الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ} (111)

فيه مسألتان :

الأولى- قوله تعالى : " قالوا أنومن لك " أي نصدق قولك . " واتبعك الأرذلون " الواو للحال وفيه إضمار قد ، أي وقد اتبعك . " الأرذلون " جمع الأرذل ، المكسر الأراذل والأنثى الرذلى والجمع الرذل . قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه . وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم ، " وأتباعك الأرذلون " . النحاس : وهي قراءة حسنة ، وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد . وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع . قال الشاعر :

له تَبَعٌ قد يعلم الناس أنه *** على من يُدَانِي صيفٌ وربيعُ

ارتفاع " أتباعك " يجوز أن يكون بالابتداء و " الأرذلون " الخبر ، التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون . ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله : " أنؤمن لك " والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم ، وحسن ذلك الفصل بقوله : " لك "

وقد مضى القول في الأراذل في سورة " هود " {[12217]} مستوفى . ونزيده هنا بيانا

الثانية- فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه . واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا . وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون ، وقد قال نوح : " ونجني ومن معي من المؤمنين " والذين معه هم الذين أتبعوه ، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم . قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون . ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام ، فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم ، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين ، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا ؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا ، وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين .


[12217]:راجع ج 9 23 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ} (111)

قوله : { قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ } الاستفهام للإنكار أي أنصدقك في قولك ونتبعك فيما جئتنا به وما تدعونا إليه وما اتبعك إلا الأرذلون . الأرذلون أو الأراذل بالتكسير جمع ومفرده الأرذل ، وهو الدون والخسيس{[3386]} . فكيف نتبعك ولم يؤمن بك إلا الدون من الناس ، أو الأخسّ من قومنا . كذلك كان تصور المشركين السفهاء في الأزمنة الغابرة وما عقبها من أزمان ؛ إذ توزن المقادير والاعتبارات للبشر بالنظر لمكانتهم في تصور المجتمعات الجاهلية الضالة وأعرافها .

وإنما المعيار الثابت والاعتبار المستقيم في تصور الإسلام وفي ميزانه لهو الإيمان والتقوى والعلم الصحيح النافع كقوله سبحانه : { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } .


[3386]:مختار الصحاح ص 240.