تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (5)

الضوء والضياء : النور . والضوء أقوى من النور ، لأن الضوء من الشمس ذاتها ، والنور في القمر مستمد من الشمس .

قدّره منازل : جعله يتنقل بينها وهي ثمانية وعشرون منزلا .

بعد أن ذكر الله الآيات الدالةَ على وجوده ، ومنها خلقُ السماواتِ والأرض على ذلك النظام المحْكَم ، ذَكَر هنا أنواعاً من آياته الكونية الدالة على ذلك . وهو تفصيلٌ لما تقدّم وبيان له على وجه بديع وأسلوب عجيب .

إن ربكم هو الذي خلق السماواتِ والأرضَ وهذا الكونَ العجيب ، وفيه جعل الشمس تشع ضياء ، والقمر يرسل نورا .

وجعل للقمر منازلَ عددُها ثمانية وعشرون يتنقل فيها ، فيختلف نوره تبعاً لهذه المنازل ، وذلك لتستعينوا به في تقدير مواقيتكم ، وتعلموا عدَد السنين والحساب ، فتحسِبوا الأشهرَ والأيام وتضبطوا فيها مواعيدَكم وعباداتكم ومعاملاتكم .

وما خلق الله ذلك إلا بالحكمة ، وهو هنا يبيّن الدلائل ويبسط الآياتِ الدالةَ على ألوهّيته وكمالِ قدرته لِقومٍ يتدبرون بعقولهم .

وقد قررت هذه الآيةُ الحقيقةَ العلمية التي لم يصل إليها العلم إلا أخيراً ، وهي أن الشمس جرم ملتهب ، ومصدرُ الطاقات ، ومنها الضوء والحرارة ، بينما القمر جِرم مظلم غير ملتهب . أما النور الذي يبدو منه فهو مستَمدٌّ من الشمس . ولذا عبّر الله تعالى عن الشمس بأنها ضِياء ، يعني مصدراً للضوء ، وأن القمر نورٌ منير فقط . كذلك أشارت الآيةُ إلى حقيقة فلكية ، وهي أن القمرَ يدور حول الأرض ، فيحتل مكاناً خاصّا بالنسبة لها في كل يوم . وهو يُتم دورتَهُ في الشهر القمري ، وبه تُعلم السنة القمرية . وعلى ذلك يمكن بطريق الرؤية الحِسْبَةُ لِمنازله ومعرفة السنين وحساب الأشهر .

قراءات :

قرأ ابن كثير برواية قنبل : ضِئاء بالهمزة . والباقون بالياء .

وقرأ ابن كثير وأهلُ البصرة وحفص : «يفصّل الآيات » بالياء والباقون : «نفصل » بالنون .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (5)

{ 5 - 6 } { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ } .

لما قرر ربوبيته وإلهيته ، ذكر الأدلة العقلية الأفقية الدالة على ذلك وعلى كماله ، في أسمائه وصفاته ، من الشمس والقمر ، والسماوات والأرض وجميع ما خلق فيهما من سائر أصناف المخلوقات ، وأخبر أنها آيات { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } و { لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ } .

فإن العلم يهدي إلى معرفة الدلالة فيها ، وكيفية استنباط الدليل{[390]}  على أقرب وجه ، والتقوى تحدث في القلب الرغبة في الخير ، والرهبة من الشر ، الناشئين عن الأدلة والبراهين ، وعن العلم واليقين .

وحاصل ذلك أن مجرد خلق هذه المخلوقات بهذه الصفة ، دال على كمال قدرة الله تعالى ، وعلمه ، وحياته ، وقيوميته ، وما فيها من الأحكام والإتقان والإبداع والحسن ، دال على كمال حكمة الله ، وحسن خلقه وسعة علمه . وما فيها من أنواع المنافع والمصالح -كجعل الشمس ضياء ، والقمر نورا ، يحصل بهما من النفع الضروري وغيره ما يحصل- يدل ذلك على رحمة الله تعالى واعتنائه بعباده وسعة بره وإحسانه ، وما فيها من التخصيصات دال على مشيئة الله وإرادته النافذة .

وذلك دال على أنه وحده المعبود والمحبوب المحمود ، ذو الجلال والإكرام والأوصاف العظام ، الذي لا تنبغي الرغبة والرهبة إلا إليه ، ولا يصرف خالص الدعاء إلا له ، لا لغيره من المخلوقات المربوبات ، المفتقرات إلى الله في جميع شئونها .

وفي هذه الآيات الحث والترغيب على التفكر في مخلوقات الله ، والنظر فيها بعين الاعتبار ، فإن بذلك تنفتح البصيرة ، ويزداد الإيمان والعقل ، وتقوى القريحة ، وفي إهمال ذلك ، تهاون بما أمر الله به ، وإغلاق لزيادة الإيمان ، وجمود للذهن والقريحة .


[390]:- في ب: الدلائل.