تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة يونس

سورة يونس مكية ، عدد آياتها تسع ومائة ، نزلت بعد سورة الإسراء وقيل بعد سورة هود . وهي كسائر السور المكية تقرر تثبيت العقيدة وأصول الدين .

وقد ابتدأت بالإشارة إلى مكانة الكتاب الكريم ، وما يقوله المشركون في شأن النبي صلى الله عليه وسلم ، وموقفهم من حقيقة الوحي ، وكيف يتعجبون من أن الله أوحى إلى رجل منهم لينذر الناس . ثم تأتي إلى ذكر الكون وآيات الله تعالى فيه ، وأنه خلق هذا الكون العجيب في ست مراحل تتضمن أحقابا طويلة ، هي التي عبر عنها بقوله { في ستة أيام } . وقد تجلت قدرة الله في كل ركن من أركان العالم ، ومنها تسخير الشمس والقمر والنجوم لفائدة البشر ، وتعاقب الليل والنهار . ثم ذكرت السورة الجزاء يوم القيامة وسنة الله بالنسبة للكافرين ، والتنديد بهم في عقائدهم . ووصفت حال الناس في الضراء والسراء ، وضعف الإنسان وكيف يتصرف إذا مسه ضر ثم إذا كشف عنه . كما أوردت عجز المعبودات من الأوثان عن أي شيء ، وتحدت المشركين بقولهم إن هذا قرآن مفترى ، أن يأتوا بسورة مثله ، وليستعينوا بمن يشاءون . وفي السورة تهديد شديد بعذاب الله تعالى ، وذكر أحوال نفوس الناس ، ومراقبة الله لأعمالهم ، وأنه هو الإله الحق الذي يستحق العبادة ، وإليه مرجع الخلق جميعا .

ثم انتقل الحديث بعد ذلك إلى التسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لألمه من كفرهم ، مع قيام الحجة القاطعة عليهم ، وذلك بذكر قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم ، فجاءت قصة نوح ، وقصة موسى وهارون مع فرعون بشيء من التفصيل . كما جاءت إشارة قصيرة إلى قصة يونس ، التي أخذ منها اسم السورة . وهكذا نجد السورة مترابطة فنرى المطلع والختام على وتيرة واحدة .

ففي المطلع يقول تعالى :

{ الر ، تلك آيات الكتاب الحكيم ، أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشّر الذين آمنوا . . . } .

وفي الختام يتجه الخطاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام باتباع الوحي :

{ واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين } . فنجد الترابط في سياق السورة من مطلعها إلى ختامها ، مما يجعلها وحدة متكاملة تدور حول قضية الألوهية والعبودية وبيان حقيقتها ، ( وهذه هي قضية القرآن الكبرى ، والمكي منه بصفة خاصة ) وأن حياة البشر في الأرض لا تستقيم إلا إذا استقامت هذه الحقيقة في اعتقادهم وتصورهم ، وفي حياتهم وواقعهم .

لقد ذكر يونس عليه السلام باسمه في القرآن أربع مرات : " سورة النساء آية 163 ، والأنعام : آية 98 ، الصافات آية 139 ، وهنا في سورة يونس . وذكر بوصفه في سورة الأنبياء في قوله تعالى : { وذا النون إذ ذهب مغاضبا } ، وفي سورة القلم في قوله تعالى : { فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم } .

ولم يعلم عن نسبه في كتب الحديث أو التفسير شيء إلا أنه " يونس بن متى " ، وفي كتب أهل الكتاب أنه " يونان بن أمتاي " .

وفي معجم البلدان : " حلحول " ، قرية بين البيت المقدس وقبر إبراهيم الخليل وبها قبر يونس بن متى عليهما السلام ، وهي معروفة إلى الآن بهذا الاسم .

بسم الله الرحمان الرحيم

الآية : العلامة .

الكتاب : القرآن الكريم .

الحكيم ، وذو الحكمة .

