قوله تعالى : " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب " اختلف فيمن قاله ، فقيل : هو من قول امرأة العزيز ، وهو متصل بقولها : " الآن حصحص الحق " أي أقررت بالصدق ليعلم أني لم أخنه بالغيب{[9159]} أي بالكذب عليه ، ولم أذكره بسوء وهو غائب ، بل صدقت وحدت{[9160]} عن الخيانة ، ثم قالت : " وما أبرئ نفسي " بل أنا راودته ، وعلى هذا هي كانت مقرة بالصانع ، ولهذا قالت : " إن ربي غفور رحيم " . وقيل : هو من قول يوسف ، أي قال يوسف : ذلك الأمر الذي فعلته ، من رد الرسول " ليعلم " العزيز " أني لم أخنه بالغيب " قاله الحسن وقتادة وغيرهما . ومعنى " بالغيب " وهو غائب . وإنما قال يوسف ذلك بحضرة الملك ، وقال : " ليعلم " على الغائب توقيرا للملك . وقيل : قاله إذ عاد إليه الرسول وهو في السجن بعد ، قال ابن عباس : جاء الرسول إلى يوسف عليه السلام بالخبر وجبريل معه يحدثه ، فقال يوسف : " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين " أي لم أخن سيدي بالغيب ؛ فقال له جبريل عليه السلام : يا يوسف ! ولا حين حللت الإزار ، وجلست مجلس الرجل من المرأة ؟ ! فقال يوسف : " وما أبرئ نفسي " الآية . وقال السدي : إنما قالت له امرأة العزيز ولا حين حللت سراويلك يا يوسف ؟ ! فقال يوسف : " وما أبرئ نفسي " . وقيل : " ذلك ليعلم " من قول العزيز ؛ أي ذلك ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب ، وأني لم أغفل عن مجازاته على أمانته . " وأن الله لا يهدي كيد الخائنين " معناه : أن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم .
ولما انجلى الأمر ، أمر الملك بإحضاره ، ليستعين به فيما إليه{[41805]} من الملك ، لكن لما كانت براءة الصديق أهم من ذلك - وهي المقصود من رد الرسول - قدم بقية الكلام فيها{[41806]} عليه ، وليكون كلامه في براءته متصلاً بكلام النسوة في ذلك ، والذي دل على أن ذلك كلامه ما فيه من الحكم التي لا يعرفها في ذلك الزمان غيره ، فقال - بناء على ما تقديره : فلما رجع الرسول إلى يوسف عليه الصلاة والسلام فأخبره بشهادتهن ببراءته قال - : { ذلك } أي الخلق العظيم في تثبتي في السجن إلى أن تبين الحق { ليعلم } العزيز{[41807]} علماً مؤكداً { أني لم أخنه } أي في أهله ولا في غيرها { بالغيب } أي والحال أن كلاً منا{[41808]} غائب عن صاحبه { و } ليعلم بإقرارها{[41809]} وهي في الأمن والسعة ، وتثبتي وأنا في محل الضيق والخوف ما من شأنه الخفاء عن كل من لم يؤيده الله بروح منه من { إن الله } أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال { لا يهدي } أي يسدد وينجح بوجه من الوجوه { كيد الخائنين } أي العريقين{[41810]} في الخيانة ، بل لا بد أن يقيم سبباً لظهور الخيانة وإن اجتهد الخائن في التعمية ؛ والخيانة : مخالفة الحق بنقض العهد العام . وضدها الأمانة ، والغدر : نقضه خاصاً ، والمعنى أني لما كنت بريئاً سدد الله أمري ، وجعل عاقبتي إلى خير كبير وبراءة تامة ، ولما كان غيري خائناً ، أنطقه الله بالإقرار{[41811]} بها .
قوله تعالى : { ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ 52 *وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } اختلف المفسرون فيمن قال ذلك . فقد قيل : قالته امرأة العزيز ؛ لأنه متصل بقولها { الآنَ حَصْحَصَ الْحَق } أي أنني أقررت بالصدق فأدنت نفسي بالذنب والمراودة ليعلم يوسف أنني { لم أخنه بالغيب } أي لم أكذب عليه حال غيابه ولم تهمه بالباطل وفعل الفاحشة { وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } لا يسدد مكرهم وخداعهم ولا يوفقهم في صنيعهم .
وقال أكثر المفسرون : إن هذا قول يوسف عليه السلام . وهو أن ما فعلته من رد الرسول الذي أرسله الملك إلي وعدم إجابته أو الخروج معه إلا أن يسأل الملك النسوة عن تقطيع أيديهم –إنما كان ذلك كله ليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجته حال غيابه ، فإن الله لا يسدد عمل الخائنين الذين يخونون الأمانات .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.