تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ} (111)

قُبُلاً : مواجهة ومعاينة ، وبعضهم قال : قبلا جمع قبيل ، يعني قبيلا قبيلا . بعد أن بين سبحانه في الآيات السابقة أن مقترحي الآيات الكونية أقسموا بالله لو جاءتهم آية ليؤمنن بها ، وأن المؤمنين ودُّوا لو أجيبَ اقتراحهم ، وبيّن المخادعة في ذلك الاقتراح ، فصَّل هنا ما أجملَه في قوله { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } فقال : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملائكة . . . الآية } .

وهذه الآيةُ متعلقة بما كان يقترحه مشركو العرب على الرسول من الخوارق . فيكون المعنى : إن أولئك الذين أقسموا أن يؤمنوا إذا جاءتهم أيةٌ قومٌ كاذبون . فحتى لو نَزّلنا إليهم الملائكة يرونهم رأي العين ، وكلّمهم الموتى بعد إحيائهم وإخراجهم من قبورهم ، وجمعنا لهم كل شيء مواجهةً وعياناً ، لظلّوا على كُفْرهم ، ما لم يشأ الله تعالى أن يؤمنوا . إن أكثر هؤلاء المشركين يا محمد ، يجهلون الحق ، قد امتلأت قلوبهم بالحقد والعناد .

قال ابن عباس : كان المستهزئون بالقرآن خمسة : الوليد بن المغيرة المخزومي ، والعاصي ابن وائل السهمي ، والأسودَ بن يغوث الزُّهري ، والأَسود بن المطلب ، والحارث بن حنظلة : أتوا رسول الله في رهط من أهل مكة وقالوا : أرِنا الملائكة يشهدوا بأنك رسول الله ، أو ابعثْ بعض موتانا حتى نسألهم : أحقُّ ما تقول أم باطل ؟ أو ائتنا بالله والملائكة قبيلا .

فالآية ترد عليهم باطَلهم وتعنتهم .

قراءات :

قرأ نافع وابن عامر «قِبَلاً » بكسر القاف وفتح الباء ، والباقون «قبلا » بالضم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ} (111)

قوله تعالى : " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة " فرأوهم عيانا . " وكلمهم الموتى " بإحيائنا إياهم . " وحشرنا عليهم كل شيء " سألوه من الآيات . " قبلا " مقابلة ، عن ابن عباس وقتادة وابن زيد . وهي قراءة نافع وابن عامر . وقيل : معاينة ، لما آمنوا . وقال محمد بن يزيد : يكون " قبلا " بمعنى ناحية ، كما نقول : لي قبل فلان مال ، فقبلا نصب على الظرف . وقرأ الباقون " قبلا " بضم القاف والباء ، ومعناه ضمناء ، فيكون جمع قبيل بمعنى كفيل ، نحو رغيف ورغف ، كما قال : " أو تأتي بالله والملائكة قبيلا{[6654]} " [ الإسراء : 92 ] ؛ أي يضمنون ذلك . عن الفراء . وقال الأخفش : هو بمعنى قبيل قبيل ، أي جماعة جماعة ، وقاله مجاهد ، وهو نصب على الحال على القولين . وقال محمد بن يزيد : " قبلا " أي مقابلة ، ومنه " إن كان قميصه قد من قبل{[6655]} " [ يوسف : 26 ] . ومنه قبل الرجل ودبره لما كان من بين يديه ومن ورائه . ومنه قبل الحيض . حكى أبو زيد : لقيت فلانا قُبُلا ومقابلة وقَبَلا وقُبَلا ، كله بمعنى المواجهة ، فيكون الضم كالكسر في المعنى وتستوي القراءتان . قاله مكي . وقرأ الحسن " قبلا " حذف الضمة من الباء لثقلها . وعلى قول الفراء يكون فيه نطق ما لا ينطق ، وفي كفالة ما لا يعقل آية عظيمة لهم . وعلى قول الأخفش يكون فيه اجتماع الأجناس الذي ليس بمعهود . والحشر الجمع . " ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله " " أن " في موضع استثناء ليس من الأول ، أي لكن إن شاء ذلك لهم . وقيل : الاستثناء لأهل السعادة الذين سبق لهم في علم الله الإيمان . وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم . " ولكن أكثرهم يجهلون " أي يجهلون الحق . وقيل : يجهلون أنه لا يجوز اقتراح الآيات بعد أن رأوا آية واحدة .


[6654]:راجع ج 10 ص 327.
[6655]:راجع ج 9 ص 172.