قوله تعالى : " قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف " أي قال له ولده : " تالله تفتا تذكر يوسف " قال الكسائي : فتأت وفتئت أفعل ذلك أي ما زلت . وزعم الغراء أن " لا " مضمرة ، أي لا تفتأ ، وأنشد{[9242]} :
فقلت يمينَ الله أبرحَ قاعدا *** ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
أي لا أبرح ، قال النحاس : والذي قال حسن صحيح . وزعم الخليل وسيبويه أن " لا " تضمر في القسم ، لأنه ليس فيه إشكال ، ولو كان واجبا{[9243]} لكان باللام والنون ، وإنما قالوا له لأنهم علموا باليقين أنه يداوم على ذلك ، يقال : ما زال يفعل كذا ، وما فتئ وفتأ فهما لغتان ، ولا يستعملان إلا مع الجحد قال الشاعر{[9244]} :
فما فَتِئَتْ حتى كأن غبارَها{[9245]} *** سرادقُ يوم ذي رياحٍ تُرَفَّعُ
أي ما برحت فتفتأ تبرح . وقال ابن عباس : تزال . " حتى تكون حرضا " أي تالفا . وقال ابن عباس ومجاهد : دنفا من المرض ، وهو ما دون الموت ، قال الشاعر :
سَرَى هَمِّي فأمْرَضَنِي *** وقِدْمًا زادَنِي مَرَضَا
كذا الحبُّ قبل اليو *** م مما يُورِث الحَرَضَا
وقال قتادة : هرما . الضحاك : باليا دائرا . محمد بن إسحاق : فاسدا لا عقل لك . الفراء : الحارض الفاسد الجسم والعقل ، وكذا الحرض . ابن زيد : الحرض الذي قد رد إلى أرذل العمر . الربيع بن أنس : يابس الجلد على العظم . المؤرج : ذائبا من الهم . وقال الأخفش : ذاهبا . ابن الأنباري : هالكا ، وكلها متقاربة . وأصل الحرض الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم ، عن أبي عبيدة وغيره ، وقال العرجي :
إني امرؤٌ لجَّ بي حُبٌّ فأحرضنِي *** حتى بَلِيتُ وحتى شَفَّنِي السَّقَمُ
قال النحاس : يقال حَرَضَ حَرَضًا وحَرُضَ حُرُوضًا وحُرُوضَة إذا بليي وسقم ، ورجل حارض وحَرَض ، إلا أن حرضا لا يثني ولا يجمع ، ومثله قَمِن وحَرِي لا يثنيان ولا يجمعان . الثعلبي : ومن العرب من يقول حارض للمذكر ، والمؤنثة حارضة ، فإذا وصف بهذا اللفظ ثنى وجمع وأنث . ويقال : حَرِض يَحْرِض حَرَاضَةً فهو حريض وحرض . ويقال : رجل محرض ، وينشد :
طلبتْهُ الخيل يوما كاملا *** وَلَو الْفَتْهُ لأضحى مُحْرَضَا
أرى المرءَ ذا الأذوادُ يُصْبِحُ مُحْرَضَا*** كإحراضِ بِكْرٍ في الديار مريضِ{[9246]}
قال النحاس : وحكى أهل اللغة أحرضه الهم إذا أسقمه ، ورجل حارض أي أحمق . وقرأ أنس : " حُرْضا " بضم الحاء وسكون الراء ، أي مثل عود الأشنان . وقرأ الحسن بضم الحاء والراء . قال الجوهري : الحَرَض والحُرُض الأشنان . " أو تكون من الهالكين " أي الميتين ، وهو قول الجميع ، وغرضهم منع يعقوب من البكاء والحزن شفقة عليه ، وإن كانوا السبب في ذلك .
فلما رأوا أنه{[42540]} قد فاتهم ما ظنوا أنه يكون بعد ذهاب يوسف من صلاح الحال مع أبيهم بقصر الإقبال عليهم ، ووقع لأبيهم هذا الفادح{[42541]} العظيم ، تشوف السامع إلى قولهم له ، فاستأنف الإخبار عنه بقوله : { قالوا } أي حنقاً من ذلك { تالله } أي الملك الأعظم ، يميناً فيها تعجب{[42542]} { تفتؤا } أي ما تزال { تذكر يوسف } حريصاً على ذكره قوياً عليه حرص الفتى الشاب{[42543]} الجلد الصبور على مراده { حتى } أي إلى أن { تكون حرضاً } أي حاضر الهلاك{[42544]} مشرفاً عليه متهيئاً له بدنف{[42545]} الجسم وخبل{[42546]} العقل - كما مضى بيانه في الأنفال عند { حرض المؤمنين على القتال{[42547]} } { أو تكون } أي كوناً لازماً هو{[42548]} كالجبلة { من الهالكين * } ولما تشوفت النفس إلى ما كان عنه بعد ما رأى من غلظة بنيه{[42540]} ، شفى عيّها{[42541]} بقوله : { قال إنما } أي نعم لا أزال كذلك{[42542]} لأنه من صفات الكمال للإنسان ، لدلالته على الرقة والوفاء ، وإنما يكون مذموماً إذا كان على وجه الشكاية إلى الخلق وأنا لا أشكو إلى مخلوق ، إنما { أشكو بثي } والبث أشد الحزن ، سمي بذلك لأنه من صعوبته لا يطاق{[42543]} حمله فيباح{[42544]} به وينشر{[42545]} { وحزني } مطلقاً وإن كان سببه خفيفاً يقدر الخلق على إزالته { إلى الله } أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة تعرضاً لنفحات كرمه ، لا إلى أحد غيره ، وهذا - الذي سمعتوه مني فقلقتم{[42546]} له - قليل من كثير .
