تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا} (46)

الذين هادوا : اليهود .

اسمع غير مسمع : اسمع غير مجاب إلى ما تدعوا إليه .

راعنا : انظُرنا ، وهي توافق كلمة سبٍّ في لغتهم .

أقوم : أعدل .

من اليهود فريق يحرّفون الكلام عن معناه بالتأويل أو الحذف أو التبديل ، وهو أمر أجمعَ عليه أهل النظر من الغربيين . يقول مارتن لوثر في كتابه : اليهود وأكاذيبهم «هؤلاء الكذّابون الحقيقيون مصاصو الدماء ، الذين لم يكتفوا بتحريف الكتاب المقدّس من الدفة إلى الدفة ، بل ما فتئوا يفسّرون محتوياته حسب أهوائهم وشهواتهم » .

فتحريف التوراة حاصل باعتراف النصارى أنفسهم ، ولذلك عندما يقول القرآن شيئاً فإنه يكون حقاً لا شُبهة فيه .

ويقول اليهود في أنفسهم للنبيّ الكريم : سمعنا بالقول وعصَينا الأمر . ويقولون اسمعْ كلامنا -لا سمعتَ دعاء - يدعون بذلك على النبي . ويقولون ( اسمع غير مسمَع ) فيسوقون اللفظ ومرادُهم الدعاءُ عليه ، ويوهمون أن مرادهم الدعاء له ويقولون ، راعِنا ، يلوون بها ألسنتَهم يوهمون أنهم يريدون «انظُرنا » فيُظهرون أنهم يطلبون رعايته ويُبْطنون وصفه بالرعونة لمجرد السبّ والشتم .

ولو أنهم استقاموا وقالوا ( سمعنا وأطعنا ) بدل قولهم ( سمعنا وعصينا ) ، وقالوا ( اسمَع ) دون أن يقولوا ( غير مسمَع ) ، وقالوا ( انظُرنا ) بدل ( راعِنا )- لكان ذلك خيراً لهم وأصوبَ ، لما فيه من الأدب والفائدة وحسن العاقبة ، ولكن الله طردهم من رحمته بإعراضهم عنه ، فلا تجدُ منهم من يستجيبون لداعي الإيمان إلا عدداً قليلا .

وصدق الله . فلم يدخل في الإسلام على مر القرون إلا قليل من اليهود ، ممن قَسَم الله لهم الخير ، وأراد الهدى . أما أغلبهم فقد ظلّوا حرباً على الإسلام والمسلمين ، منذ كانوا في المدينة إلى يومنا الحاضر . هذا مع أنهم لم يجدوا أمةً تحفظهم وتصون حقوقهم كالمسلمين . ولم يعيشوا في أمانٍ إلا في ظِل الإسلام ولا يزالون كذلك حتى الآن في كثير من البلاد الإسلامية .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا} (46)

قوله تعالى : " من الذين هادوا " قال الزجاج : إن جعلت " من " متعلقة بما قبل فلا يوقف على قول " نصيرا " ، وإن جعلت منقطعة فيجوز الوقف على " نصيرا " والتقدير من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم ، ثم حذف . وهذا مذهب سيبويه ، وأنشد النحويون :

لو قلت ما في قومها لم تِيثَمِ{[4537]} *** يفضُلها في حسب ومَبْسِمِ

قالوا : المعنى لو قلت ما في قومها أحد يفضلها ، ثم حذف . وقال الفراء : المحذوف " من " المعنى : من الذين هادوا من يحرفون . وهذا كقوله تعالى : " وما منا إلا له مقام معلوم " {[4538]} [ الصافات : 164 ] أي من له . وقال ذو الرمة :

فظلوا ومنهم دمعه سابق{[4539]} له *** وآخر يُذْرِي{[4540]} عَبْرَةَ العين بالهَمْلِ

يريد ومنهم من دمعه ، فحذف الموصول . وأنكره المبرد والزجاج ؛ لأن حذف الموصول كحذف بعض الكلمة . " يحرفون " يتأولونه على غير تأويله . وذمهم الله تعالى بذلك لأنهم يفعلونه متعمدين . وقيل : " عن مواضعه " يعني صفة النبي صلى الله عليه وسلم . " ويقولون سمعنا وعصينا " أي سمعنا قولك وعصينا أمرك . " واسمع غير مسمع " قال ابن عباس : كانوا يقولون النبي صلى الله عليه وسلم : اسمع لا سمعت ، هذا مرادهم - لعنهم الله - وهم يظهرون أنهم يريدون اسمع غير مسمع مكروها ولا أذى . وقال الحسن ومجاهد : معناه غير مسمع منك ، أي مقبول ولا مجاب إلى ما تقول . قال النحاس : ولو كان كذلك لكان غير مسموع منك . وتقدم القول في " راعنا " {[4541]} . ومعنى " ليا بألسنتهم " أي يلوون ألسنتهم عن الحق أي يميلونها إلى ما في قلوبهم . وأصل اللي الفتل ، وهو نصب على المصدر ، وإن شئت كان مفعولا من أجله . وأصله لويا ثم أدغمت الواو في الياء . " وطعنا " معطوف عليه أي يطعنون في الدين ، أي يقولون لأصحابهم لو كان نبيا لدرى أننا نسبه ، فأظهر الله تعالى نبيه على ذلك فكان من علامات نبوته ، ونهاهم عن هذا القول . ومعنى " أقوم " أصوب لهم في الرأي . " فلا يؤمنون إلا قليلا " أي إلا إيمانا قليلا لا يستحقون به اسم الإيمان . وقيل : معناه لا يؤمنون إلا قليلا منهم ؛ وهذا بعيد لأنه عز وجل قد أخبر عنهم أنه لعنهم بكفرهم .


[4537]:تيثم (بكسر التاء): وهي لغة لبعض العرب، وذلك أنهم يكسرون حروف المضارعة في نحو نعلم وتعلم، فلما كسروا التاء انقلبت الهمزة ياء. والمبسم (بوزن المجلس)" الثغر.
[4538]:راجع ج 15 ص 137.
[4539]:في ديوان ذي الرمة: "غالب" و ""يثني ". وهملان العين فيضانها بالدمع. ويذري: يصيب.
[4540]:في ديوان ذي الرمة: "غالب" و ""يثني ". وهملان العين فيضانها بالدمع. ويذري: يصيب.
[4541]:راجع ج 2 ص 57.