أراذل : جمع أرذل ، وهو الخسيس الدنيء .
بادى الرأي : ظاهره قبل التأمل في باطنه .
اختار الله تعالى نوحاً من بين أولئك القوم لينذرَهم عذابَ الله ، لأنهم تمادَوا في غيِّهم وضلالهم . وقد اجتمع كبراؤهم وأهلُ الثراء فيهم على تكذيبه واحتقاره هو ومن اتبعه ، واستبعدوا أن يكونَ واحدٌ منهم - لا يمتاز عليهم بالغِنى والجاه- هو المختار لهدايتهم ، وأَنِفوا أن يكونوا مثل الّذين اتّبعوا نوحاً من الضعفاء . وزعموا أن هؤلاء قد اتبعوه من غير رويّة ولا تفكير ، «بادى الرأي » .
{ الملأ } : الأشراف و أهل الحل و العقد في البلاد .
{ أراذلنا } : جمع أرذل و هو أكبر خسة و دناءة .
{ بادي الرأي } : أي ظاهر الرأي ، لا عمق عندك في التفكير و التصور للأشياء .
{ فقال الملأ الذين كفروا من قومه } أي فردّ على نوح ملأ قومه أشرافهم و أهل الحل و العقد فيهم ممن كفروا بالله و رسوله فقالوا { ما نراك إلا بشراً مثلنا } أي لا فضل لك علينا فكيف تكون رسولاً لنا و نحن مثلك هذا أولاً و ثانيًا { و ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } أي سفلتنا من أهل المهن المحتقرة كالحياكة و الجزارة و نحوها و قولهم بادي الرأي أي ظاهر الرأي لا عمق في التفكير ولا سلامة في التّصوّر عندك و قولهم { وما نرى لكم علينا في فضل } أي و ما نرى لكم علينا في أي فضل تستحقون به أن نصبح أتباعاً لكم فنترك ديننا و نتبعكم على دينكم بل نظنكم كاذبين فينا تقولون .
- اتباع الرسل هم الفقراء و الضعفاء و خصومهم الأغنياء و الأشراف و الكبراء .
- احتقار أهل الكبر لمن دونهم . و في الحديث " الكبر بطر الحق و غمط الناس " .
{ 27 } { فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } أي : الأشراف والرؤساء ، رادين لدعوة نوح عليه السلام ، كما جرت العادة لأمثالهم ، أنهم أول من رد دعوة المرسلين .
{ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا } وهذا مانع بزعمهم عن اتباعه ، مع أنه في نفس الأمر هو الصواب ، الذي لا ينبغي غيره ، لأن البشر يتمكن البشر ، أن يتلقوا عنه ، ويراجعوه في كل أمر ، بخلاف الملائكة .
{ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا } أي : ما نرى اتبعك منا إلا الأراذل والسفلة ، بزعمهم .
وهم في الحقيقة الأشراف ، وأهل العقول ، الذين انقادوا للحق ولم يكونوا كالأراذل ، الذين يقال لهم الملأ ، الذين اتبعوا كل شيطان مريد ، واتخذوا آلهة من الحجر والشجر ، يتقربون إليها ويسجدون لها ، فهل ترى أرذل من هؤلاء وأخس ؟ .
وقولهم : { بَادِيَ الرَّأْيِ } أي : إنما اتبعوك من غير تفكر وروية ، بل بمجرد ما دعوتهم اتبعوك ، يعنون بذلك ، أنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم ، ولم يعلموا أن الحق المبين تدعو إليه بداهة العقول ، وبمجرد ما يصل إلى أولي الألباب ، يعرفونه ويتحققونه ، لا كالأمور الخفية ، التي تحتاج إلى تأمل ، وفكر طويل .
{ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ } أي : لستم أفضل منا فننقاد لكم ، { بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ } وكذبوا في قولهم هذا ، فإنهم رأوا من الآيات التي جعلها الله مؤيدة لنوح ، ما يوجب لهم الجزم التام على صدقه .
