الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ} (49)

قوله تعالى : " ثم يأتي من بعد ذلك عام " هذا خبر من يوسف عليه السلام عما لم يكن في رؤيا الملك ، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله . قال قتادة : زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها إظهارا لفضله ، وإعلاما لمكانه من العلم وبمعرفته . " فيه يغاث الناس " من الإغاثة أو الغوث ؛ غوث الرجل قال واغوثاه ، والاسم الغَوْث والغُوَاث والغَوَاث ، واستغاثني فلان فأغثته ، والاسم الغِياث ، صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها . والغيث المطر ، وقد غاث الغيث الأرض أي أصابها ، وغاث الله البلاد يغيثها غيثا ، وغيثت الأرض تغاث غيثا ، فهي أرض مغيثة ومغيوثة ، فمعنى " يغاث الناس " يمطرون . " وفيه يعصرون " قال ابن عباس : يعصرون الأعناب والدهن ، ذكره البخاري . وروى حجاج عن ابن جريح قال : يعصرون العنب خمرا والسمسم دهنا ، والزيتون زيتا . وقيل : أراد حلب الألبان لكثرتها ، ويدل ذلك على كثرة النبات . وقيل : " يعصرون " أي ينجون ، وهو من العُصْرة ، وهي المنجاة . قال أبو عبيدة والعصر بالتحريك الملجأ والمنجاة ، وكذلك العُصْرة ، قال أبو زبيد{[9148]} :

صَادِيًا يَستغيثُ غير مُغَاثٍ*** ولقد كان عُصْرَةَ المَنْجُودِ

والمنجود الفَزِع . واعتصرت بفلان وتعصرت أي التجأت إليه . قال أبو الغوث : " يعصرون " يستغلون ، وهو من عصر العنب . واعتصرت ماله أي استخرجته من يده . وقرأ عيسى " تعصرون " بضم التاء وفتح الصاد ، ومعناه : تمطرون ، من قول الله{[9149]} : " وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا{[9150]} " [ النبأ : 14 ] وكذلك معنى " تعصرون " بضم التاء وكسر الصاد ، فيمن قرأه كذلك .


[9148]:قاله في رثاء ابن أخته وكان مات عطشا في طريق مكة.
[9149]:من ع.
[9150]:راجع ج 19 ص 169.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ} (49)

ثم زادهم على ذلك قوله : { ثم يأتي } وعبر بالجار لمثل ما مضى فقال : { من بعد ذلك } أي الجدب{[41647]} العظيم { عام } وهو اثنا{[41648]} عشر شهراً ، ونظيره الحول والسنة ، وهو مأخوذ من العوم - لما لأهله فيه{[41649]} من السبح الطويل - قاله الرماني . والتعبير به دون مرادفاته إشارة إلى أنه يكون فيه - من السعة بعموم الريّ{[41650]} وظهور الخصب وغزير البركة - أمر عظيم ، ولذا{[41651]} اتبعه بقوله : { فيه } .

ولما كان المتشوف{[41652]} إليه الإغاثة ، على أنه من المعلوم أنه لا يقدر عليها إلا الله ، قال بانياً للمفعول : { يغاث الناس } من الغيث وهو المطر ، أو من الغوث وهو الفرج{[41653]} ، ففي الأول يجوز بناءه من ثلاثي ومن رباعي ، {[41654]} يقال غاث الله الأرض وأغاثها : أمطرها{[41655]} ، وفي الثاني هو من رباعي خاصة ، يقال : استغاث به فأغاثه ، من الغوث وهو واوي ، ومعناه النفع الذي يأتي على شدة حاجته{[41656]} بنفي المضرة ، والغيث يائي وهو المطر الذي يأتي في وقت الحاجة { وفيه } أي ذلك العام الحسن .

ولما كان العصر{[41657]} للأدهان وغيرها لا يكون إلا عن فضله ، قال : { يعصرون * } أي يخرجون عصارات الأشياء وخلاصاتها{[41658]} ، وكأنه أخذ من انتهاء القحط ابتداء الخصب الذي دل عليه العصر في رؤيا السائل ، والخضرة والسمن في رؤيا الملك{[41659]} فإنه ضد القحط ، وكل ضدين انتهاء أحدهما ابتداء الآخر لا محالة ، فجاء الرسول فأخبر الملك بذلك ، فأعجبه ووقع في نفسه صدقه


[41647]:من م ومد، وفي الأصل: الجرب، و في ظ: الجذب.
[41648]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: اثني.
[41649]:زيد من م.
[41650]:في ظ: الرأي.
[41651]:في مد: كذا.
[41652]:في الأصول: المتسوف- كذا بالمهملة.
[41653]:من م ومد، وفي الأصل: الفرح، وفي ظ: القذح- كذا.
[41654]:العبارة من هنا إلى " هو من رباعي" ساقطة من مد.
[41655]:في ظ: مطرها.
[41656]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: حاجة.
[41657]:من م ومد، وفي الأصل: المعصر، وفي ظ: الحصر.
[41658]:في ظ: خلاصتها.
[41659]:زيد بعده في الأصل و ظ: بذلك، ولم تكن الزيادة في م ومد فحذفناها.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ} (49)

ثم بشرهم يوسف عليه السلام أنه { ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } أي يأتيهم بعد سني الجدب هذه عام آخر { فيه يغاث الناس } من الغوث وهو العون . أو الغث وهو المطر ؛ أي تنزل الله عليكم السماء مدرارا فيعم الخير والخصب في هذا العام { وفيه يعصرون } أي يعصون الزيتون والأعناب وذلك دلل السعة والخير والبحبوحة{[2254]} .


[2254]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 480 وتفسير القرطبي جـ 9 ص 204، 205 وتفسير النسفي جـ 2 ص 224.