الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (51)

قوله تعالى : " وقال الملك ائتوني به " أي فذهب الرسول فأخبر الملك ، فقال : ائتوني به . " فلما جاءه الرسول " أي يأمره بالخروج . " قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة " أي حال النسوة . " فاسأله ما بال النسوة " ذكر النساء جملة ليدخل فيهن امرأة العزيز مدخل العموم بالتلويح حتى لا يقع عليها تصريح ، وذلك حسن عشرة وأدب ، وفي الكلام محذوف ، أي فاسأله أن يتعرف ما بال النسوة . " اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم " فأبى أن يخرج إلا أن تصح براءته عند{[9151]} الملك مما قذف به ، وأنه حبس بلا جرم . وروى الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم [ ابن الكريم ]{[9152]} يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - قال - ولو لبث في السجن ما لبث ثم جاءني الرسول أجبت - ثم قرأ - " فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي يقطعن أيديهن " - قال - ورحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد [ إذ قال " لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ]{[9153]} فما بعث الله من بعده نبيا إلا في ذروة من قومه ) . وروى البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي ونحن أحق من إبراهيم إذ قال له " أو لم تؤمن قال بلى ولكني ليطمئن قلبي " [ البقرة : 260 ] وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يرحم الله أخي يوسف لقد كان صابرا حليما ولو لبثت في السجن ما لبثه أجبت الداعي ولم ألتمس العذر ) . وروي نحو هذا الحديث من طريق{[9154]} عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك ، في كتاب التفسير من صحيح البخاري ، وليس لابن القاسم في الديوان غيره . وفي رواية الطبري ( يرحم الله يوسف لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل إلي لخرجت سريعا أن كان لحليما ذا أناة ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين سئل عن البقرات لو كنت مكانه لما أخبرتهم حتى اشترط أن يخرجوني ، ولقد عجبت منه حين آتاه الرسول ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب ){[9155]} . قال ابن عطية : كان هذا الفعل من يوسف عليه السلام أناة وصبرا ، وطلبا لبراءة الساحة ، وذلك أنه - فيما روي - خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة ويسكت عن أمر ذنبه صفحا فيراه الناس بتلك العين أبدا ويقولون : هذا الذي راود امرأة مولاه ، فأراد يوسف عليه السلام أن يبين براءته ، ويحقق منزلته من العفة والخير ، وحينئذ يخرج للإحظاء والمنزلة ، فلهذا قال للرسول : ارجع إلى ربك وقل له ما بال النسوة ، ومقصد يوسف عليه السلام إنما كان : وقل له يستقصي عن ذنبي ، وينظر في أمري هل سجنت بحق أو بظلم ، ونَكَب عن امرأة العزيز حسن عشرة ، ورعاية لذمام الملك العزيز له . فإن قيل : كيف مدح النبي صلى الله عليه وسلم يوسف بالصبر والأناة وترك المبادرة إلى الخروج ، ثم هو يذهب بنفسه عن حالة قد مدح بها غيره ؟ فالوجه في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخذ لنفسه وجها آخر من الرأي ، له جهة أيضا من الجودة ، يقول : لو كنت أنا لبادرت بالخروج ، ثم حاولت بيان عذري بعد ذلك ، وذلك أن هذه القصص والنوازل هي معرضة لأن يقتدي الناس بها إلى يوم القيامة ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل الناس على الأحزم من الأمور ؛ وذلك أن تارك الحزم في مثل هذه النازلة ، التاركَ فرصة الخروج من مثل ذلك السجن ، ربما نتج له البقاء في سجنه ، وانصرفت نفس مخرجه عنه ، وإن كان يوسف عليه السلام أمن من ذلك بعلمه من الله ، فغيره من الناس لا يأمن ذلك ، فالحالة التي ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه إليها حالة حزم ، وما فعله يوسف عليه السلام صبر عظيم وجلد .

