تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا} (19)

العضل : التضييق والشدة . ولا تعضلوهن : لا تمنعوهن من الزواج .

الفاحشة : الفعلة الشنيعة .

مبينة : ظاهرة ، مفضوحة .

المعروف : ما تألفه الطباع .

روى البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم أنه كان إذا مات الرجل في الجاهلية كان أولياؤه أحقَّ بامرأته ، إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاؤوا زوّجوها لمن يشاؤون ، وإن شاؤوا لم يزوجوها أبدا . كانوا هم أحق بها من أهلها . . فنزلت هذه الآية . ومن بعض عادات الجاهلية الممقوتة أن كان الرجل إذا مات أبوه عن زوجة غير أُمه فرض عليها زواجها منه ، من غير عقد جديد . وكان إذا طلق امرأته وقد دخل بها فإنه يسترد كلَّ ما أعطاها من مهر سابق . ومنهم من كان يطلقها ويعمل على منعها من الزواح بغيره ظلماً وعدوانا . . فجاء الإسلام ورفع عنها ظُلم العضل ، وهو من المرأة من الزواج بمن تريد ، أو إيذاؤها لحملها على طلب الطلاق لقاءَ مال تدفعه إلى الزوج .

كذلك كان من الجائز عندهم أن يتزوج الرجل مطلقة أبيه ، فنهى الإسلام عنه ، وسماه مقتا ، لأنه أمر فاحش القبح .

يا أيها المؤمنون ، لا يحلّ لكم أن تسيروا على سنة الجاهلية فتجعلوا النساء كالمتاع ، وترثونهنّ كما ترثون الأموال والعبيد ، وتتصرفون فيهن كما تشاؤون ، تتخذونهن زوجات من غير مهر ، كرهاً . ولا تظلموهن بالتضييق عليهن حتى يفتدين أنفسهن منكم بالمال الذي دفعتُموه لهن من مهور ، أو ما حصلن عليه من ميراث .

{ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } إلا أن يرتكبن إثماً بيناً بزنىً ، أو بنشوز أو سوء خلق ، فعند ذلك لكم أن تضيّقوا عليهن أو تأخذوا بعض ما آتيتموهن عند الفراق .

{ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف } عليكم أن تحسنوا معاشرة النساء ، فتدخلوا عليهن السرور بالقول والعمل . والزواج شركة يجب أن يكون فيها كل من الزوجين مدعاة لسرور الآخر وهناءته { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً . . . } الآية . فالزواج مبنيّ على المودة والرحمة في الإسلام .

{ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ . . . } لِعَيْبٍ في أخلاقهن أو خَلْقهن ، أو لتقصير في العمل والواجب عليهن كخدمة البيت وغير ذلك ؛ أو لميل منكم إلى غيرهن ، فاصبروا و لاتَعْجلوا بمضارتّهنّ ولا مفارقتهن ، عسى أن يجعل الله في المكروه خيرا كثيرا .

قراءات :

قرأ حمزة والكسائي : «كرها » بالضم وهما لغتان كَرها وكُرها . وقرأ ابن كثير وأبو بكر «مبينة » بفتح الياء ، هنا وفي سورة الأحزاب وسورة الطلاق .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا} (19)

{ لا يحل لكم أن ترثوا النساء } قال ابن عباس : " كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاءوا تزوجها أحدهم ، وإن شاءوا زوجوها من غيرهم ، وإن شاءوا منعوها التزوج " ، فنزلت الآية في ذلك ، فمعنى الآية على هذا : لا يحل لكم أن تجعلوا النساء يورثن عن الرجال ، كما يورث المال ، وقيل : الخطاب للأزواج الذين يمسكون المرأة في العصمة ليرثوا مالها من غير غبطة بها ، وقيل : الخطاب للأولياء الذين يمنعون ولياتهم من التزوج ليرثوهن دون الزوج .

{ ولا تعضلوهن } معطوف على { أن ترثوا } ، أو نهي والعضل المنع . قال ابن عباس : " هي أيضا في أولياء الزوج الذين يمنعون زوجته من التزوج بعد موته " ، إلا أن قوله :{ ما آتيتموهن } على هذا معناه ما آتاها الرجل الذي مات ، وقال ابن عباس : " هي في الأزواج الذين يمسكون المرأة ويسيئون عشرتها حتى تفتدي بصداقها " ، وهو ظاهر اللفظ في قوله :{ ما آتيتموهن } ، ويقويه قوله :{ وعاشروهن بالمعروف }[ النساء :19 ] ، فإن الأظهر فيه أن يكون في الأزواج ، وقد يكون في غيرهم ، وقيل : هي للأولياء .

{ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قيل : الفاحشة هنا الزنا ، وقيل : نشوز المرأة وبغضها في زوجها ، فإذا نشزت جاز له أن يأخذ ما آتاها من صداق أو غير ذلك من مالها وهذا جائز على مذهب مالك في الخلع ، إذا كان الضرر من المرأة ، والزنا أصعب على الزوج من النشوز ، فيجوز له أخذ الفدية .

{ فإن كرهتموهن } الآية : معناها إن كرهتم النساء لوجه فاصبروا عليه ، فعسى أن يجعل الله الخير في وجه آخر ، وقيل : الخير الكثير الولد ، والأحسن العموم ، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يترك مؤمن مؤمنة ، إن سخط منها خلقا رضي آخر " .