البأساء : الشدّة على الإنسان في ماله وفي نفسه ووطنه .
والضراء : ما يصيب الانسان في نفسه كالقتل والجرح والمرض .
بعد أن أمر الله تعالى بالوفاق والسلام ، وأرشد إلى حاجة البشر إلى معونة بعضهم بعضاً لكثرة المطالب وتعدد الرغبات ، دعت الضرورة إلى شرع يحدد الحقوق ويهدي العقول إلى ما لا مجال للنزاع فيه .
وقد روى الطبري عن السدّي أن هذه الآية نزلت في غزوة الخندق . ومعنى الآية : أم حسبتم أيها المؤمنون ، أن تدخلوا الجنة بمجرد إقراركم بكلمة الإسلام دون أن يصيبكم ما أصاب الذين من قبلكم من أتباع الرسل والأنبياء من الشدائد والمحن ، وأن تُبتلوا بمثل ما ابتلوا به من البأساء وهي شدة الحاجة والفاقة ، ومن الضراء وهي العلل والأمراض ، ولم تُزلزَلوا ، أي لم يصِبكم من أعدائكم كثير من الخوف والرعب ! كلا ، إنكم مثلهم .
وقد أخذتهم الشدة حتى بلغ الأمر أن قالوا متى نصرُ الله ؟ ثم أخبرهم الله أن نصره قريب ، وأنه جاعلهم فوق عدوّهم .
قوله تعالى : " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة " " حسبتم " معناه ظننتم . قال قتادة والسدي وأكثر المفسرين : نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة ، والحر والبرد ، وسوء العيش ، وأنواع الشدائد ، وكان كما قال الله تعالى : " وبلغت القلوب الحناجر " {[1903]} . وقيل : نزلت في حرب أحد ، نظيرها - في آل عمران - " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم " {[1904]} . وقالت فرقة : نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين ، وآثروا رضا الله ورسوله ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسر قوم من الأغنياء النفاق ، فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم " أم حسبتم " . و " أم " هنا منقطعة ، بمعنى بل ، وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة ألف الاستفهام ليبتدأ بها ، و " حسبتم " تطلب مفعولين ، فقال النحاة : " أن تدخلوا " تسد مسد المفعولين . وقيل : المفعول الثاني محذوف{[1905]} : أحسبتم دخولكم الجنة واقعا . و " لما " بمعنى لم . و " مثل " معناه شبه ، أي ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم فتصبروا كما صبروا . وحكى النضر بن شميل{[1906]} أن " مثل " يكون بمعنى صفة ، ويجوز أن يكون المعنى : ولما يصبكم مثل الذي أصاب الذين من قبلكم ، أي من البلاء . قال وهب : وجد فيما بين مكة والطائف سبعون نبيا موتى ، كان سبب موتهم الجوع والقمل ، ونظير هذه الآية " الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم " {[1907]} على ما يأتي ، فاستدعاهم تعالى إلى الصبر ، ووعدهم على ذلك بالنصر فقال : " ألا إن نصر الله قريب " . والزلزلة : شدة التحريك ، تكون في الأشخاص وفي الأحوال ، يقال : زلزل الله الأرض زلزلة وزلزالا - بالكسر - فتزلزلت إذا تحركت واضطربت ، فمعنى " زلزلوا " خوفوا وحركوا . والزلزال - بالفتح - الاسم . والزلازل : الشدائد . وقال الزجاج : أصل الزلزلة من زل الشيء عن مكانه ، فإذا قلت : زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه . ومذهب سيبويه أن زلزل رباعي كدحرج . وقرأ نافع " حتى يقول " بالرفع ، والباقون بالنصب . ومذهب سيبويه في " حتى " أن النصب فيما بعدها من جهتين والرفع من جهتين ، تقول : سرت حتى أدخل المدينة - بالنصب - على أن السير والدخول جميعا قد مضيا ، أي سرت إلى أن أدخلها ، وهذه غاية ، وعليه قراءة من قرأ بالنصب . والوجه الآخر في النصب في غير الآية سرت حتى أدخلها ، أي كي أدخلها . والوجهان في الرفع سرت حتى أدخلها ، أي سرت فأدخلها ، وقد مضيا جميعا ، أي كنت سرت فدخلت . ولا تعمل حتى ههنا بإضمار أن ، لأن بعدها جملة ، كما قال الفرزدق :
