرساله إلى غيرهم ، وقد ثبت عموم بعثته صلى الله عليه وسلم من آيات أخرى كقوله - تعالى - { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً } وقوله : { والذين يُؤْمِنُونَ بالآخرة يُؤْمِنُونَ بِهِ } .
أى : والذين يؤمنون بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب يؤمنون بهذا الكتاب الذى أنزله الله هداية ورحمة لأن من صدق بالآخرة خاف العاقبة ، وحرص على العمل الصالح الذى ينفعه .
ثم ختمت الآية بهذا الثناء الجميل عليهم فقالت { وَهُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } أى يؤدونها فى أوقاتها مقيمين لأركانها وآدابها فى خشوع واطمئنان ، وخصت الصلاة بالذكر لكونها أشرف العبادات وأعظمها خطراً بعد الإيمان .
قال الإمام الرازى : " ويكفيها شرفا أنه لم يقع اسم الإيمان على شىء من العبادات الظاهرة إلا عليها كما فى قوله - تعالى - { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } إى صلاتكم ، ولم يقع اسم الكفر على شىء من المعاصى إلا على ترك الصلاة ، ففى الحديث الشريف " من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر " فلا اختصت الصلاة بهذا النوع من التشريف لا جرم خصها الله بالذكر فى هذا المقام " .
قوله : { وهذا كتب أنزلناه مبرك مصدق الذي بين يديه } كتاب يراد به القرآن الكريم . وتنكيره هنا للتفخيم ، وكتاب خبر . والجملة { أنزلناه } صفته ومبارك ، من البركة ، أي الزيادة والنماء والسعادة تبارك الله أي تقدس{[1216]} والكتاب الحكيم مبارك مقدس بآياته وكلمتاه وحروفه . وهو من الله هبة مهداة للعالمين ليكون لهم خير منهاج في حياتهم فيحقق الله به عزهم وسعادتهم ونجاتهم .
إن هذا الكتاب الإلهي الميمون لا يستمسك به أو يعمل بأحكامه أو يسعى جادا لنشره وتبيينه للناس إلا كتب الله له بفضله السعادة والنجاة والخير والأمن والرضى في الدارين . نضرع إلى الله منزل الكتاب أن يجنبنا الفواحش ظاهرها وباطنها وأن يمن علينا بالسلامة والنجاة والعافية والستر والسعادة في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .
قوله : { مصدق الذي بين يديه } أي أن هذا الكتاب وهو القرآن جاء مصدقا لما قبله من الكتب التي أنزلها الله على الأنبياء من قبل هذا النبي ، عليهم الصلاة والسلام أجمعين .
قوله : { ولتنذر أم القرى ومن حولها } اللام ، لام كي تتعلق بفعل مقدر . وتقديره : ولتنذر أم القرى أنزلناه{[1217]} . أم القرى أي مكة سميت بذلك ، لأنها أعظم القرى شأنا ، فغيرها من القرى تبع لها كما يتبع الفرع الأصل . أو لأنها قبلة أهل القرى ، إذ يحجون إليها ويجتمعون من حولها كما يجتمع الصغار حول أمهم الرؤوم .
ومن حولها ، أي من القرى إلى المشرق والمغرب . وقيل : من حولها يعني الأرض كلها .
والمراد أن الله أنزل القرآن لتحل في الدنيا البركة وليكون للناس نذيرا إذ ينذر به النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة والعالمين جميعا ليحذروا بأس الله وسخطه أن يحل بهم .
قوله : { والذين يؤمنون بالأخرة يؤمنون به } الذين يؤمنون بالآخرة ، في محل رفع مبتدأ . وخبره { يؤمنون به } والمعنى أن الذين يؤمنون بالآخرة إيمانا صحيحا وحقيقيا لا جرم أنهم يؤمنون بالقرآن الحكيم أو بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم . والمراد هنا ، الإيمان الذي جاء به الوحي الأمين من السماء وتحدث به الكتب السماوية السليمة الخالية من التلاعب والتحريف . الإيمان الحقيقي السليم من العبث والافتراء والتخليط . إيمان العقيدة الصادقة ، البعيدة عن بعث العابثين وافتراء المفسدين المكذبين للإيمان بصدق القرآن وصدق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم .
قوله : { وهم على صلاتهم يحافظون } في محل نصب على الحال . وهذه حال المؤمنين الصادقين المخلصين . فهم يحافظون على صلاتهم فلا يغفلون عنها ولا يفرطون فيها . وقد خص المحافظة على الصلاة ، لأنها عماد الدين وأعظم ما فيه من عبادات وأعمال وشعائر{[1218]} .