خفافا : جمع خفيف والمراد : النشاط والسرعة في الحركة ومن يستطيع التأهب بيسر .
ثقالا : جمع ثقيل وهو : كل من وجد صعوبة في السفر والتأهب إليه بمشقة . أي انفروا على كل حال .
بعد أن توعدّ من لم ينفِروا مع الرسول وتثاقلوا حين استنفرهم ، جاء بأمر حازم لا هوادةَ فيه ، فأوجب النفير العام على كل فرد ، فلا عذرَ لأحدٍ في التخلّف وتركِ الطاعة .
{ انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ الله } .
أيها المؤمنون ، إذا دعى داعي الجهاد فلبُّوا النداء ، وانفِروا على كل حال ، من يُسرٍ أو عسرِ ، أو صحة أو مرض . فعندما يعتدي عدوّ على بلد من بلاد الإسلام يجب الجهادُ على كل فرد قادر ولو بمشقّة ، فإذا أُعِلن النفِيرُ العام وجَبَ الامتثال إلا في حال العجزِ التام ، وهو ما بيّنه الله تعالى بقوله : { لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ } [ التوبة : 92 ] .
وجاهِدوا أعداءكم الذين يقاتلونكم ويعتدون على بلادِكم . . . بأموالكم وأنفسكم ، فمن استطاع الجهادَ بماله وبنفسه وجب ذلك عليه ، ومن قَدَر على أحدهما وجبَ عليه ما كان في مقدرته . والآن ، والعدو يحتل جزءا غاليا ن بلادنا المقدسة هو فلسطين ، فإن الجهاد واجب بالمال والنفس على كل مُسلمٍ وعربيّ في جميع بلاد الإسلام ، وكل من يتخلّف فهو آثم ومقصِّر ، وخارج عن طاعة اللهِ ورسوله . وقد قال أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه : «ما تركتْ أمةٌ الجهادَ إلا وقَرَنَها الله بالذلّ » .
{ ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } .
إنَّ الذي أُمرتم به من النفير العام والجهاد في سبيل الله ، هو الوسيلةُ في حِفظِ كيان الأمة وعلو كلمتها . وهو خير لكم في دِينكم ودُنياكم . . .
أما في الدين فلا سعادة إلا لمن ينصر الحقَّ ويُقيم العدل . وأما في الدنيا فلا عزّ لأمةٍ إلا بالقوة ، فهي وسيلة لدفع العدوّ وكبحِ جماحه . وقد علم فضلَ ذلك أسلافنا من المؤمنين الصادقين فامتثلوا واهتدوا ففتحوا البلادَ وسادوا العباد .
قال القرطبي عند تفسير هذا الآية : «قال ابن العربي : ولقد نَزلَ بنا العدوُّ - قصمه الله- سنة سبعٍ وعشرين وخمسمائة ، فجاس ديارَنا وأسَرَ خِيرتنا ، وتوسّط بلادنا في عدد هالَ الناسَ عددُه ، فقلت للوالي عليه : هذا عدوُّ الله قد حَصَل في الشَرَك والشبكة ، فلتكنْ عندكم بَرَكة ، ولتظهرْ منكم إلى نُصرة الدين المتعيِّنةِ عليكم حَرَكة ، فليخرجْ إليه جميع الناسِ حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار ، فيُحاط به ، فإنه هالك لا محالةَ أن يسَّركم الله له . فغَلبت الذنوبُ ورجفت القلوب بالمعاصي ، وصار كل واحدٍ من الناس ثعلباً يأوي إلى وِجَارِه وإن رأى المكيدةَ بِجارِه ، فإنا لله وإنّا إليه راجعون » . الوجار : حُجر الثعلب .
أليس هذا ينطبق علينا اليوم في موقفنا من اليهود ! ! نحن أكثرُ منهم عددا ، وأغنى ثروةً ، وأقوى ، ولدينا كل الإمكانات لنحاربَهم ونسترد بلادنا منهم ، ولكن غلبت الذنوبُ ورجفت القلوب بالمعاصي . . .
