الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ} (173)

اختلف في قوله تعالى : " الذين قال لهم الناس " فقال مجاهد ومقاتل وعكرمة والكلبي : هو نعيم بن مسعود الأشجعي . واللفظ عام ومعناه خاص ، كقوله : " أم يحسدون الناس " {[3707]} [ النساء : 54 ] يعني محمدا صلى الله عليه وسلم . السدي : هو أعرابي جعل له جعل على ذلك . وقال ابن إسحاق وجماعة : يريد الناس ركب عبد القيس ، مروا بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليثبطوهم . وقيل : الناس هنا المنافقون . قال السدي : لما تجهز النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه للمسير إلى بدر الصغرى لميعاد أبي سفيان أتاهم المنافقون وقالوا : نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم وعصيتمونا ، وقد قاتلوكم في دياركم وظفروا ، فإن أتيتموهم في ديارهم فلا يرجع منكم أحد . فقالوا : " حسبنا الله ونعم الوكيل " . وقال أبو معشر : دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة ، فسألهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي سفيان فقالوا : " قد جمعوا لكم " جموعا كثيرة " فاخشوهم " أي فخافوهم واحذروهم ، فإنه لا طاقة لكم بهم . فالناس على هذه الأقوال على بابه من الجمع . والله أعلم .

قوله تعالى : " فزادهم إيمانا " أي فزادهم قول الناس إيمانا ، أي تصديقا ويقينا في دينهم ، وإقامة على نصرتهم ، وقوة وجراءة واستعدادا . فزيادة الإيمان على هذا هي في الأعمال . وقد اختلف العلماء في زيادة الإيمان ونقصانه على أقوال . والعقيدة في هذا على أن نفس الإيمان الذي هو تاج واحد ، وتصديق واحد بشيء مّا ، إنما هو معنى فرد ، لا يدخل معه زيادة إذا حصل ، ولا يبقى منه شيء إذا زال ، فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقصان في متعلقاته دون ذاته . فذهب جمع من العلماء إلى أنه يزيد وينقص من حيث الأعمال الصادرة عنه ، لا سيما أن كثيرا من العلماء يوقعون اسم الإيمان على الطاعات ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان بضع وسبعون بابا فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ) أخرجه الترمذي ، وزاد مسلم ( والحياء شعبة من الإيمان ) وفي حديث علي رضي الله عنه : إن الإيمان ليبدو لُمَظَة بيضاء في القلب ، كلما ازداد الإيمان ازدادت اللُّمَظَة . وقوله " لمظة " قال الأصمعّي : اللمظة مثل النكتة ونحوها من البياض ، ومنه قيل : فرس أَلْمَظ ، إذا كان بجحفلته شيء من بياض . والمحدثون يقولون " لمظة " بالفتح . وأما كلام العرب فبالضم ، مثل شبهة ودهمة وخمرة . وفيه حجة على من أنكر أن يكون الإيمان يزيد وينقص . ألا تراه يقول : كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة حتى يبيض القلب كله . وكذلك النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب كلما ازداد النفاق أسود القلب حتى يسود القلب كله . ومنهم من قال : إن الإيمان عرض ، وهو لا يثبت زمانين ، فهو للنبي صلى الله عليه وسلم وللصلحاء متعاقب ، فيزيد باعتبار توالي أمثاله على قلب المؤمن ، وباعتبار دوام حضوره . وينقص بتوالي الغفلات على قلب المؤمن . أشار إلى هذا أبو المعالي . وهذا المعنى موجود في حديث الشفاعة ، حديث أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم . وفيه : ( فيقول المؤمنون يا ربنا إخواننا كانوا يصومون ويصلون ويحجون فقال لهم : أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار ، فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ، ثم يقولون : ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به ، فيقول : ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا ثم يقول ارجعوا ، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ، ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول : ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ) وذكر الحديث{[3708]} . وقد قيل : إن المراد بالإيمان في هذا الحديث أعمال القلوب ، كالنية والإخلاص والخوف والنصيحة وشبه ذلك . وسّماها إيمانا لكونها في محل الإيمان أو عني بالإيمان ، على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره ، أو كان منه بسبب . دليل هذا التأويل قول الشافعي بعد إخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من خير : ( لم نذر فيها خيرا ) مع أنه تعالى يخرج بعد ذلك جموعا كثيرة ممن يقول لا إله إلا الله ، وهم مؤمنون قطعا ، ولو لم يكونوا مؤمنين لما أخرجهم . ثم إن عدم الوجود الأول الذي يركب{[3709]} عليه المثل لم تكن زيادة ولا نقصان . وقدر ذلك في الحركة . فإن الله سبحانه إذا خلق علما فردا وخلق معه مثله أو أمثاله بمعلومات فقد زاد علمه ، فإن أعدم الله الأمثال فقد نقص ، أي زالت الزيادة . وكذلك إذا خلق حركة وخلق معها مثلها أو أمثالها . وذهب قوم من العلماء إلى أن زيادة الإيمان ونقصه إنما هو طريق الأدلة ، فتزيد الأدلة عند واحد فيقال في ذلك : إنها زيادة في الإيمان ، وبهذا المعنى - على أحد الأقوال - فضل الأنبياء على الخلق ، فإنهم علموه من وجوه كثيرة ، أكثر من الوجوه التي علمه الخلق بها . وهذا القول خارج عن مقتضى الآية ؛ إذ لا يتصور أن تكون الزيادة فيها من جهة الأدلة .

