تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (38)

أي : آدم وحوّاء وإبليس ، فقد انتهى طور النعيم الخالص الذي كنتم فيه ، وادخلوا في طور لكم فيه طريقان : هدًى وإيمان ، وضلال وخسران .

{ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى } عن طريق رسولٍ مرشد ، وكتاب مبين ، فإن لكم الخيار . فمن تبع هداي الذي أشرعه ، وسلَكَ صراطي المستقيم الذي أوضحه ، { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من وسوسة الشيطان ، وما يعقبها من الشقاء والعذاب بعد يوم الحساب والعرض على الملك الديّان ، { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } على فوت مطلوب ، أو فقد محبوب ، لأنهم يعلمون بهذه الهداية أن الصبر والتسليم ، مما يرضى الله ويوجب مثوبته ، فيكون لهم من ذلك خير عوض عما فاتهم ، وأفضل تعزية عما فقدوه .

والهبوط في «اهبطوا » أصله : الانحدار على سبيل القهر ، ويجوز أن يُقصد به هنا مجرد الانتقال ، كما في قوله تعالى : «اهبطوا مصراً » أي : ارتحِلوا إليها .

وقد أمر الله تعالى آدم وحواء وإبليس بالهبوط مرّتين :

الأولى : للإشارة إلى أنهم يهبطون من الجنة إلى دار بلاء وشقاء ، ودار استقرار في الأرض ، للتمتع بخيراتها إلى حين .

والثانية : لبيان حالهم من حيث الطاعة والمعصية ، وأنهم ينقسمون فريقين : فريق يهتدي بهدى الله الذي أنزله وبلّغه للناس على لسان رسُله ، وفريق سار في الضلال وكذّب بالآيات ، فحق جزاؤهم في جهنم خالدين فيها أبدا . وهم المشار إليهم بقوله تعالى : { والذين كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآياتنَآ أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (38)

{ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

كرر الإهباط ، ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى } أي : أيَّ وقت وزمان جاءكم مني -يا معشر الثقلين- هدى ، أي : رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني ، ويدنيكم مني ، ويدنيكم من رضائي ، { فمن تبع هداي } منكم ، بأن آمن برسلي وكتبي ، واهتدى بهم ، وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب ، والامتثال للأمر والاجتناب للنهي ، { فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ }

وفي الآية الأخرى : { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى }

فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء :

نفي الخوف والحزن ، والفرق بينهما أن المكروه إن كان قد مضى ، أحدث الحزن ، وإن كان منتظرا ، أحدث الخوف ، فنفاهما عمن اتبع هداه وإذا انتفيا ، حصل ضدهما ، وهو الأمن التام ، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن اتبع هداه وإذا انتفيا ثبت ضدهما ، وهو الهدى والسعادة ، فمن اتبع هداه ، حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى ، وانتفى عنه كل مكروه ، من الخوف ، والحزن ، والضلال ، والشقاء ، فحصل له المرغوب ، واندفع عنه المرهوب ، وهذا عكس من لم يتبع هداه ، فكفر به ، وكذب بآياته .

ف { أولئك أصحاب النار } أي : الملازمون لها ، ملازمة الصاحب لصاحبه ، والغريم لغريمه ، { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } لا يخرجون منها ، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون .

وفي هذه الآيات وما أشبهها ، انقسام الخلق من الجن والإنس ، إلى أهل السعادة ، وأهل الشقاوة ، وفيها صفات الفريقين والأعمال الموجبة لذلك ، وأن الجن كالإنس في الثواب والعقاب ، كما أنهم مثلهم ، في الأمر والنهي .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (38)

قوله تعالى : ( قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون . و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ذلك تكرار للقرار الرباني العظيم بالهبوط إلى الأرض ، و هو تكرار يقصد به التأكيد الذي لا ينفذ إليه تردد أو انثناء و هو أن ينزل آدم و زوجه إلى هذه المعمورة لتكون لهما عليها الذرية المنتشرة في بقاع الدنيا ، و ليكون الصراع و الجد و العناء .

و قوله : ( جميعا ) منصوب على الحال . و الجملة الفعلية بعد القول في محل نصب مفعول به .

و قوله : ( فإما يأتينكم مني هدى ) أصل ( فإما ) : فإن ما ، أدغمت إن الشرطية بما الزائدة ، و الجملة الفعلية بعدها للشرط . و الهدى ما يهتدي به الإنسان إلى سواء السبيل ، يستوي في ذلك كتاب الله أو الرسل أو الملائكة ، فكل أولئك دعاة إلى الله يكشفون للبشرية عن دروب التوفيق و الخير ، و يحذرونها من عواقب الضلالة و التعثر .

و قوله : ( هدى ) فاعل لفعل الشرط قبله . و جواب الشرط مقترن بالفاء و هو قوله : ( فمن تبع هداي ) . و ذلك شرط آخر يتضمن جملة الشرط ( تبع هداي ) و يتضمن أيضا جوابه ( فلا خوف عليهم ) أي أن جملة الشرط الثاني و جوابه جواب للشرط الأول .

هؤلاء المؤمنون الذين اتبعوا الهدى من ربهم هم الفائزون في الدارين . و أصدق ما ورد فيهم هذه المقالة الوجيزة العذبة و هي جواب الشرط الثاني ( فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون ) و خير ما قيل فيها من تفسير أن هؤلاء المؤمنين لا يخافون يوم القيامة يوم يخاف الناس و يوم ترتجف قلوبهم و أبدانهم ، و ذلك لهول الموقف و جلال الخطب المروع . و كذلك فإنهم لا يحزنون كما يحزن الناس لدى مفارقتهم للدنيا حيث الصحب و الخلان و حيث العشيرة و الأهل و المال و الولد . و تلك أمور تشد إليها الإنسان شدا ليظل بها لصيقا من حيث حسه و عاطفته و هواه . فهو إذا ما أحس بفراق ذلك كله دهمته غمرة من الحزن المؤثر ، لكن الذين هداهم الله لا يحزنون مثل ما يحزن هؤلاء ، ليقينهم أنهم قادمون على خير من ذلك كله . فهم قادمون على رضوان من الله يملأ نفوسهم و أفئدتهم بالسكينة و الرضى و الحبور ، ثم ما يتلو ذلك من عطاء الله الواسع مما لا عين رأت و أذن سمعت و لا طرأت على قلب بشر ، جعلنا الله في زمتهم .