تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ} (208)

السلم : السلام ، ودين الإسلام ، والصلح ، والانقياد .

خطوات : جمع خطوة بضم الخاء ، وهي المسافة ما بين قدمي الماشي ، والمعنى هنا : آثار الشيطان واتباعه .

الزلل : عثرة القدم ، وهنا معناه : الانحراف عن الحق .

البينات : الحجج .

بعد أن بين الله في الآيات السابقة أن الناس فريقان : فريق يسعى في الأرض بالفساد ، وفريق يبغي بعمله رضوان الله وطاعته ، دعا الناس كافة في هذه الآية إلى الدخول في السلام وهو دين الإسلام . فإن الإسلام أساسه السلام ، وشعاره «السلام عليكم » . فالله سبحانه يأمر الذين آمنوا بالعمل بشرائع الإسلام كلها . . . خذوا الإسلام بجملته ، واعملوا به تكونوا قد دخلتم في السلام ، واعتصتم بحبل الله . يومذاك تدخلون في عالم كله سلام ، سلام مع النفس والضمير ، ومع العقل والمنطق ، سلام مع الناس ومع الوجود كله ، سلام في الأرض وسلام في السماء .

ومعنى «كافة » أي : في جميع أحكام السلام والإسلام ، لا في بعضها فقط ، وكان بعض مؤمني أهل الكتاب يعظّمون السبت ويحرمون الإبل وألبانها ، وغير ذلك مما كانوا يفعلون ، فأمره الله تعالى أن يتركوا كل ما كان سابقا ويدخلوا في الإسلام ويعملوا بجميع شرائعه .

{ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان } أي : لا تسيروا في طريق الشيطان الذي يدفعكم إلى الشقاق والنزاع .

{ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ، هذه الآية نص واضح في دعوة المؤمنين إلى السلام ، فالحرب والخصام سيرٌ وراء الشيطان . والآية تدعو المؤمنين إلى أن يكونوا مسالمين مع أنفسهم . . .

ويدلّ هذا النص على أن الأصل في العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها هي السلم ، ففي الوقت الذي كان فيه قانون الغاب يحدد العلاقات بين الدول جاء الإسلام بهذا المبدأ السامي ، فالحرب التي شرعها الإسلام إنما هي لتثبيت دعائم السلم ، وتحقيق العدل لا للعدوان على الآخرين .

القراءات :

قرأ ابن كثير ونافع والكسائي «السلم » بفتح السين والباقون «السلم » بكسرها ، وخطوات بضم الطاء وسكونها قراءتان سبعيتان . تقدم ذلك في الآية 168 .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ} (208)

{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ادخلوا فِي السلم كَافَّةً } أخرج غير واحد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه ، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا بشرائعه وشرائع موسى عليه السلام فعظموا السبت وكرهوا لحمان الإبل وألبانها بعد ما أسلموا ، فأنكر ذلك عليهم المسلمون ، فقالوا : إنا نقوى على هذا وهذا ، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن التوراة كتاب الله تعالى فدعنا فلنعمل بها ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فالخطاب لمؤمني أهل الكتاب ، والسلم بمعنى الإسلام ، وكافة في الأصل صفة من كف بمعنى منع ، استعمل بمعنى الجملة بعلاقة أنها مانعة للأجزاء عن التفرق والتاء فيه للتأنيث أو النقل من الوصفية إلى الاسمية كعامة وخاصة وقاطبة ، أو للمبالغة واختار الطيبي الأول مدعياً أن القول بالأخيرين خروج عن الأصل من غير ضرورة ، والشمول المستفاد منه شمول الكل للأجزاء لا الكلي لجزئياته ولا الأعم منهما ، ولا يختص بمن يعقل ، ولا بكونه حالاً ولا نكرة خلافاً لابن هشام وليس له في ذلك ثبت وهو هنا حال من الضمير في { أَدْخِلُواْ } والمعنى ادخلوا في الإسلام بكليتكم ولا تدعوا شيئاً من ظاهركم وباطنكم إلا والإسلام يستوعبه بحيث لا يبقى مكان لغيره من شريعة موسى عليه السلام ، وقيل : الخطاب للمنافقين ، والسلم بمعنى الاستسلام والطاعة على ما هو الأصل فيه ، وكافة حال من الضمير أيضاً ، أي استسلموا لله تعالى وأطيعوه جملة واتركوا النفاق وآمنوا ظاهراً وباطناً ، وقيل : الخطاب لكفار أهل الكتاب الذين زعموا الإيمان بشريعتهم ، والمراد من السلم جميع الشرائع بذكر الخاص وإرادة العام بناءاً على القول بأن الإسلام شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ، وحمل اللام على الاستغراق ، { وكافة } حال من { القدوس السلام } والمعنى ادخلوا أيها المؤمنون بشريعة واحدة في الشرائع كلها ولا تفرقوا بينها ، وقيل : الخطاب للمسلمين الخلّص ، والمراد من السلم شعب الإسلام ، وكافة حال منه ، والمعنى : ادخلوا أيها المسلمون المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم في شعب الإيمان كلها ولا تخلوا بشيء من أحكامه ، وقال الزجاج في هذا الوجه : المراد من السلم الإسلام ، والمقصود أمر المؤمنين بالثبات عليه ، وفيه أن التعبير عن الثبات على الإسلام بالدخول فيه بعيد غاية البعد ، وهذا ما اختاره بعض المحققين من ستة عشر احتمالاً في الآية حاصلة من ضرب/ احتمالي ( السلم ) في احتمالي ( كافة ) وضرب المجموع في احتمالات الخطاب ، ومبنى ذلك على أمرين ، بأحدهما أن { كَافَّةً } لإحاطة الأجزاء ، والثاني : أن محط الفائدة في الكلام القيد كما هو المقرر عند البلغاء ، ونص عليه الشيخ في «دلائل الإعجاز » ، وإذا اعتبرت احتمال الحالية من الضمير والظاهر معاً كما في قوله :

خرجت بها نمشي تجر وراءنا *** على أثرينا ذيل مرط مرحل

بلغت الاحتمالات أربعة وعشرين ، ولا يخفى ما هو الأوفق منها بسبب النزول . وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي ( السلم ) بفتح السين والباقون بكسرها وهما لغتان مشهورتان فيه ، وقرأ الأعمش بفتح السين واللام { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } بمخالفة ما أمرتم به ، أو بالتفرق في جملتكم ، أو بالتفريق بالشرائع أو الشعب { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة أو مظهر لها ، وهو تعليل للنهي والانتهاء .

( ومن باب الإشارة ) : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ادخلوا فِي السلم } [ البقرة : 208 ] وتسليم الوجود لله تعالى والخمود تحت مجاري القدرة لكم وعليكم كافة .