ليستخلفنهم : يجعلهم خلفاء في الحكم على هذه الأرض .
وليمكننّ لهم دينهم : يثبت لهم الإسلام الذي ارتضاه لهم دينا .
وعد الله المؤمنين الصادقين في إيمانهم العاملين المجاهدين لجعل الإسلام هو الحاكمَ في الأرض ، أن ينصرهم ويجعلهم حكام الأرض ، كما فعل مع المؤمنين الذين سبقوهم . كما وعدهم أن يرسِّخَ دعائم دينهم الذي ارتضاه لهم ، وان يبدِّل حالهم من الخوف الذي عاشوا فيه عند بداية الإسلام إلى أمنِ واستقرار وعز بشرط أن يعبدوا الله وحده .
وقد تحقق هذا الوعدُ لأسلافنا ، وهو قائمٌ إلى الأبد إذا نحن أقمنا على شرطِ الله بأن نصدُق في إيماننا ، ونسيرَ على منهاج ديننا . إن وعدَ الله حقٌّ قائم وشَرْطَ الله حق معروف ، ومن أوفى بعهِده من الله . ! ؟
والذين كفروا بعد هذا الوعد الصادق ، هم الخارجون المتمرّدون ، وحسابهُم على الله . قراءات :
قرأ أبو بكر : { كما استخلف } بضم التاء وكسر اللام ، والباقون : { كما استخلف } بفتح التاء واللام .
وقرأ ابن كثير وابو بكر : { وليبدلنْهم } بإسكان النون ، والباقون : { وليبدلنّهم } بالتشديد .
نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، قاله مالك . وقيل : إن سبب هذه الآية أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شكا جهد مكافحة العدو ، وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم ، وأنهم لا يضعون أسلحتهم ، فنزلت الآية . وقال أبو العالية : مكث رسول صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين بعدما أوحي إليه خائفا هو وأصحابه ، يدعون إلى الله سرا وجهرا ، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة ، وكانوا فيها خائفين يصبحون ويمسون في السلاح . فقال رجل : يا رسول الله ، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ؟ فقال عليه السلام : ( لا تلبثون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس عليه حديدة ) . ونزلت هذه الآية ، وأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فوضعوا السلاح وأمنوا . قال النحاس : فكان في هذه الآية دلالة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله جل وعز أنجز ذلك الوعد . قال الضحاك في كتاب النقاش : هذه [ الآية ]{[12041]}تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ؛ لأنهم أهل الإيمان وعملوا الصالحات . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الخلافة بعدي ثلاثون ) . وإلى هذا القول ذهب ابن العربي في أحكامه ، واختاره ، وقال : قال علماؤنا هذه الآية دليل على خلافة الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم ، وأن الله استخلفهم ورضي أمانتهم ، وكانوا على الدين الذي ارتضى لهم ؛ لأنهم لم يتقدمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا ، فاستقر الأمر لهم ، وقاموا بسياسة المسلمين ، وذبوا عن حوزة الدين ، فنفذ الوعد فيهم ، وإذا لم يكن هذا الوعد لهم نجز ، وفيهم نفذ ، وعليهم ورد ، ففيمن يكون إذا ، وليس بعدهم مثلهم إلى يومنا هذا ، ولا يكون فيما بعده . رضي الله عنهم . وحكى هذا القول القشيري عن ابن عباس . واحتجوا بما رواه سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا ) . قال سفينة : أمسك عليك{[12042]} ، خلافة أبي بكر سنتين ، وخلافة عمر عشرا ، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة ، وخلافة علي ستا . وقال قوم : هذا وعد لجميع الأمة في ملك الأرض كلها تحت كلمة الإسلام ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ( زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها ) . واختار هذا القول ابن عطية في تفسيره حيث قال : والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور ، واستخلافهم هو أن يملكهم البلاد ويجعلهم أهلها ، كالذي جرى في الشام والعراق وخراسان والمغرب . قال ابن العربي : قلنا لهم هذا وعد عام في النبوة والخلافة وإقامة الدعوة وعموم الشريعة ، فنفذ الوعد في كل أحد بقدره وعلى حاله ، حتى في المفتين والقضاة والأئمة ، وليس للخلافة محل تنفذ فيه الموعدة الكريمة إلا من تقدم من الخلفاء . ثم ذكر اعتراضا وانفصالا معناه : فإن قيل هذا الأمر لا يصح إلا في أبي بكر وحده ، فأما عمر وعثمان فقتلا غيلة ، وعلي قد نوزع في الخلافة . قلنا : ليس في ضمن الأمن السلامة من الموت بأي وجه كان ، وأما علي فلم يكن نزاله في الحرب مذهبا للأمن ، وليس من شرط الأمن رفع الحرب إنما شرطه ملك الإنسان لنفسه باختياره ، لا كما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة . ثم قال في آخر كلامه : وحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين فصاروا قاهرين ، وكانوا مطلوبين فصاروا طالبين ، فهذا نهاية الأمن والعز .