{ انْفِرُواْ } تجريد للأمر بالنفور بعد التوبيخ على تركه والإنكار على المساهلة فيه ، وقوله سبحانه : { خِفَافًا وَثِقَالاً } حالان من ضمير المخاطبين أيعلى كل حال من يسر أو عسر حاصلين بأي سبب كان من الصحة والمرض أو الغنى والفقر أو قلة العيال وكثرتهم أو الكبر والحداثة أو السمن والهزال أو غير ذلك مما ينتظم في مساعدة الأسباب وعدمها بعد الامكان والقدرة في الجملة . أخرج ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ عن أبي يزيد المديني قال : كان أبو أيوب الأنصاري . والمقداد بن الأسود يقولان : أمرنا أن ننفر على كل حال ويتأولان الآية . وأخرجا عن مجاهد قال : قالوا إن فينا الثقيل وذا الحاجة . والصنعة ، والشغل . والمنتشر به أمره فأنزل الله تعالى : { انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً } وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافاً وثقالاً وعلى ما كان منهم ، فما روي في تفسيرهما من قولهم : خفافاً من السلاح وثقالا منه أو ركباناً ومشاة أو شباناً وشيوخاً أو أصحاء ومراضا إلى غير ذلك ليس تخصيصاً للأمرين المتقابلين بالإرادة من غير مقارنة للباقي . وعن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أعلى أن أنفر ؟ قال : نعم . حتى نزل : { لَّيْسَ عَلَى الاعمى حَرَجٌ } [ النور : 61 ] وأخرج ابن أبي حاتم . وغيره عن السدى قال : لما نزلت هذه الآية اشتد على الناس شأنها فنسخها الله تعالى فقال : { لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى } [ التوبة : 91 ] الآية . وقيل : إنها منسوخة بقوله تعالى : { وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } [ التوبة : 122 ] وهو خلاف الظاهر ، ويفهم من بعض الروايات أن لا نسخ فقد أخرج ابن جرير . والطبراني . والحاكم وصححه عن أبي راشد قال : رأيت المقداد فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص يريد الغزو فقلت : لقد أعذر الله تعالى إليك قال : أبت علينا سورة البحوث يعني هذه الآية منها .
{ وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ الله } أي بما أمكن لكم منهما كليهما أو أحدهما والجهاد بالمال انفاقه على السلاح وتزويد الغزاة ونحو ذلك { ذلكم } أي ما ذكر من النفير والجهاد ، وما فيه من معنى البعد لما مر غير مرة { خَيْرٌ } عظيم في نفسه { لَكُمْ } في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما ، ويجوز أن يكون المراد خير لكم مما يبتغي بتركه من الراحة . والدعة . وسعة العيش . والتمتع بالأموال والأولد . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي إن كنتم تعلمون الخير علمتم أنه خير أو إن كنتم تعلمون أنه خير إذ لا احتمال لغير الصدق في أخباره تعالى فبادروا إليه ، فجواب إن مقدر . وعلم اما متعدية لواحد بمعنى عرف تقليلاً للتقدير أو متعدية لاثنين على بابها هذا .
( ومن باب الإشارة ) :{ انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً } أي انفروا إلى طاعة مولاكم خفافاً بالأرواح ثقالاً بالقلوب ، أو خفافاً بالقلوب وثقالاً بالأجسام بأن يطيعوه بالأعمال القلبية والقالبية ، أو خفافاً بأنوار المودة وثقالاً بأمانات المعرفة ، أو خفافاً بالبسط وثقالاً بالقبض ، وقيل : خفافاً بالطاعة وثقالاً عن المخالفة . وقيل غير ذلك { وجاهدوا بأموالكم } بأن تنفقوها للفقراء { وأَنفُسَكُمْ } بأن تجودوا بها لله تعالى { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } في الدارين { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ التوبة : 41 ] ذلك والله تعالى الموفق للرشاد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.