فيا عجبا حتى كُلَيْبٌ تَسُبُّنِي{[1908]}
قال النحاس : فعلى هذا القراءة بالرفع أبين وأصح معنى ، أي وزلزلوا حتى الرسول يقول ، أي حتى هذه حاله ؛ لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها ، والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى . والرسول هنا شعيا في قول مقاتل ، وهو اليسع . وقال الكلبي : هذا في كل رسول بعث إلى أمته وأجهد في ذلك حتى قال : متى نصر الله ؟ . وروي عن الضحاك قال : يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، وعليه يدل نزول الآية ، والله أعلم . والوجه الآخر في غير الآية سرت حتى أدخلها ، على أن يكون السير قد مضى والدخول الآن . وحكى سيبويه : مرض حتى لا يرجونه ، أي هو الآن لا يرجى ، ومثله سرت حتى أدخلها لا أمنع . وبالرفع قرأ مجاهد والأعرج وابن محيصن وشيبة . وبالنصب قرأ الحسن وأبو جعفر وابن أبي إسحاق وشبل وغيرهم . قال مكي : وهو الاختيار ، لأن جماعة القراء عليه . وقرأ الأعمش : " وزلزلوا ويقول الرسول " بالواو بدل حتى . وفي مصحف ابن مسعود : " وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول " . وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين ، أي بلغ الجهد بهم حتى استبطؤوا النصر ، فقال الله تعالى : " ألا إن نصر الله قريب " . ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك وارتياب . والرسول اسم جنس . وقالت طائفة : في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله ، فيقول الرسول : ألا إن نصر الله قريب ، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته ، ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان . قال ابن عطية : وهذا تحكم ، وحمل الكلام على وجهه غير متعذر . ويحتمل أن يكون " ألا إن نصر الله قريب " إخبارا من الله تعالى مؤتنفا بعد تمام ذكر القول .
قوله تعالى : " متى نصر الله " رفع بالابتداء على قول سيبويه ، وعلى قول أبي العباس رفع بفعل ، أي متى يقع نصر الله . و " قريب " خبر " إن " . قال النحاس : ويجوز في غير القرآن " قريبا " أي مكانا قريبا . و " قريب " لا تثنيه العرب ولا تجمعه ولا تؤنثه في هذا المعنى ، قال الله عز وجل : " إن رحمة الله قريب من المحسنين{[1909]} " . وقال الشاعر{[1910]} :
له الويلُ إن أمسى ولا أم هاشم *** قريبٌ ولا بَسْبَاسَةُ بْنَةُ يَشْكُرَا
فإن قلت : فلان قريب لي ثنيت وجمعت ، فقلت : قريبون وأقرباء وقرباء .
قوله تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) . ( أم ) تعني بل . للاستفهام . ( حسبتم ) أي ظننتم وهي تنصب مفعولين الأول المصدر من أن تدخلوا . والثاني محذوف تقديره واقعا . وتقدير العبارة : بل حسبتم دخول الجنة واقعا . ولما أداة نفي وجزم .
وقد جاء في سبب نزول هذه الآية عدة أقوال ، منها أنها نزلت في غزوة الخندق عندما أصاب المسلمين الفزع ونالهم من الكرب والشدة ما نالهم .
ومنها أنها نزلت بعد معركة أحد ، وهي المعركة الحافلة بالمواقف والمشاهد والعبر ، وقد مني المسلمون عقيبها بجراحات وقتل ، وأصابهم من القرح ما هزهم هزا .
