الأولى : قوله تعالى : " يسألونك " إن خففت الهمزة ألقيت حركتها على السين ففتحها وحذفت الهمزة فقلت : يسلونك . ونزلت الآية في عمرو بن الجموح ، وكان شيخا كبيرا فقال : يا رسول الله ، إن مالي كثير ، فبماذا أتصدق ، وعلى من أنفق ؟ فنزلت " يسألونك ماذا ينفقون " .
الثانية : قوله تعالى : " ماذا ينفقون " " ما " في موضع رفع بالابتداء ، و " ذا " الخبر ، وهو بمعنى الذي ، وحذفت الهاء لطول الاسم ، أي ما الذي ينفقونه ، وإن شئت كانت " ما " في موضع نصب ب " ينفقون " و " ذا " مع " ما " بمنزلة شيء واحد ولا يحتاج إلى ضمير ، ومتى كانت اسما مركبا فهي في موضع نصب ، إلا ما جاء في قول الشاعر :
وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا *** سوى أن يقولوا إنني لك عاشقُ
فإن " عسى " لا تعمل فيه ، ف " ماذا " في موضع رفع وهو مركب ، إذ لا صلة ل " ذا " .
الثالثة : قيل : إن السائلين هم المؤمنون ، والمعنى يسألونك ما هي الوجوه التي ينفقون فيها ، وأين يضعون ما لزم إنفاقه . قال السدي : نزلت هذه الآية قبل فرض الزكاة ثم نسختها الزكاة المفروضة . قال ابن عطية : ووهم المهدوي على السدي في هذا ، فنسب إليه أنه قال : إن الآية في الزكاة المفروضة ثم نسخ منها الوالدان . وقال ابن جريج وغيره : هي ندب ، والزكاة غير هذا الإنفاق ، فعلى هذا لا نسخ فيها ، وهي مبينة لمصارف صدقة التطوع ، فواجب على الرجل الغني أن ينفق على أبويه المحتاجين ما يصلحهما في قدر حالهما من حاله ، من طعام وكسوة وغير ذلك . قال مالك ، ليس عليه أن يزوج أباه ، وعليه أن ينفق على امرأة أبيه ، كانت أمه أو أجنبية ، وإنما قال مالك : ليس عليه أن يزوج أباه لأنه رآه يستغني عن التزويج غالبا ، ولو احتاج حاجة ماسة لوجب أن يزوجه ، ولولا ذلك لم يوجب عليه أن ينفق عليهما . فأما ما يتعلق بالعبادات من الأموال فليس عليه أن يعطيه ما يحج به أو يغزو ، وعليه أن يخرج عنه صدقة الفطر ، لأنها مستحقة بالنفقة والإسلام .
الرابعة : قوله تعالى : " قل ما أنفقتم " " ما " في موضع نصب ب " أنفقتم " وكذا " وما تنفقوا " وهو شرط والجواب " فللوالدين " ، وكذا " وما تفعلوا من خير " شرط ، وجوابه " فإن الله به عليم " وقد مضى القول في اليتيم والمسكين{[1911]} وابن السبيل . ونظير هذه الآية قوله تعالى " فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل " {[1912]} . وقرأ علي بن أبي طالب " يفعلوا " بالياء على ذكر الغائب ، وظاهر الآية الخبر ، وهي تتضمن الوعد بالمجازاة .
قوله تعالى : ( يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ) ( يسألونك ) فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وواو الجماعة فاعل . والكاف ضمير مخاطب في محل نصب مفعول به . ماذا ما اسم استفهام في محل رفع بالابتداء ، ذا خبر ، وقيل ( ماذا ) اسم مركب في محل نصب مفعول به مقدم للفعل ( ينفقون ) .
وقيل : إن الآية نزلت في عمرو بن الجموح إذ قال : يا رسول الله إن مالي كثير فبماذا أتصدق وعلى من أنفق ؟
وقيل أيضا : إن الذين سألوا عن الإنفاق فريق من المؤمنين . سألوا النبي ( ص ) عن كيفية الإنفاق من حيث جهاته أو فيما تكون الصدقة .
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الآية محكمة غير منسوخة ، فالأمر بالإنفاق في الآية للندب لا للوجوب فهو ( الإنفاق ) مندرج في صدقة التطوع إلا ما كان للوالدين فإن الإنفاق عليهما يأخذ حكم الوجوب لا الندب إلا إن كانا ذا يسرة ومال . ويمكن إلحاق بعض الأقربين بالوالدين من حيث الحكم بوجوب النفقة إن كانوا معسرين . وذلك كالأخوات والعمات والخالات أو الأخوة والأعمام والأخوال إن كانوا يبلغون من الأسنان عتيا ولا يقوون على العمل تحصيل الرزق ، أما غير هؤلاء الأقارب ممن هم أقل درجة في القرابة فالنفقة لهم مندوبة . وكذلك ( اليتامى والمساكين وابن السبيل ) لا ينعقد لهم في ذمة المنفقين وجوب بالإنفاق ، بل تكون النفقة عليهم من باب التطور لا الإجبار .
قوله : ( وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم ) ما اسم شرط ، ( تفعلوا من خير ) جملة الشرط . وجوابه : ( فإن الله به عليم ) الفاء مقترنة بالجواب . وذلك تخصيص للمؤمنين على النفقة من أموالهم بسخاء على الأصناف المبينة وهم : الوالدون والأقربون واليتامى والمساكين وابن السبيل . والله جل وعلا لا يخفى عليه العمل الصالح ، فإنه به عليم وهو مجازي الذين ينفقون أموالهم خالصة لوجهه{[291]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.