قوله تعالى : " قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله " قيل : بالبعث بعد الموت وبالجزاء ؛ دليله قوله عليه السلام : ( من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان ) أي لقي جزاءه ؛ لأن من غضب عليه لا يرى الله عند مثبتي الرؤية ، ذهب إلى هذا القفال وغيره . قال القشيري : وهذا ليس بشيء ؛ لأن حمل اللقاء في موضع على الجزاء لدليل قائم لا يوجب هذا التأويل في كل موضع ، فليحمل اللقاء على ظاهره في هذه الآية . والكفار كانوا ينكرون الصانع ، ومنكر الرؤية منكر للوجود !
قوله تعالى : " حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة " سميت القيامة بالساعة لسرعة الحساب فيها . ومعنى ( بغتة ) فجأة ، يقال : بغتهم الأمر بغتهم بغتا وبغتة . وهي نصب على الحال ، وهي عند سيبويه مصدر في موضع الحال ، كما تقول : قتلته صبرا ، وأنشد{[6307]} :
فلأْيًا بلأي ما حملنا ولِيدَنَا *** على ظهر محبوكٍ ظماءٍ مفاصلُه
ولا يجيز سيبويه أن يقاس عليه ، لا يقال : جاء فلان سرعة .
قوله تعالى : " قالوا يا حسرتنا " وقع النداء على الحسرة وليست بمنادى في الحقيقة ، ولكنه يدل على كثرة التحسر ، ومثله يا للعجب ويا للرخاء وليسا بمناديين في الحقيقة ، ولكنه يدل على كثرة التعجب والرخاء . قال سيبويه : كأنه قال يا عجب تعال فهذا زمن إتيانك ، وكذلك قولك يا حسرتي أي يا حسرتا{[6308]} تعالي فهذا وقتك ، وكذلك ما لا يصح نداؤه يجرى هذا المجرى ، فهذا أبلغ من قولك تعجبت . ومنه قول الشاعر :
فيا عجبا من رحلها المتحمل{[6309]}
وقيل : هو تنبيه للناس على عظيم ما يحل بهم من الحسرة ، أي يا أيها الناس تنبوا على عظيم ما بي من الحسرة ، فوقع النداء على غير المنادى حقيقة ، كقولك : لا أرينك ههنا . فيقع النهي على غير المنهي في الحقيقة .
قوله تعالى : " على ما فرطنا فيها " أي في الساعة ، أي في التقدمة لها . عن الحسن . و( فرطنا ) معناه ضيعنا وأصله التقدم ، يقال : فرط فلان أي تقدم وسبق إلى الماء ، ومنه ( أنا فرطكم على الحوض ) . ومنه الفارط أي المتقدم للماء ، ومنه - في الدعاء للصبي - اللهم اجعله فرطا لأبويه ، فقولهم : ( فرطنا ) أي قدمنا العجز . وقيل : ( فرطنا ) أي جعلنا غيرنا الفارط السابق لنا إلى طاعة الله وتخلفنا . ( فيها ) أي في الدنيا بترك العمل للساعة . وقال الطبري : ( الهاء ) راجعة إلى الصفقة ، وذلك أنهم لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الإيمان بالكفر ، والآخرة بالدنيا{[6310]} ، " قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها " أي في الصفقة ، وترك ذكرها لدلالة الكلام عليها ؛ لأن الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع . دليله قوله : " فما ربحت تجارتهم " {[6311]} [ البقرة : 16 ] . وقال السدي : على ما ضيعنا أي من عمل الجنة . وفي الخبر عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال : ( يرى أهل النار منازلهم في الجنة فيقولون : ( يا حسرتنا ) .
قوله تعالى : " وهم يحملون أوزارهم " أي ذنوبهم جمع وزر . " على ظهورهم " مجاز وتوسع وتشبيه بمن يحمل ثقلا ؛ يقال منه : وزر يزر ، ووزر يوزر فهو وازر ومزور ؛ وأصله من الوزر وهو الجبل . ومنه الحديث في النساء اللواتي خرجن في جنازة ( ارجعن موزورات غير مأجورات ) قال أبو عبيد : والعامة تقول : ( مأزورات ) كأنه لا وجه له عنده ؛ لأنه من الوزر . قال أبو عبيد : ويقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع احمل وزرك أي ثقلك . ومنه الوزير لأنه يحمل أثقال ما يسند إليه من تدبير الولاية : والمعنى أنهم لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين بها . " ألا ساء ما يزرون " أي ما أسوأ الشيء الذي يحملونه .
قوله تعالى : { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يحسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون } أي باء بالهلاك والخسران أولئك الذين أنكروا البعث بعد الموت وكذبوا بلقاء ربهم حيث الجزاء والحساب { حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة } وسميت القيامة بالساعة لسرعة الحساب فيها على الله تعالى . وبغتة ، منصوب على الحال . وقيل : مصدر في موضع الحال . وقيل غير ذلك{[1150]} . والمراد إذا بغتتهم الساعة مباغتة – كشأنها ، إذ تفجأ الناس فجاءة وهم لاهون غافلون – { قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها } الحسرة : التلهف والندامة . أي يا ندامتنا ولوعتنا على تفريطنا في العمل بطاعة ربنا ونحن في الدنيا . والتفريط معناه التقصير في الشيء مع القدرة على فعله . وقيل : معناه التضييع{[1151]} .
قوله : { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } الواو للحال . أي قالوا : يا حسرتنا في حالة حملهم أوزارهم . والحمل هنا مجاز عما يقاسونه من العذاب . وقيل : هو حقيقة . والأوزار جمع وزر . وهو الأصل بمعنى الثقل . ومنه وزرته أي حملته شيئا ثقيلا . وكذا الوزير ، لأنه يحمل أثقال ما يسند إليه من تصريف شؤون الناس . والمعنى أنهم لزمتهم الآثام والمعاصي بأحمالها الثقال فيبعثون بها محملة على ظهورهم { ألا ساء ما يزرون } أي ما أسوأ وأقبح الشيء الذي يحملونه{[1152]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.