فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ} (31)

{ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون 31 وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون 32 } .

{ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } هم الذين تقدم ذكرهم وحكيت أحوالهم والمراد تكذيبهم بالبعث وقيل تكذيبهم بالجزاء والأول أولى لأنهم الذين قالوا قريبا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ، وهذا الخسران هو فوت الثواب العظيم في دار النعيم المقيم ، وحصول العذاب الأليم في دركات الجحيم .

{ حتى } غاية للتكذيب لا للخسران فإنه لا غاية له { إذا جاءتهم الساعة } القيامة وسميت ساعة لسرعة الحساب فيها أو لأنها تفجأ الناس { بغتة } أي فجأة في ساعة لا يعلمها أحد إلا الله ، يقال بغتهم الأمر يبغتهم بغتا وبغتة ، قال سيبويه : وهي مصدر ولا يجوز أن يقاس عليه فلا يقال جاء فلان سرعة والبغت والبغتة مفاجأة الشيء بسرعة من غير اعتداد له ولا جعل بال منه ، حتى لو استشعر الإنسان به ثم جاء بسرعة لا يقال فيه بغتة .

والألف واللام في السعة للغلبة كالنجم والثريا لأنها غلبت على يوم القيامة وقيل المراد بالساعة وقت مقدمات الموت فالكلام على حذف المضاف أي جاءتهم مقدمات الساعة وهي الموت وما فيه من الأهوال ، وقيل هذا التحسر وإن كان يعتريهم عند الموت لكن لما كان الموت من مبادي الساعة سمي باسمها ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( من مات فقد قامت قيامته ) والأول أظهر .

{ قالوا } أي منكرو البعث وهم قريش . ومن سلك سبيلهم في الكفر والاعتقاد { يا حسرتنا } أوقعوا النداء على الحسرة وليست بمنادى في الحقيقة ليدل ذلك على كثرة تحسرهم ، والمعنى يا حسرتنا احضري فهذا أوانك وكذا قال سيبويه في هذا النداء وأمثاله كقولهم يا للعجب ويا للرجال ، وقيل هو تنبيه للناس على عظم ما يحل بهم من الحسرة كأنهم قالوا يا أيها الناس تنبهوا على ما نزل بنا من الحسرة ، والحسرة الندم الشديد والتلهف والتحسر على الشيء الفائت والمراد تنبيه المخاطبين على وقوع الحسرة بهم .

{ على ما فرطنا فيها } أي على تفريطنا في السعة أي في الاعتداد لها والاحتفال بشأنها والتصديق بها ، ومعنى فرطنا ضيعنا وأصله التقدم يقال فرط فلان أي تقدم وسبق إلى الماء ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( وأنا فرطكم على الحوض ) {[686]} ومنه الفارط أي المتقدم فكأنهم أرادوا بقولهم على ما قدمنا من عجزنا عن التصديق بالساعة والاعتداد لها وقيل التفريط التقصير في الشيء مع القدرة على فعله .

وقال ابن جرير الطبري : إن الضمير في فرطنا فيها يرجع إلى الصفقة وذلك أنهم لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الإيمان بالكفر والدينا بالآخرة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا في صفقتنا وإن لم تذكر في الكلام فهو دال عليها لأن الخسران لا يكون إلا فيها وقيل الضمير راجع إلى الحياة أي على ما فرطنا في حياتنا وقيل إلى الدنيا لأنها موضع التفريط في الأعمال الصالحة .

وأخرج ابن جرير وابن حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله يا حسرتنا قال : ( الحسرة أن يرى أهل النار منازلهم من الجنة فتلك الحسرة ) .

{ وهم يحملون أوزارهم } أي يقولون تلك المقالة والحال أنهم يحملون ذنوبهم وأثقال خطاياهم . والأوزار جمع وزر ، يقال وزر يزر فهو وازر وموزور ، وأصله من الوزر ، قال أبو عبيدة : يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيها المتاع إحمل وزرك أي ثقلك ومنه الوزير لأنه يحمل أثقال ما يسند إليه من تدبير الولاية .

والحاصل أن هذه المادة تدل على الرزانة والعظمة والمعنى أنها لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين بها .

{ على ظهورهم } جعلها محمولة على الظهور تمثيل ومجاز عما يقاسونه من شدة العذاب وقيل المعنى أوزارهم لا تزايلهم ، وقيل خص الظهر لأنه يطيق من الحمل ما لا يطيقه من سائر الأعضاء كالرأس والكاهل { ألا ساء ما يزرون } أي بئس ما يحملون ، وقال قتادة يعملون وقال ابن عباس بئس الحمل حملوا .


[686]:النسائي كتاب الطهارة باب 109.