تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ} (204)

يشهد الله : يحلف بالله .

ألد الخصام : أشد الخصام .

في هذه الآية الكريمة يعرض علينا تعالى نموذجا من صور البشر ، هو : ذلك المنافق الشرير صاحب المظهر الحسن واللسان الذلق اللطيف ، الذي يعجب به الناس . أما فعلُه فهو سيء قبيح . إنه يُشهد الله على أنه مؤمن صادق ، لكنه كذاب آثم خدّاع شديد الخصومة . قال الطبري : نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق ، فقد جاء إلى النبي بالمسجد وأظهر الإسلام ، وكان حسن المنظر فصيحا . لما خرج وتولى صادف في طريقه زرعاً للمسليمن فأحرقه ، وبعضَ الحيوانات فقتلها .

وعلى أي حال فإن العبرة بعموم اللفظ ، والآية تنطبق على كل خداع منافق غشاش .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ} (204)

{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ }

لما أمر تعالى بالإكثار من ذكره ، وخصوصا في الأوقات الفاضلة الذي هو خير ومصلحة وبر ، أخبر تعالى بحال من يتكلم بلسانه ويخالف فعله قوله ، فالكلام إما أن يرفع الإنسان أو يخفضه فقال : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي : إذا تكلم راق كلامه للسامع ، وإذا نطق ، ظننته يتكلم بكلام نافع ، ويؤكد ما يقول بأنه { وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ } بأن يخبر أن الله يعلم ، أن ما في قلبه موافق لما نطق به ، وهو كاذب في ذلك ، لأنه يخالف قوله فعله .

فلو كان صادقا ، لتوافق القول والفعل ، كحال المؤمن غير المنافق ، فلهذا قال : { وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ } أي : إذا خاصمته ، وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب ، وما يترتب على ذلك ، ما هو من مقابح الصفات ، ليس كأخلاق المؤمنين ، الذين جعلوا السهولة مركبهم ، والانقياد للحق وظيفتهم ، والسماحة سجيتهم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ} (204)

قوله تعالى : ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهام ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد ) .

ورد في سبب نزول هذه الآية أن الأخنس بن شريق الثقفي جاء إلى رسول الله ( ص ) فأظهر له الإسلام وهو يخفي في نفسه الكفر والخداع وقال : والله يعلم أنني صادق . وبعد أن انصرف من مكانه مرّ في طريقه بزرع للمسلمين وبحُمُرٍ فأحرق الزرع وعقر الحمر ، فأنزل الله فيه ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا . . )

وقيل : إنها نزلت في المنافقين الذين عابوا نفرا من الصحابة استشهدوا في الرجيع ، وقالوا فيهم : ويح هؤلاء القوم ، لا هم قاعدون في بيوتهم ، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم .

ومع أننا لا ننكر مثل هذا السبب الخاص لنزول الآية إلا أننا نعوّل في هذا الصدد على القاعدة الأصولية التي تذهب إلى أن العبرة في عموم اللفظ لا في خصوص السبب . وعلى هذا فإن الآية يصدق بسطها على كل من يخفي في نفسه كفرا أو نفاقا وهو يظهر من حلاوة اللسان ومعسول القول خلاف ذلك . فالآية بذلك عامة تتناول كل مظاهر النفاق الذي يستتر به الخداعون والكذابون من الناس .

والمعنى للآية أن فريقا من الناس يطوي في صدره الكذب والخداع ، سواء كان كافرا أو مسلما ثم يتظاهر أمام الناس بلبوس من الخلق المصطنع يعجب الناظرين . وهو مع ذلك ( ويشهد الله على ما في قلبه ) أي يقول للناس ليصدقوه : الله يعلم أو يشهد أنني صادق ، لكن الحقيقة أن الله يعلم أنه ألدّ الخصام ، والألدّ من الفعل لدّ يلدّ ، أي اشتدت خصومته ، والمصدر لدَد . نقول : لدّ الرجل خصمه لدّا أي شدد خصومته . ولدود مبالغة ومعناه خصيم ، شديد الخصومة .

أما الخصام فهو مصدر خاصم . نقول خاص يخاصم خصاما . وقيل : جمع ومفرده خصم وهو الشديد الجدال في ظاهر حسن وباطن خبيث{[285]} .


[285]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 39 والقاموس المحيط جـ 4 ص 108.