الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ} (49)

قوله تعالى : { يُغَاثُ النَّاسُ } : يجوز أن تكون الألف عن واو ، وأن تكون عن ياء : إمَّا مِن الغَوْث وهو الفَرَج ، وفعلُه رباعيٌّ يُقال : أغاثَنا اللَّه ، مِن الغَوْث ، وإمَّا مِن الغَيْث وهو المطرُ يُقال : " غِيْثَتِ البلاد " ، أي : مُطِرَتْ ، وفعلُه ثلاثي يقال : غاثنا اللَّه مِن الغَيْث . وقالت أعرابية : " غِثْنا ما شِئْنا " ، أي : مُطِرْنا ما أَرَدْنا " .

قوله : { يَعْصِرُونَ } قرأ الأخوان " تَعْصِرون " بالخطاب ، والباقون بياء الغيبة ، وهما واضحتان ، لتقدُّم مخاطبٍ وغائب ، فكلُّ قراءةٍ تَرْجِعُ إلى ما يليق به . و " يَعْصِرون " يحتمل أوجهاً ، أظهرُها : أنه مِنْ عَصَرَ العِنَبَ أو الزيتون أو نحو ذلك . والثاني : أنه مِنْ عَصَر الضَّرْع إذا حَلَبَه . والثالث : أنه من العُصْرة وهي النجاة ، والعَصَر : المَنْجى . وقال أبو زبيد في عثمان رضي اللَّه عنه :

2800 صادِياً يَسْتغيث غيرَ مُغَاثٍ *** ولقد كان عُصْرَة المَنْجودِ

ويَعْضُد هذا الوجهَ مطابقةُ قولِه { فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ } يُقال : عَصَره يَعْصِرُه ، أي : أنجاه .

وقرأ جعفر بن محمد والأعرج : " يُعْصَرون " بالياء من تحت ، وعيسى البصرة بالتاء من فوق ، وهو في كلتا القراءتين مبنيٌّ للمفعول . وفي هاتين القراءتين تأويلان ، أحدهما : أنها مِنْ عَصَره ، إذا أنجاه ، قال الزمخشري : " وهو مطابِقٌ للإِغاثة " . والثاني : قاله قطرب أنها من الإِعصار ، وهو إمطار السحابة الماءَ كقولِه : { وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ }

[ النبأ : 14 ] . قال الزمخشري : " وقرىء " يُعْصَرون " : يُمْطَرون مِنْ أَعْصَرَتِ السَّحابة ، وفيه وجهان : إمَّا أن يُضَمَّن أَعْصَرت معنى مُطِرَتْ فيُعَدَّى تعديتَه ، وإمَّا أن يقال : الأصل : أُعْصِرَتْ عليهم فَحَذَفَ الجارَّ وأوصل الفعلَ [ إلى ضميرهم ، أو يُسْنَدُ الإِعصارُ إليهم مجازاً فجُعِلوا مُعْصَرين " ] .

وقرأ زيد بن علي : " تِعِصِّرون " بكسر التاء والعين والصادِ مشددَّة ، وأصلها تَعْتصرون فأدغم التاء في الصاد ، وأتبع العينَ للصاد ، ثم أتبع التاء للعين ، وتقدَّم تحريره في { أَمَّن لاَّ يَهِدِّي } [ يونس : 35 ] .

ونقل النقاش قراءةَ " يُعَصِّرون " بضم الياء وفتح العين وكسر الصادِ مشددةً مِنْ " عَصَّر " للتكثير . وهذه القراءةُ وقراءةُ زيدٍ المتقدمة تحتملان أن يكونا مِن العَصْر للنبات أو الضرع ، أو النجاة كقول الآخر :2801 لو بغيرِ الماءِ حَلْقي شَرِقٌ *** كنت كالغَصَّانِ بالماءِ اعتصاري

أي : نجاتي .