قوله تعالى : " فاسأله ما بال النسوة " ذكر النساء جملة ليدخل فيهن امرأة العزيز مدخل العموم بالتلويح حتى لا يقع عليها تصريح ، وذلك حسن عشرة وأدب ، وفي الكلام محذوف ، أي فاسأله أن يتعرف ما بال النسوة . قال ابن عباس : فأرسل الملك إلى النسوة وإلى امرأة العزيز - وكان قد مات العزيز فدعاهن ف " قال ما خطبكن " أي ما شأنكن . " إذ راودتن يوسف عن نفسه " وذلك أن كل واحدة منهن كلمت يوسف في حق نفسها ، على ما تقدم ، أو أراد قول كل واحدة قد ظلمت امرأة العزيز ، فكان ذلك مراودة منهن . " قلن حاش لله " أي معاذ الله . " ما علمنا عليه من سوء " أي زنى . " قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق " لما رأت إقرارهن ببراءة يوسف ، وخافت أن يشهدن عليها إن أنكرت أقرت هي أيضا ، وكان ذلك لطفا من الله بيوسف . و " حصحص الحق " أي تبين وظهر ، وأصله حصص ، فقيل : حصحص ، كما قال : كبكبوا في كببوا ، وكفكف في كفف ، قاله الزجاج وغيره . وأصل الحص استئصال الشيء ، يقال : حص شعره إذا استأصله جزا ، قال أبو القيس بن الأسلت :

قد حصَّت البيضةُ رأسي فما *** *** أطعمُ نوماً غيرَ تَهْجَاعِ{[9156]}

وسنة حصَّاء أي جرداء لا خير فيها ، قال جرير :

يأوي إليكم بِلاَ مَنٍّ ولا جَحَدٍ *** *** مَن ساقه السَّنَةُ الحَصَّاءُ والذيبُ

كأنه أراد أن يقول : والضبع ، وهي السنة المجدبة ، فوضع الذئب موضعه لأجل القافية ، فمعنى " حصحص الحق " أي انقطع عن الباطل ، بظهوره وثباته{[9157]} ، قال :

ألا مبلغٌ عني خِدَاشًا فإنه *** كذوبٌ إذا ما حصحص الحق ظالمُ

وقيل : هو مشتق من الحِصَّة ، فالمعنى : بانت حصة الحق من حصة الباطل . وقال مجاهد وقتادة : وأصله مأخوذ من قولهم ، حص شعره إذا استأصل قطعه ، ومنه الحصة{[9158]} من الأرض إذا قطعت منها . والحصحص بالكسر التراب والحجارة ، ذكره الجوهري . " أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين " وهذا القول منها - وإن لم يكن سأل عنه - إظهار لتوبتها وتحقيق لصدق يوسف وكرامته ؛ لأن إقرار المقر على نفسه أقوى من الشهادة عليه ، فجمع الله تعالى ليوسف لإظهار صدقه الشهادة والإقرار ، حتى لا يخامر نفسا ظن ، ولا يخالطها شك . وشددت النون في " خطبكن " و " راودتن " لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر .


[9151]:من ع. وفي ا و ك و ي: للملك.
[9152]:الزيادة عن صحيح الترمذي.
[9153]:الزيادة عن صحيح الترمذي.
[9154]:كذا في ع و ك و ي.
[9155]:الحديث في تفسير الطبري يختلف في اللفظ عما هنا.
[9156]:البيضة: الخوذة، والتهجاع: النومة الخفيفة.
[9157]:في ع: بيانه.
[9158]:في ع: في.

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (51)

ولما قال يوسف عليه الصلاة والسلام ذلك وأبى أن يخرج من السجن قبل تبين{[41774]} الأمر ، رجع الرسول إلى الملك فأخبره بما قال عليه الصلاة والسلام فكأنه قيل : فما فعل الملك ؟ فقيل : { قال } للنسوة بعد أن جمعهن : { ما خطبكن } أي شأنكن العظيم ؛ وقوله : { إذ راودتن } أي خادعتن بمكر ودوران ومراوغة{[41775]} { يوسف عن نفسه } دليل على أن براءته كانت متحققة{[41776]} عند كل من علم القصة{[41777]} ، فكأن{[41778]} الملك وبعض الناس - وإن علموا مراودتهن وعفته - ما كانوا يعرفون المراودة هل هي{[41779]} لهن كلهن أو لبعضهن ، فكأنه قيل : ما قلن ؟ فقيل : مكرن{[41780]} في جوابهن إذ{[41781]} سألهن عما{[41782]} عملن من السوء{[41783]} معه فأعرضن{[41784]} عنه وأجبن بنفي السوء عنه عليه الصلاة والسلام ، وذلك أنهن { قلن حاش لله } أي عياذاً بالملك الأعظم وتنزيهاً له من هذا الأمر ، فأوهمن بذلك براءتهن منه ؛ ثم فسرن هذا العياذ بأن قلن تعجباً{[41785]} من عفته التي لم يرين مثلها ، ولا وقع في أوهامهن أن تكون لآدمي{[41786]} وإن بلغ ما بلغ : { ما علمنا عليه } أي يوسف عليه الصلاة والسلام ، {[41787]} وأعرقن في النفي فقلن{[41788]} : { من سوء } فخصصنه{[41789]} بالبراءة ، وهذا كما تقدم عند قول الملأ { أضغاث أحلام } هذا وهو جواب للملك الذي تبهر رؤيته وتخشى{[41790]} سطوته ، فكان من طبع البلد{[41791]} عدم الإفصاح في المقال{[41792]} - حتى لا ينفك عن طروق احتمال فيكون للتفصي فيه مجال - وعبادة{[41793]} الملوك إلا من شاء الله منهم .