الر : هذه الحروف تقرأ ساكنةَ غير معربة هكذا «ألف . لام . را » ، وقد بدأ الله تعالى بها السورة لتنبيه السامع إلى ما يتلى عليه ، وفي ذلك إشارة إلى أن القرآن مكون من مثل هذه الحروف ، ومع ذلك عجزتم أيها المشركون عن أن تأتوا بمثله .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ} (1)

{ الر } فخم الراء ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم ، وأمالها ورش عن نافع بين بين ، والباقون بالإمالة المحضة ، والأصل في ذلك الفتح ، وكذا ما كان من أمثالها مما ألفاتها ليست منقلبة عن ياء نحو ما ولا ، وإمالتها للتنبيه على أنها أسماء للحروف وليست حروفاً - نقل ذلك عن الواحدي .

لما قدم في أول الأعراف الحث على إبلاغ النصيحة بهذا الكتاب وفرغ مما اقتضاه السياق من التحذير من مثل وقائع الأولين ومصارع الماضين ومما استتبع ذلك من توصيل القول في ترجمة هذا النبي الكريم مع قومه في أول أمره وأثنائه وآخره في سورتي الأنفال وبراءة ، وختم ذلك بأن سور الكتاب تزيد كل أحد مما هو ملائم له متهيىء{[37505]} لقبوله وتبعده عما هو منافر له بعيد من{[37506]} قبول ملاءمته . وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك قد حوى من{[37507]} الأوصاف والحلى والأخلاق العلى ما يوجب الإقبال عليه والإسراع إليه . والإخبار بأن توليهم عنه لا يضره شيئاً لأن ربه كافيه لأنه لامثل له وأنه ذو العرش العظيم ؛ لما{[37508]} كان ذلك كذلك ، أعاد سبحانه القول في شأن الكتاب الذي افتتح به الأعراف وختم سورة التوبة ، وزاده وصف الحكمة وأشار بأداة البعد إلى أن رتبته{[37509]} فيها بعيدة المنال بديعة المثال فقال : { تلك } أي الآيات العظيمة جداً التي اشتملت عليها هذه السورة ، أو السور التي تقدمت هذه السورة أو هذه{[37510]} الحروف المقطعة المشيرة إلى أن القرآن كلام الله وإلا لما أعجز{[37511]} القادرين على التلفظ بهذه الأحرف{[37512]} { آيات الكتاب } أي الذكر الجامع لكل خير ، وهو هذا القرآن الذي وافق كل ما فيه من القصص كل ما في{[37513]} التوراة والإنجيل من ذلك ، فدل ذلك على صدق الآتي به قطعاً لأنه لم يكن يعرف شيئاً مما في الكتابين ولا جالس أحداً يعلمه { الحكيم* } فكان فيما مضى - أن كونه من عند الله كاف في وجوب إتباعه - وفيما هنا تأكيد{[37514]} الوجوب بكونه مع ذلك حكيماً والآية : العلامة التي تنبئ عن مقطع الكلام من جهة مخصوصة ، والحكيم : الناطق بالحكمة . وهي المعروف بما يجتمع عليه مما يمنع الفعل من الفساد والنقص ، استعير له ذلك لأنه دليل كالناطق بالحكمة لأنه يؤدي إلى المعرفة التي يميز بها{[37515]} طريق النجاة من طريق الهلاك ، وهو حاكم يبين{[37516]} الحق من الباطل في الأصول والفروع ويحكم بالعدل الذي لا جور فيه بوجه في كل نازلة ، ومحكم لما أتى به ، مانع له من الفساد ، لا يمحوه الماء ولا تحرقه النار ولا تغيره الدهور ، و{[37517]} هذا ما ظهر لي في التحامها بما قبلها ؛ وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير : لما تضمنت سورة براءة قوله تعالى { إلا تنصروه فقد نصره الله }{[37518]}[ براءة : 40 ] وقوله{ عفا الله عنك لم أذنت لهم }{[37519]}[ براءة : 43 ] وقوله{ ورحمة للذين{[37520]} آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم }{[37521]}[ براءة : 61 ] وقوله :{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم }{[37522]}[ براءة : 128 ] إلى آخر السورة إلى ما تخلل أثناء آي هذه السورة الكريمة مما شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتخصيصه بمزايا السبق والقرب والاختصاص والملاطفة في الخطاب ووصفه بالرأفة والرحمة ، هذا ما انطوت هي والأنفال عليه من قهره أعداءه {[37523]}وتأييده{[37524]} ونصره عليهم وظهور دينه وعلو دعوته وإعلاء كلمته إلى غير هذا من نعم الله سبحانه عليه ، وكان ذلك كله مظنة{[37525]} لتعجب المرتاب وتوقف الشاك ومثيراً لتحرك ساكن الحسد{[37526]} من العدو العظيم{[37527]} ما منحه عليه السلام ، قال تعالى { أكان {[37528]}للناس عجباً{[37529]} أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس } إلى قوله : { لسحر{[37530]} مبين } ثم قال { إن ربكم الله } الآيات ، فبين انفراده تعالى بالربوبية والخلق والاختراع والتدبير ، فكيف تعترض{[37531]} أفعاله أو يطلع البشر على وجه الحكمة في كل ما يفعله ويبديه ، وإذا كان الكل ملكه وخلقه فيفعل في ملكه ما يشاء ويحكم في خلقه بما{[37532]} يريد { ذلكم الله ربكم فاعبدوه } { ما خلق الله ذلك إلا بالحق } ثم توعد سبحانه الغافلين عن{[37533]} التفكر في عظيم آياته حتى أدتهم الغفلة إلى مرتكب سلفهم في العجب والإنكار حتى قالوا{ مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } [ الفرقان : 7 ] وقالوا{ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا } [ الفرقان : 21 ] وهذه{[37534]} مقالات الأمم المتقدمة{ قالوا ما أنتم{[37535]} إلا بشر مثلنا } [ يس : 15 ] { فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا } [ المؤمنون : 47 ] { ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم }{[37536]}[ سبأ : 43 ] فقال تعالى متوعداً للغافلين { إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا } ، ثم وعد المعتبرين{[37537]} فقال { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم } ، وكل هذا بيّن الالتحام جليل الالتئام ، ثم تناسجت آي السور - انتهى .


