الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (38)

قوله تعالى : " قلنا اهبطوا " كرر الأمر على جهة التغليظ وتأكيده ، كما تقول لرجل : قم قم . وقيل : كرر الأمر لما علق بكل أمر منهما حكما غير حكم الآخر فعلق بالأول العداوة ، وبالثاني إتيان الهدى . وقيل : الهبوط الأول من الجنة إلى السماء ، والثاني من السماء إلى الأرض ، وعلى هذا يكون فيه دليل على أن الجنة في السماء السابعة كما دل عليه حديث الإسراء على ما يأتي{[594]}

" جميعا " نصب على الحال ، وقال وهب بن منبه : لما هبط آدم عليه السلام إلى الأرض قال إبليس للسباع : إن هذا عدو لكم فأهلكوه فاجتمعوا وولوا أمرهم إلى الكلب ، وقالوا : أنت أشجعنا وجعلوه رئيسا ، فلما رأى ذلك آدم عليه السلام تحير في ذلك ، فجاءه جبريل عليه السلام ، وقال له : امسح يدك على رأس الكلب ففعل ، فلما رأت السباع أن الكلب ألف آدم تفرقوا واستأمنه الكلب فأمنه آدم ، فبقي معه ومع أولاده ، وقال الترمذي الحكيم نحو هذا ، وأن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض جاء إبليس إلى السباع فأشلاهم{[595]} على آدم ليؤذوه وكان أشدهم عليه الكلب ، فأميت فؤاده ، فروي في الخبر أن جبريل عليه السلام أمره أن يضع يده على رأسه فوضعها فاطمأن إليه وألفه فصار ممن يحرسه ويحرس ولده ويألفهم وبموت فؤاده يفزع من الآدميين ، فلو رمي بمدر ولى هاربا ثم يعود آلفا لهم ، ففيه شعبة من إبليس وفيه شعبة من مسحة آدم عليه السلام ، فهو بشعبة إبليس ينبح ويهر ويعدو على الآدمي ، وبمسحة آدم مات فؤاده حتى ذل وانقاد وألف به وبولده يحرسهم ، ولهثه{[596]} على كل أحواله من موت فؤاده ؛ ولذلك شبه الله سبحانه وتعالى العلماء السوء بالكلب على ما يأتي بيانه في " الأعراف{[597]} " إن شاء الله تعالى ، ونزلت عليه تلك العصا التي جعلها الله آية لموسى فكان يطرد بها السباع عن نفسه .

قوله تعالى : " فإما يأتينكم مني هدى " اختلف في معنى قوله " هدى " فقيل : كتاب الله ، قاله السدي . وقيل : التوفيق للهداية ، وقالت فرقة : الهدى الرسل ، وهي إلى آدم من الملائكة وإلى بنيه من البشر كما جاء في حديث أبي ذر ، وخرجه الآجري ، وفي قوله " مني " إشارة إلى أن أفعال العباد خلق لله تعالى خلافا للقدرية وغيرهم كما تقدم{[598]} . وقرأ الجحدري " هديّ " وهو لغة هذيل يقولون : هدي وعصي ومحيي وأنشد النحويون لأبي ذؤيب يرثي بنيه :

سبقوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لهواهم *** فَتُخُرِّمُوا ولكلِّ جنب مَصْرَعُ{[599]}

قال النحاس : وعلة هذه اللغة عند الخليل وسيبويه أن سبيل ياء الإضافة أن يكسر ما قبلها ، فلما لم يجز أن تتحرك الألف أبدلت ياء وأدغمت و " ما " في قوله " إما " زائدة على " إن " التي للشرط ، وجواب الشرط الفاء مع الشرط الثاني في قوله " فمن تبع " و " من " في موضع رفع بالابتداء و " تبع " في موضع جزم بالشرط " فلا خوف " جوابه قال سيبويه : الشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول ، وقال الكسائي : " فلا خوف عليهم " جواب الشرطين جميعا .

قوله تعالى : " فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " الخوف هو الذعر ولا يكون إلا في المستقبل ، وخاوفني فلان فخفته ؛ أي : كنت أشد خوفا منه . والتخوف : التنقص ، ومنه قوله تعالى " أو يأخذهم على تخوف{[600]} " [ النحل : 47 ] وقرأ الزهري والحسن وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق ويعقوب " فلا خوف " بفتح الفاء على التبرئة والاختيار عند النحويين الرفع والتنوين على الابتداء ؛ لأن الثاني معرفة لا يكون فيه إلا الرفع لأن " لا " لا تعمل في معرفة فاختاروا في الأول الرفع أيضا ليكون الكلام من وجه واحد ويجوز أن تكون " لا " في قولك فلا خوف بمعنى ليس .