ولما تم{[41794]} ذلك ، كان كأنه قيل :{[41795]} فما قالت{[41796]} التي هي أصل هذا الأمر ؟ فقيل : { قالت امرأت العزيز } مصرحة بحقيقة الحال : { الآن حصحص الحق } أي حصل على أمكن وجوهه ، وانقطع عن الباطل بظهوره ، من : حص شعره . إذا استأصل قطعه{[41797]} بحيث ظهر ما تحته{[41798]} ، ومنه الحصة : القطعة من الشيء ، ونظيره : كب وكبكب ، وكف وكفكف ، فهذه زيادة تضعيف ، دل عليه{[41799]} الاشتقاق وهو قول الزجاج - قاله الرماني . ووافقه الرازي في اللوامع وقال : وقال الأزهري : هو من حصحص البعير : أثرت ثفناته{[41800]} في الأرض إذا برك حتى تستبين آثارها فيه { أنا راودته } أي خادعته وراودته { عن نفسه } وأكدت ما أفصحت به مدحاً ونفياً لكل{[41801]} سوء بقولها مؤكداً{[41802]} لأجل ما تقدم من إنكارها : { وإنه لمن الصادقين * } أي العريقين{[41803]} في هذا الوصف في نسبة المراودة إليّ وتبرئة نفسه ، فقد شهد النسوة كلهن ببراءته ، وإنه لم يقع منه ما ينسب به شيء من السوء{[41804]} إليه ، فمن نسب إليه بعد ذلك هماً أو غيره فهو تابع لمجرد الهوى في نبي من المخلصين .


[41774]:من م ومد، وفي الأصل: تبيين، وفي ظ: أن يبين.
[41775]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: مراوعه- كذا.
[41776]:في ظ: محققة.
[41777]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: البتة.
[41778]:في م: وكان.
[41779]:زيد من ظ و م ومد.
[41780]:في ظ: تكون.
[41781]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: إذا.
[41782]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: بما.
[41783]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: السود.
[41784]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: فاعرض.
[41785]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: تعجيبا.
[41786]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: الأذى- كذا.
[41787]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41788]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41789]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: فخصصه.
[41790]:في مد: تخشى.
[41791]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: البلاء- كذا.
[41792]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: المقام.
[41793]:في م ومد: عيارة.
[41794]:في ظ: هذا.
[41795]:من م، وفي الأصل: ما قالت، وسقط ما بين الرقمين من ظ ومد.
[41796]:من م، وفي الأصل: ما قالت، وسقط ما بين الرقمين من ظ ومد.
[41797]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41798]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41799]:في ظ: عليها.
[41800]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: ثفتاته، وراجع أيضا التاج.
[41801]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: بكل.
[41802]:في ظ: مؤكد.
[41803]:من م ومد، وفي الأصل: المعرقين، وفي ظ: الغريقين.
[41804]:في ظ: السهو.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (51)

فأرسل الملك إلى النسوة وإلى المرأة العزيز ، وكان العزيز قد مات ، فدعاهن الملك ثم { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } { خطبكن } يعني شأنكن . و { راودتن } من المراودة وهي الطلب في تلطف ومخادعة ؛ أي ما خطبكن وما شأنكن { أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ } يوم الضيافة ؟ ! { قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ } أي معاذ الله ما علمنا على يوسف من ذنب أو فاحشة .

قوله : { قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } { حصحص } أي بان وظهر{[2255]} . فبعد اعتراف النسوة ببراءة يوسف وطهره بادرت امرأة العزيز لتقر مثلهن فقالت : الآن ظهر الحق وانكشف { أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ } وإنه لصادق فما قاله .


[2255]:القاموس المحيط جـ 2 ص 310.