قلت : هذه الحال لم تختص بالخلفاء الأربعة رضي الله عنهم حتى يخصوا بها من عموم الآية ، بل شاركهم في ذلك جميع المهاجرين بل وغيرهم . ألا ترى إلى إغزاء قريش المسلمين في أحد وغيرها وخاصة الخندق ، حتى أخبر الله تعالى عن جميعهم فقال : " إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا . هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا " {[12043]} [ الأحزاب : 10 - 11 ] . ثم إن الله رد الكافرين لم ينالوا خيرا ، وأمن المؤمنين وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم ، وهو المراد بقوله : " ليستخلفنهم في الأرض " . وقوله : " كما استخلف الذين من قبلهم " يعني بني إسرائيل ، إذ أهلك الله الجبابرة بمصر ، وأورثهم أرضهم وديارهم فقال : " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها " {[12044]} [ الأعراف : 137 ] . وهكذا كان الصحابة مستضعفين خائفين ، ثم إن الله تعالى أمنهم ومكنهم وملكهم ، فصح أن الآية عامة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غير مخصوصة ؛ إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب له التسليم ، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم . وجاء في معنى تبديل خوفهم بالأمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال أصحابه : أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ؟ فقال عليه السلام : ( لا تلبثون إلا قليلا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم مُحْتَبِيا ليس عليه حديدة ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) . خرجه مسلم في صحيحه ، فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم . فالآية معجزة النبوة ؛ لأنها إخبار عما سيكون فكان .
قوله تعالى : " ليستخلفنهم في الأرض " فيه قولان : أحدهما : يعني أرض مكة ؛ لأن المهاجرين سألوا الله تعالى ذلك فوعدوا كما وعدت بنو إسرائيل ، قال معناه النقاش . الثاني : بلاد العرب والعجم . قال ابن العربي : وهو الصحيح ؛ لأن أرض مكة محرمة على المهاجرين ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لكن البائس سعد بن خولة ) . يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة . وقال في الصحيح أيضا : ( يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا ) . واللام في " ليستخلفهم " جواب قسم مضمر ؛ لأن الوعد قول ، مجازها : قال الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات والله ليستخلفنهم في الأرض فيجعلهم ملوكها وسكانها . " كما استخلف الذين من قبلهم " يعني بني إسرائيل ، أهلك الجبابرة بمصر والشام وأورثهم أرضهم وديارهم . وقراءة العامة " كما استخلف " بفتح التاء واللام ؛ لقوله : " وعد " . وقوله : " ليستخلفنهم " . وقرأ عيسى بن عمر وأبو بكر والمفضل عن عاصم " استخلف " بضم التاء وكسر اللام على الفعل المجهول . " وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم " وهو الإسلام ، كما قال تعالى : " ورضيت لكم الإسلام دينا " [ المائدة : 3 ] وقد تقدم{[12045]} . وروي سليم بن عامر عن المقداد بن الأسود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما على ظهر الأرض بيت حجر ولا مدر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل أما بعزهم فيجعلهم من أهلها وأما بذلهم فيدينون بها ) . ذكره الماوردي حجة لمن قال : إن المراد بالأرض بلاد العرب والعجم ، وهو القول الثاني ، على ما تقدم آنفا . " وليبدلنهم " قرأ ابن محيصن وابن كثير ويعقوب وأبو بكر بالتخفيف ، من أبدل ، وهي قراءة الحسن ، واختيار أبي حاتم . الباقون بالتشديد ، من بدل ، وهي اختيار أبي عبيد ؛ لأنها أكثر ما في القرآن ، قال الله تعالى : " لا تبديل لكلمات الله " {[12046]} [ يونس : 64 ] . وقال : " وإذا بدلنا{[12047]} آية " [ النحل : 101 ] ونحوه ، وهما لغتان . قال النحاس : وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال : قرأ عاصم والأعمش " وليبدلنهم " مشددة ، وهذا غلط على عاصم ، وقد ذكر بعده غلطا أشد منه ، وهو أنه حكى عن سائر الناس التخفيف . قال النحاس : وزعم أحمد بن يحيى أن بين التثقيل والتخفيف فرقا ، وأنه يقال : بدلته أي غيرته ، وأبدلته أزلته وجعلت غيره . قال النحاس : وهذا القول صحيح ، كما تقول : أبدل لي هذا الدرهم ، أي أزله وأعطني غيره . وتقول : قد بدلت بعدنا ، أي غيرت ، غير أنه قد يستعمل أحدهما موضع الآخر ، والذي ذكره أكثر . وقد مضى هذا في " النساء " {[12048]} والحمد لله ، وذكرنا في سورة " إبراهيم " الدليل من السنة على أن بدل معناه إزالة العين ، فتأمله هناك{[12049]} . وقرئ " عسى ربنا أن يبدلنا " {[12050]} [ القلم : 32 ] مخففا ومثقلا . " يعبدونني " هو في موضع الحال ، أي في حال عبادتهم الله بالإخلاص . ويجوز أن يكون استئنافا على طريق الثناء عليهم . " لا يشركون بي شيئا " فيه أربعة أقوال : أحدها : لا يعبدون إلها غيري ، حكاه النقاش . الثاني : لا يراؤون بعبادتي أحدا . الثالث : لا يخافون غيري ، قاله ابن عباس . الرابع : لا يحبون غيري ، قاله مجاهد . " ومن كفر بعد ذلك " أي بهذه النعم . والمراد كفران النعمة ؛ لأنه قال تعالى : " فأولئك هم الفاسقون " والكافر بالله فاسق بعد هذا الإنعام وقبله .