تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (11)

الإفك : الافتراء ، والفعل أفَك يأفِك مثل ضرب يضرب ، وأفِك يأفَك : مثل علم يعلم . وأفك الناسَ : كذبهم .

العصبة : الجماعة .

تولى كبره : تحمل معظمه .

نزلت هذه الآية والآيات االتسع التي بعدها في شأن عائشة أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، حين رماها أهلُ الإفك والبهتان من المنافقين ومن انضمّ إليهم من بعض المؤمنين بما قالوه من الكذب والافتراء . وكان القصدُ من ذلك إيذاءَ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في أحبّ نسائه إليه ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات لبراءتها . وهذا باتفاق المفسرين والرواة من جميع الطوائف والمذاهب الإسلامية إلا من شذ .

وقد روى حديثَ الإفك عددٌ من العلماء في مقدمتهم البخاري عن السيدة عائشة وابن الزبير ؛ وأم رومان أم السيدة عائشة ؛ وابن عباس وأبي هريرة وأبي اليسر . كما رواه عدد من التابعين . والحديث طويل من أراده فليرجعْ إلى صحيح البخاري وسيرة ابن هشام وغيرهما .

وخلاصته : أن الرسول الكريم كان إذا أراد سفراً عمل قُرعةً بين زوجاته ، فالتي تخرج قرعتها أخذها معه . وفي سنة ستٍ من الهجرة ( كما حدّدها ابن هشام في السيرة ) خرج الرسول إلى غزوة بني المصطَلِق وأخذ السيدة عائشة معه . فلما انتهى من الغزوة رجع ، تقول السيدة عائشة : « حتى إذا قَفَلْنا ودنونا من المدينة ، نزلنا منزلا . ثم نوديَ بالرحيل في الليل ، فقمتُ لأقضي حاجة ، ومشيتُ حتى جاوزتُ الجيش . فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عِقدي قد انقطع . فرجعتُ ألتمسه . فحبَسَني ابتغاءه . وجاء الذين توكلوا بهَوْدَجي فاحتملوه ووضعوه على بعيري وهم يحسبون أني فيه لخفّتي في ذلك الوقت . ورحَلَ الناس . وبعد أن وجدت عقدي جئت إلى منزل الجيش فلم أجد أحدا ، فجلست في مكاني وأنا أعلم أنهم سوف يفتقدونني ويعودون في طلبي . فبينما أنا جالسة في مكاني غلبتني عيني فنمت . وكان صفوان بن المعطّل السُّلَمي قد تخلف عن الجيش ، فلما رآني عرفني ، فاستيقظت على صوته وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون فخمَرتُ وجهي بجلبابي ، و واللهِ ما تكلّمنا بكلمة ولا سمعت منه غير استرجاعه . ثم أناخ راحلته فقمتُ إليها فركبتها ، وانطلق يقود بي الراحلة حتى أدركنا الجيشَ عند الظهر وهم نزول . وكانوا قد افتقدوني وماج القوم في ذكري . فبينما الناس كذلك إذ وصلتُ عندهم . وبعد وصولهم إلى المدينة ، بدأ الناس يتهامسون : ما بالُ عائشة تأخرتْ عن الجيش ، وجاءت مع صفوان على بعيره ، وصفوان شاب وسيم الطلعة مكتمل القوة ! وقاد هذه الحركة وتولّى كِبرها رأسُ المنافقين عبدُ الله بن أبَيّ وبعض المؤمنين سيأتي ذكرهم وعددٌ من المنافقين . وبلغ النبيَّ الخبرُ ، واضطرب له . وبعد مدة بلغ السيدة عائشةَ الخبر وهاج الناس وماجوا واضطربت المدينة لهذا الخبر ، وبقيتْ كذلك مدة شهر إلى أن نزلت هذه الآيات تبرئ السيدة عائشة وتحسم الموضوع حسماً كاملا .

إن الذين اتهموا عائشةَ أمَّ المؤمنين بالزنا هم جماعة من كبار الكذّابين المفترين ، وهم من المنافقين الموجودين بينكم ، لا تظنوا هذه الحادثة شراً لكم بل هي خير لكم ، لأنها ميزت المنافقين من المؤمنين ، وأظهرت كرامة المبرئين منها ، ولكل امرئ منهم جزاؤه على مقدار اشتراكه في هذه الجريمة .

{ تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } : ورأسُ الكفر والمنافقين عبدُ الله بن أبيّ هو الذي قاد هذه الحركة وتولى معظمها ، له يوم القيامة عذابٌ عظيم . وقد انساق معه بعض المؤمنين منهم حسّان بن ثابت ومِسطَح بن أثاثة وهو من أقارب أبي بكر الصديق ، وحمنة بنتُ جحش أختُ زينب أم المؤمنين . ولما نزلت آية البراءة أمَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بجَلْدِهم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (11)

{ 11 - 26 } { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُم } إلى آخر الآيات

وهو قوله : { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } لما ذكر فيما تقدم ، تعظيم الرمي بالزنا عموما ، صار ذلك كأنه مقدمة لهذه القصة ، التي وقعت على أشرف النساء ، أم المؤمنين رضي الله عنها ، وهذه الآيات ، نزلت في قصة الإفك المشهورة ، الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد .

وحاصلها أن النبي صلى الله عليه وسلم ، في بعض غزواته ، ومعه زوجته عائشة الصديقة بنت الصديق ، فانقطع عقدها فانحبست في طلبه ورحلوا جملها وهودجها ، فلم يفقدوها ، ثم استقل الجيش راحلا ، وجاءت مكانهم ، وعلمت أنهم إذا فقدوها ، رجعوا إليها فاستمروا في مسيرهم ، وكان صفوان بن المعطل السلمي ، من أفاضل الصحابة رضي الله عنه ، قد عرس في أخريات القوم ونام ، فرأى عائشة رضي الله عنها فعرفها ، فأناخ راحلته ، فركبتها من دون أن يكلمها أو تكلمه ، ثم جاء يقود بها بعد ما نزل الجيش في الظهيرة ، فلما رأى بعض المنافقين الذين في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ، في ذلك السفر مجيء صفوان بها في هذه الحال ، أشاع ما أشاع ، ووشى الحديث ، وتلقفته الألسن ، حتى اغتر بذلك بعض المؤمنين ، وصاروا يتناقلون هذا الكلام ، وانحبس الوحي مدة طويلة عن الرسول صلى الله عليه وسلم . وبلغ الخبر عائشة بعد ذلك بمدة ، فحزنت حزنا شديدا ، فأنزل الله تعالى براءتها في هذه الآيات ، ووعظ الله المؤمنين ، وأعظم ذلك ، ووصاهم بالوصايا النافعة . فقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ } أي : الكذب الشنيع ، وهو رمي أم المؤمنين { عُصْبَةٌ مِنْكُمْ } أي : جماعة منتسبون إليكم يا معشر المؤمنين ، منهم المؤمن الصادق [ في إيمانه ولكنه اغتر بترويج المنافقين ]{[559]}  ومنهم المنافق .

{ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } لما تضمن ذلك تبرئة أم المؤمنين ونزاهتها ، والتنويه بذكرها ، حتى تناول عموم المدح سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، ولما تضمن من بيان الآيات المضطر إليها العباد ، التي ما زال العمل بها إلى يوم القيامة ، فكل هذا خير عظيم ، لولا مقالة أهل الإفك لم يحصل ذلك ، وإذا أراد الله أمرا جعل له سببا ، ولذلك جعل الخطاب عاما مع المؤمنين كلهم ، وأخبر أن قدح بعضهم ببعض كقدح في أنفسهم ، ففيه أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، واجتماعهم على مصالحهم ، كالجسد الواحد ، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ، فكما أنه يكره أن يقدح أحد في عرضه ، فليكره من كل أحد ، أن يقدح في أخيه المؤمن ، الذي بمنزلة نفسه ، وما لم يصل العبد إلى هذه الحالة ، فإنه من نقص إيمانه وعدم نصحه .

{ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ } وهذا وعيد للذين جاءوا بالإفك ، وأنهم سيعاقبون على ما قالوا من ذلك ، وقد حد النبي صلى الله عليه وسلم منهم جماعة ، { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ } أي : معظم الإفك ، وهو المنافق الخبيث ، عبد الله بن أبي بن سلول -لعنه الله- { لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ألا وهو الخلود في الدرك الأسفل من النار .


[559]:- زيادة من هامش: ب.