وذهب قوم : إلى أن الزيادة في الإيمان إنما هي بنزول الفرائض والأخبار في مدة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي المعرفة بها بعد الجهل غابر الدهر . وهذا إنما هو زيادة إيمان ، فالقول فيه إن الإيمان يزيد قول مجازي ، ولا يتصور فيه النقص على هذا الحد ، وإنما يتصور بالإضافة إلى من علم . فاعلم .

قوله تعالى : " وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " أي كافينا الله . وحسب مأخوذ من الإحساب ، وهو الكفاية . قال الشاعر :

فتملأ بيتنا أَقِطاً{[3710]} وسَمْناً *** وحسبك من غنى شِبَعٌ وَرِيُّ

روى البخاري عن ابن عباس قال في قوله تعالى : " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم - إلى قوله : - وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " قالها إبراهيم الخليل عليه السلام حين ألقي في النار . وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم . والله أعلم .


[3707]:- راجع جـ5 ص 250.
[3708]:- بقيتة "فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا" مسلم جـ1 ص 116.
[3709]:- في ز: يتركب
[3710]:- الأقط: شيء يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ويترك حتى يمصل.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ} (173)

وقوله : ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ) المقصود بالناس نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا ، فقال له أبو سفيان : يا نعيم إني واعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي ، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جراءة فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشر من الإبل . فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم : ما هذا بالرأي . أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريد . أفتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم فوالله لا يفلت منكم أحد . فقال المسلمون : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) هكذا قال المسلمون عقب تثبيط المثبطين بما توعدوهم به من جموع المشركين الكثيرة فلم يعبأوا بهم ، ولم يكترثوا لهم ، بل توكلوا على الله واستعانوا به ، فلم يثنهم ترعيب ولا تخويف ، ولم تزلزهم أراجيف المثبطين والمنافقين . وما زادهم ذلك إلا تصديقا ويقينا في دينهم وحفزهم على البذل والاستعداد والجراءة بما هو أعظم . وذلك هو شأن المؤمنين الصادقين المخلصين الذين تشتد من حولهم الأهوال والخطوب وتزداد في وجوههم المضايقات والمثبطات وتتراكم من أمامهم ومن خلفهم المؤامرات والدسائس والمكائد ، لكنهم وسط هذه الأجواء الحوالك من الإرهاب وألوان الكروب ، لا يزدادون بذلك كله إلا التوكل على الله والمضي على الطريق الحق داعين إلى الله على بصيرة ، يحرضون الناس على التوجه إلى الإسلام . وهم كلما حز بهم بأس وازدادت من حولهم الأراجيف والمثبطات ، وأترعت البلاد بفقاقيع النفاق والمنافقين وانتفخت أوداج الساسة من الطغاة والمستبدين فراحوا يتربصون الدوائر بالدعاة إلى الله لينالوا منهم ألوانا من العذاب والتنكيل- إنهم وسط ذلك كله لا تلين قناة ، بل يلوذون إلى الله ويستعصون بحبله المتين ويتوكلون عليه تمام التوكل مرددين بغير انقطاع .

ومقالة ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) خ هذه المقالة قالها إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حين ألقي في النار . وقالها محمد صلى الله عليه و سلم حين : ( قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ) كذلك روى البخاري عن ابن عباس .

وقوله : ( فزادهم إيمانا ) ضمير الفعل ( فزادهم ) يعود إلى مقالة المثبطين . والتقدير هو : فزادهم ذلك القول إيمانا . وعلى هذا تكون الزيادة في الإيمان هنا هي في الأعمال .

أما هل يزداد الإيمان أو ينقص ؟ فقد قيل : الإيمان الذي هو ذات وجوهر ، أو هو الذي يعني التصديق ، وإنما هو معنى فرد لا يحتمل الزيادة أو النقصان ، بل إن الزيادة في ذات الإيمان تذهبه وكذا النقصان ، فأيما زيادة أو نقصان في معنى الإيمان أو في ذاته إنما تزول معه حقيقة الإيمان نفسه . وهو ما ذهب إليه جمع من العلماء . وقالوا : الزيادة أو النقصان إنما يكون في متعلقات الإيمان دون ذاته . وذلك في الطاعة والأعمال الصادرة عنه . أي أن الإيمان ليس المقصود به التصديق بل الطاعات .