[37505]:من ظ، وفي الأصل: منتهى.
[37506]:في ظ: عن.
[37507]:سقط من ظ.
[37508]:في ظ: كما.
[37509]:من ظ، وفي الأصل: ترتيبه.
[37510]:في ظ: هي.
[37511]:في ظ: عجز.
[37512]:في ظ: الحروف.
[37513]:في ظ: فيه من.
[37514]:من ظ، وفي الأصل: تأكد.
[37515]:من ظ، وفي الأصل: ها.
[37516]:في ظ: بين.
[37517]:سقط من ظ.
[37518]:آية 40.
[37519]:آية 43.
[37520]:في ظ: للمؤمنين.
[37521]:آية 61.
[37522]:زيد من ظ والقرآن الكريم آية 128.
[37523]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[37524]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[37525]:سقط من ظ.
[37526]:من ظ، وفي الأصل: الجسد.
[37527]:في ظ: العظيم.
[37528]:في ظ: عجبا للناس.
[37529]:في ظ: عجبا للناس.
[37530]:واختلاف القراءة فيه يأتي في محله.
[37531]:في ظ: يعترض.
[37532]:في ظ: ما.
[37533]:من ظ، وفي الأصل: على.
[37534]:في ظ: هذا.
[37535]:في ظ: أنت.
[37536]:من القرآن الكريم سورة 34 آية 43، وفي الأصل وظ: أن ـ كذا.
[37537]:من ظ، وفي الأصل: المغترين.