تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ} (101)

مَردوا على النفاق : ثبتوا عليه ، وأتقنوا أساليبه .

ثم إنه يذكر حال الطبقة الثانية ، وهم منافقو أهلِ المدينة ومن حولَها :

{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المدينة مَرَدُواْ عَلَى النفاق لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } .

لقد سبق الحديثُ عن المنافقين عامة ، لكن الحديث هنا عن صنف خاص منهم ، حَذَقَ النفاقَ ومَرَنَ عليه ، حتى لَيخفى أمره على رسول الله مع كل فراسته وتجربته . والله تعالى يقرر أن هذه الفئة من الناس موجودةٌ في أهل المدينة وفي الأعراب المحيطين بالمدينة ، ويُطمئن الرسولَ الكريم والمؤمنين معه ، من كيدِ هذه الفئة الماكرة ، وأنه سيتولى أمرهم ولن يدعَهُم ، بل سيعذّبهم عذاباً مضاعفا : مرتين في الدنيا ، مرةً بنصر المسلمين على أعدائهم مما يغيظ أولئك المنافقين ، ومرة بفضيحتهم وكشف نفاقهم . أما في الآخرة فسيَصْلَون عذاب جهنم وهولها الشديد .

وجملة القول أن المنافقين فريقان : فريق عُرفوا بأقوال قالوها ، وأعمال عملوها . . . وهؤلاء مكشوفون معروفون ، وفريق حذَقوا النفاق حتى لا يشعر أحد بشيء يستنكره منهم .

وهذان الفريقان يوجَدان في كل عصر ، والأمة مبتلاةٌ بهم في كل قطر ، وهم يزعمون أنهم يخدمون الأمة باسم الوطنية أو اسم الدين ، ويستغلّون مناصِبهم ، ويجمعون الأموال لأنفسِهم . نسأل الله السلامة منهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ} (101)

قوله تعالى : " وممن حولكم من الأعراب منافقون " ابتداء وخبر . أي قوم منافقون ؛ يعني مزينة وجهينة وأسلم وغفار وأشجع . " ومن أهل المدينة مردوا على النفاق " أي قوم مردوا على النفاق . وقيل : " مردوا " من نعت المنافقين ، فيكون في الكلام تقديم وتأخير ، المعنى . ومن حولكم من الأعراب منافقون مردوا على النفاق ، ومن أهل المدينة مثل ذلك . ومعنى : " مردوا " أقاموا ولم يتوبوا ؛ عن ابن زيد . وقال غيره : لجوا فيه وأبوا غيره ، والمعنى متقارب . وأصل الكلمة من اللين والملامسة والتجرد . فكأنهم تجردوا للنفاق . ومنه{[8241]} رملة مرداء لا نبت فيها . وغصن أمرد لا ورق عليه . وفرس أمرد لا شعر على ثنته{[8242]} . وغلام أمرد بين المرد ، ولا يقال : جارية مرداء . وتمريد البناء تمليسه ، ومنه قوله : " صرح ممرد{[8243]} " [ النمل : 44 ] . وتمريد الغصن تجريده من الورق ، يقال : مرد{[8244]} يمرد مرودا ومرادة . " لا تعلمهم نحن نعلمهم " هو مثل قوله : " لا تعلمونهم الله يعلمهم{[8245]} " [ الأنفال : 60 ] على ما تقدم . وقيل : المعنى لا تعلم يا محمد عاقبة أمورهم وإنما نختص نحن بعلمها ، وهذا يمنع أن يحكم على أحد بجنة أو نار .

قوله تعالى : " سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم " قال ابن عباس : بالأمراض في الدنيا وعذاب الآخرة . فمرض المؤمن كفارة ، ومرض الكافر عقوبة . وقيل : العذاب الأول الفضيحة بإطلاع النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ، على ما يأتي بيانه في المنافقين . والعذاب الثاني عذاب القبر . الحسن وقتادة : عذاب الدنيا وعذاب القبر . ابن زيد : الأول بالمصائب في أموالهم وأولادهم ، والثاني عذاب القبر . مجاهد : الجوع والقتل . الفراء : القتل وعذاب القبر . وقيل : السباء والقتل . وقيل : الأول أخذ الزكاة من أموالهم وإجراء الحدود عليهم ، والثاني عذاب القبر . وقيل : أحد العذابين ما قال تعالى : " فلا تعجبك أموالهم - إلى قوله - إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا{[8246]} " [ التوبة : 55 ] . والغرض من الآية اتباع العذاب ، أو تضعيف العذاب عليهم .


[8241]:في ج: ومثله.
[8242]:الثنة: مؤخر الرسغ: وهي شعرات مدلاة مشرفات من خلف.
[8243]:راجع ج 13 ص.
[8244]:من باب نص.ر وكرم.
[8245]:راجع ص 35 وص 164 من هذا الجزء.
[8246]:راجع ص 35 وص 164 من هذا الجزء.