وقيل : الإيمان يزيد وينقص وذلك في مراتبه وفي شعائره . وذلك إذا أريد بالإيمان أعمال القلوب كالنية والإخلاص والتقوى . لا جرم أن هذه مشاعر وإحساسات قلبية تتفاوت مقادريها لدى الناس مثلما تتفاوت أقدار البشر كالنبيين والصديقين والعلماء وسائر المسلمين . فإن المسلمين تتفاوت مراتب الإيمان فيما بينهم تفاوتا عظيما فإنه ربما انحدر مدى الإيمان في قلب المسلم حتى يكون في مثقال حبة الخردل . وربما علا في قلبه حتى يكون في حجم الراسية الشماء .

وثمة أسباب تفضي إلى زيادة الإيمان ، منها : سماع الموعظة البالغة التي تلج في سويداء القلب والمشاعر فتهزها هزا . ومنها : الحجج والبراهين الساطعة التي تحمل الذهن حملا لينا على التثبت والاستيقان . ومنها : طول التأمل في آيات الله الباهرة من كتابه الحكيم المعجز . فلا ريب أن التفكر مليا في آي القرآن ، وفي عباراته وكلماته وما يجلل ذلك ويتخلله من إيقاعات وجرس وحلاوة نغم- يؤثر في الإنسان أشد تأثير ، ويسكب في قلبه من برد الجمال والروعة والعذوبة ما يزيده إيمانا على إيمان . إلى غير ذلك من أسباب تفضي إلى زيادة الشحنات الإيمانية في قلوب الناس ، لكن انعدام ذلك أو بساطته لا جرم يفضي إلى نضوب الإيمان في الصدور أو هوانه حتى ما يبقى منه غير القدر اليسير .

ويستدل على زيادة الإيمان ونقصانه بظاهر الكتاب الحكيم ، ومن جملة ذلك قوله تعالى : ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) {[640]} وكذلك قوله تعالى : ( ويزداد الذين آمنوا إيمانا ) {[641]} وقوله تعالى : ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) {[642]} .

وفي الأثر عن ابن عمر قلنا : يا رسول الله ! إن الإيمان يزيد وينقص ؟ قال : " نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة ، وينقص حتى يدخل صاحبه النار " .

وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول لأصحابه : هلموا نزدد إيمانا . فيذكرون الله تعالى .

وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول في دعائه : اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها{[643]} وهو ما يدل بظاهره على أن الإيمان يزيد وينقص . وهو ما نرجحه والله تعالى أعلم .

قوله : ( وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) حسبنا أي كافينا الله . نقول : حسبك درهم أي كفاك ، وشيء حساب أي كاف . ومنه عطاء حسابا أي كافيا .

ونقول : حسيبك الله ، أي انتقم الله منك . وكفي بالله حسيبا أي محاسبا أو كافيا{[644]} .

وقوله : ( ونعم الوكيل ) ( نِعْمَ ) . فعل ماض جامد لإنشاء المد . ( الوكيل ) فاعل نعم مرفوع . و ( الوكيل ) بمعنى الكفيل . وقيل : الكافي . أو الموكول إليه .

والمؤمنون دائما مطمئنون إلى قدر الله وحكمته وأنه جل وعلا لا يظلم الناس مثقال ذرة . وهم إذ يلوذون إلى الله يتضرعون إليه بالدعاء ويبثون إليه شكواهم وحزنهم كلما ضاقت بهم الحياة الدنيا أو ألمت بهم الإحن والشدائد قائلين : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) حقا إنها خير ما يتفجر من الأفواه والقلوب المكلومة حين اشتداد البأس وتكالب العدوان والباطل . فالله جل جلاله كاف عباده المؤمنين المظلومين وهو كفيل بكشف البلاء والضر عنهم ودفع الطغاة والمتجبرين ليذيقهم نكال الدنيا وهوانها قبل أن تفجأهم صعقة القيامة بأهوالها المذهلة العظام .


[640]:- سورة الأنفال الآية رقم 2.
[641]:- سورة المدثر الآية رقم 31.
[642]:- سورة الفتح الآية رقم 4.
[643]:- الكشاف جـ 1 ص 479-481 وتفسير الرازي جـ 9 ص 102، 103 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 279-281 وشرح العقيدة الطحاوية ص 382-386
[644]:- القاموس المحيط جـ 1 ص 56.