والحُزن والحَزَن ضد السرور ولا يكون إلا على ماض ، وحزن الرجل ( بالكسر ) فهو حزن وحزين وأحزنه غيره وحزنه أيضا مثل أسلكه وسلكه ومحزون بني عليه . قال اليزيدي : حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم وقد قرئ بهما . واحتزن وتحزن بمعنىً ، والمعنى في الآية فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا . وقيل : ليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة إلا أنه يخففه عن المطيعين وإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا . والله أعلم .


[594]:راجع ج 10 ص 205.
[595]:أشلاهم: أغراهم.
[596]:لهث الكلب: إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش.
[597]:راجع ج 7 ص 323.
[598]:راجع المسألة ص 186 من هذا الجزء.
[599]:"هوى": يريد هواي؛ أي: ماتوا قبلي وكنت أحب أن أموت قبلهم. "وأعنقوا لهواهم" جعلهم كأنهم هووا الذهاب إلى المنية لسرعتهم إليها وهم لم يهووها. "فتخرموا" أي أخذوا واحدا واحدا.
[600]:راجع ج 10 ص 109.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (38)

قوله تعالى : ( قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون . و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ذلك تكرار للقرار الرباني العظيم بالهبوط إلى الأرض ، و هو تكرار يقصد به التأكيد الذي لا ينفذ إليه تردد أو انثناء و هو أن ينزل آدم و زوجه إلى هذه المعمورة لتكون لهما عليها الذرية المنتشرة في بقاع الدنيا ، و ليكون الصراع و الجد و العناء .

و قوله : ( جميعا ) منصوب على الحال . و الجملة الفعلية بعد القول في محل نصب مفعول به .

و قوله : ( فإما يأتينكم مني هدى ) أصل ( فإما ) : فإن ما ، أدغمت إن الشرطية بما الزائدة ، و الجملة الفعلية بعدها للشرط . و الهدى ما يهتدي به الإنسان إلى سواء السبيل ، يستوي في ذلك كتاب الله أو الرسل أو الملائكة ، فكل أولئك دعاة إلى الله يكشفون للبشرية عن دروب التوفيق و الخير ، و يحذرونها من عواقب الضلالة و التعثر .

و قوله : ( هدى ) فاعل لفعل الشرط قبله . و جواب الشرط مقترن بالفاء و هو قوله : ( فمن تبع هداي ) . و ذلك شرط آخر يتضمن جملة الشرط ( تبع هداي ) و يتضمن أيضا جوابه ( فلا خوف عليهم ) أي أن جملة الشرط الثاني و جوابه جواب للشرط الأول .

هؤلاء المؤمنون الذين اتبعوا الهدى من ربهم هم الفائزون في الدارين . و أصدق ما ورد فيهم هذه المقالة الوجيزة العذبة و هي جواب الشرط الثاني ( فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون ) و خير ما قيل فيها من تفسير أن هؤلاء المؤمنين لا يخافون يوم القيامة يوم يخاف الناس و يوم ترتجف قلوبهم و أبدانهم ، و ذلك لهول الموقف و جلال الخطب المروع . و كذلك فإنهم لا يحزنون كما يحزن الناس لدى مفارقتهم للدنيا حيث الصحب و الخلان و حيث العشيرة و الأهل و المال و الولد . و تلك أمور تشد إليها الإنسان شدا ليظل بها لصيقا من حيث حسه و عاطفته و هواه . فهو إذا ما أحس بفراق ذلك كله دهمته غمرة من الحزن المؤثر ، لكن الذين هداهم الله لا يحزنون مثل ما يحزن هؤلاء ، ليقينهم أنهم قادمون على خير من ذلك كله . فهم قادمون على رضوان من الله يملأ نفوسهم و أفئدتهم بالسكينة و الرضى و الحبور ، ثم ما يتلو ذلك من عطاء الله الواسع مما لا عين رأت و أذن سمعت و لا طرأت على قلب بشر ، جعلنا الله في زمتهم .