قوله تعالى : { فقال الملأ الذين كفروا من قومه } : والملأ هم الأشراف والرؤساء . { ما نراك } ، يا نوح ، { إلا بشرا } ، آدميا ، { مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } ، سفلتنا ، والرذل : الدون من كل شيء والجمع : أرذل ، ثم يجمع على أراذل ، مثل : كلب وأكلب وأكالب ، وقال في سورة الشعراء :{ واتبعك الأرذلون } يعني : السفلة . وقال عكرمة : الحاكة والأساكفة ، { بادي الرأي } ، قرأ أبو عمرو بادئ بالهمزة ، أي : أول الرأي ، يريدون أنهم اتبعوك في أول الرأي من غير روية وتفكر ، ولو تفكروا لم يتبعوك . وقرأ الآخرون بغير همز ، أي ظاهر الرأي من قولهم : بدا الشيء : إذا ظهر ، معناه : اتبعوك ظاهرا من غير أن يتدبروا ويتفكروا باطنا . قال مجاهد : رأي العين ، { وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين } .
قوله : { فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نرك إلا بشرا مثلنا } الملأ الذين كفروا من قومه ، هم الكبراء والأشراف من قوم نوح الذين جحدوا نبوته وصدوا الناس عن الإيمان بدينه ، فقد قالوا : { وما نراك إلا بشرا مثلنا } أي لست إلا آدميا تشبه في خلقك وصورتك ؛ فقد كانوا ينكرون أن رسول الله للناس رسولا من البشر ، بل ظنوا أن الله لا يرسل إلا ملكا من الملائكة .
قوله : { وما نرك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي } أي ما نراك اتبعك إلا الذين هم أخساؤنا وسلفتنا من الناس الفقراء والمغلوبين ، ليس الكبراء والأشراف والأغنياء . { بادي الرأي } { بادي } ، تقرا بالهمز وغير الهمز . فبادئ بالهمز اسم فاعل من بدأ يبدأ ؛ أي أول الرأي .
وبادي بغير همز ، اسم فاعل من بدا يبدوا إذا ظهر ؛ أي ظاهر الرأي . وبادي منصوب على الظرف ، وأصله : وقت حدوث ظاهر رأيهم ، أو أول رأيهم{[2076]} .
والمعنى المقصود من قولهم لنوح عليه السلام : أن اتباعهم لك أمر قد عن لهم من غير رواية ولا تثبيت ولا نظر . ولو أنهم تفكروا ما اتبعوك . ذلك هو قول الجاحدين العتاة من الظالمين والمجرمين ؛ أولئك الذين مردوا على العناد والمكابرة والعصيان ؛ فلا تصيخ قلوبهم للحق الواضح المستبين ، ولا تستجيب أذهانهم للحجة الجلية المكشوفة التي جاء بها النبيون والمرسلون ؛ لقد جاءوا بالحجة الساطعة سطوع الشمس في وضح النهار المتجلي ، ومع ذلك فلا يستجيب الجاحدون الأشقياء ، ويأبون إلا العتو والاستنكاف والإدبار في خسة ولؤم ، أولئك هم الشاردون شرود الشياطين ، إذا ما ذكر الله .
أما المؤمنون المبرأون من معايب النفس المريضة ، الأسوياء في فطرهم وطبائعهم ؛ فإنهم ما لبثوا أن يبادروا بالإيمان والاستجابة والطاعة في غير ما التواء ولا إبطاء ولا تحمل . أولئك هم الأسوياء الكرام من البشر الذين سمت نفوسهم وطبائعهم فوق الأمراض والعقد والشذود فأوجفوا{[2077]} بأنفسهم سراعا لا ستلهام المعاني الخيرة العظيمة التي حملها غليهم النبيون والمرسلون .
قوله : { وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين } يخاطب المشركون الظالمون نبيهم نوحا والذين آمنوا معه ليقولون لهم في استكبار فاجر : ليس لكم علينا من فضل أو شرف تتميزون به علينا ؛ بل إنكم كاذبون فيما جئتمونا به . وهذا تكذيب منهم ظاهر لنبوة نوح وما جاءهم به من دين وتوحيد{[2078]} .