ومنها أنها نزلت ؛ لتسري عن المهاجرين لتركهم ديارهم وأموالهم وأهليهم بعد أن خرجوا إلى المدينة لا يملكون من كراع الدنيا وزخرفها شيئا . وقيل غير ذلك{[290]} .
والصحيح أن هذه الآية تفيد العموم ، فهي في مدلولها تنسحب على كل المؤمنين الذين يقعون تحت طائلة الظالمين ليسوموهم العذاب الأليم ، وليست هذه الحقيقة قاصرة على زمن بعينه أو مكان محدود أو مجموعة من الناس بالذات ، ولكنها تصدق على كل مؤمن أيا كان ابتلاه الله بشيء من عذاب .
ويذكر الله عباده المؤمنين من أصحاب الملة المحمدية بالذين خلوا من قبلهم أي مضوا وبيّن لهم أنهم ( مستهم البأساء والضراء وزلزلوا ) و ( البأساء ) معناها الفقر و ( والضراء ) المرض . فالذين مضوا من قبلُ من المؤمنين امتحنهم الله بالشدائد والأرزاء التي تفتر عندها الهمم وتلين أمامها الإرادات . وكذلك قد امتحنهم بالله بالخوف والترعيب من الأعداء حتى ( زلزلوا ) أي حُرّكوا واضطربوا من شدة الخوف . والزلزلة تكون في الأشخاص وفي الأوضاع والأحوال ، وهي بمعنى الحركة والاضطراب لما حل من نكبات وقوارع ترتجف لها القلوب والأبدان .
وذلكم هو شان المؤمنين السابقين الذين ابتلوا بأشد ما يواجه الإنسان من شدائد كالفقر والسقم والترويع من الأعداء الذين بل يرعون في المؤمنين في كل زمان ومكان كرامة أو اعتبارا ، وإنما ينقضّون عليهم انقضاض الوحوش الكواسر في غابات يغيب فيها النظام والمنطق والضمير والرحمة .
وفي مثل هذه الزلزلة التي كانت تغشى عباد الله المؤمنين الصابرين عبر العصور السابقة ، يحدثنا الخباب بن الأرت قال : قلنا : يا رسول الله ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا . فقال : " إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه ، فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه " ثم قال : " والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون " . وفي هذا المعنى من التعذيب للمؤمنين والترويع لهم يقول عز من قائل في آية أخرى : ( ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) .
وفي يوم الأحزاب " معركة الخندق " أخذت المسلمين نوبة من الزلزال الشديد ؛ لما حاق بهم من شدة وضيق وخوف حتى زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر . وفي ذلك قال عز من قائل : ( إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ) .
وقوله : ( حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ) . ( والرسول ) اسم جنس ، فهو لا يراد به خصوص رسول متعين ، بل عموم الرسل الذين أصابهم والذين آمنوا معهم البلاء والشدّة . وقيل : المراد بالرسول هو محمد ( ص ) . والقول الأول الراجح ؛ لعدم الدليل على تخصيصه . والمعنى أن الرسول والذين معه ، ممن ابتلاهم الله بنكال الكافرين وعدوانهم كان الضيق يبلغ منهم أشد مبلغ بعد أن تنزل بساحتهم الويلات وعظائم الأمور ويزلزلوا ، وإذ ذاك يجأرون إلى الله بالدعاء ليعجل لهم بالفرج وهم يقولون ( متى نصر الله ) ( متى ) اسم استفهام في محل رفع خبر مقدم . ( نصر ) مبتدأ مؤخر . والجملة الإسمية من المبتدأ وخبره في محل نصب مفعول به ليقول . وبعد هذا الامتحان العسير والكروب المريرة التي تمر بالفئة المؤمنة الصابرة ، وبعد ما ألم بعباد الله العاملين المخلصين من ضروب الشدائد والأهوال وضروب الترويع والترعيب ، بعد ذلك كله ينبجس الفرج ويأتي الخلاص والنصر من عند الله . وفي ذلك يهتف القرآن في تقرير رباني حاسم ونداء علوي مبشر مريح ( ألا إن نصر الله قريب ) .