ولما كان يجوز أن يكونوا صادقين في أنهم لم يجدوا إلا قميص يوسف ملطخاً دماً ، وأن يكون قطعهم بأكل الذئب له مستنداً إلى ذلك ، وكان يعقوب عليه السلام يغلب على ظنه أن يوسف عليه السلام حي ويظن في الله أن يجمع شمله به ، قال : { وأعلم من الله } أي الملك الأعلى من اللطف بنا أهل هذا البيت ومن التفريج{[42547]} عن{[42548]} المكروبين والتفريح للمغمومين { ما لا تعلمون * }
ومادة " فتا " يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة بكل ترتيب وهي فتأ ، وفأت{[10]} وتفأ وأفت ، وفتى وفوت وتوف{[11]} وتفو{[12]} تدور على الشباب ، وتلزمه القوة وشدة العزيمة وسلامة الانقياد : ما فتأ يفعل كذا - مثلثة العين{[13]} : ما زال كما أفتا{[14]} ، أي إنه ما زال فاعلاً في ذلك فعل الشاب{[15]} الجلد الماضي العزم ، وما فتىء أن فعل ، ما برح أي أنه بادر إلى ذلك بسهولة{[16]} انقياد وشدة عزيمة ، وحقيقته : ما فتىء{[17]} عن فعل كذا ، أي ما تجاوزه إلى غيره وما نسيه بل قصر فتاءه{[18]} وهمته وجلده عليه ، وعن ابن مالك{[19]} في جمع{[20]} اللغات المشكلة وعزاه{[21]} للفراء - وصححه في القاموس : فتأ - كمنع : كسر وأطفأ ، وهو واضح في القوة ، وفتىء عنه - كسمع : نسيه وانقذع عنه ، أي انكف أو خاص{[22]} بالجحد ، أي بأن يكون قبله حرف نفي ، ومعناه أن قوته{[23]} تجاوزته فلم تخالطه{[24]} ؛ ومن يائيه : الفتاء - كسماء : الشباب ، وكأنه أصل{[25]} المادة ، والفتي - بالقصر ؛ السخي والكريم ، أي الجواد الشريف النفس ، والفتى : السيد الشجاع - لأن ذلك يلزم الشباب ، والفتى : المملوك وإن كان بخيلاً أو شيخاً{[26]} - لأنه غالباً لا يشتري{[27]} إلا الشباب{[28]} ، والفتى : التلميذ ، {[29]} والتابع كذلك{[30]} ، والفتى - كغنى : الشاب{[31]} أيضاً ، والفتوة : الكرم ، وقد تفتى وتفاتى ، وفتوتهم : غلبتهم فيها{[32]} ، وأفتاه في الأمر : أبانه له ، والفتيا - بالضم والفتوى - ويفتح : ما أفتى به الفقيه ، وهو يرجع إلى الجود وحسن الخلق ، والفتيان : الليل والنهار ، ولذلك يسميان الجديدين ، وفتيت البنت{[33]} تفتية : منعت اللعب مع الصبيان ، فهو من سلب الشباب ، أي فعله ومن مقلوبه مهموزاً : افتأت عليّ الباطل : اختلقه{[34]} ، وبرأيه : استبد ، وكلاهما يدل على جرأة وطيش ، وهو بالشاب{[35]} الذي لم يحنكه الدهر أجدر ، وافتئت - على البناء للمفعول : مات فجأة - كأن ذلك أشد الموت ؛ ومن واوية : فات الشيء فوتاً وفواتاً : ذهب فسبق{[36]} فلم يدرك ، وفاته وافتاته : ذهب عنه فسبقه ، وذلك يدل على قوة السابق ، وبينهما فوت ، أي بون - كأن كلاً منهما سابق للآخر ، وتفاوت{[37]} الشيئان وتفوتا{[38]} : تباعد ما بينهما ، ويلزم ذلك الاختلاف والاضطراب ، ويلزمه العيب { فما ترى في خلق الرحمن من تفاوت{[39]} } : من عيب ، يقول{[40]} الناظر : لو كان كذا كان أحسن ، وموت الفوات : الفجأة ، وهو فوت رمحه ويده ، أي حيث يراه ولا يصل إليه ، والفوت{[41]} : الفرجة بين إصبعين ، وافتأت عليه برأيه : سبقه به ، وفاته به وعليه : غلبه ، ولا يفتات عليه{[42]} أي لا يعمل دون أمره ، أي لا أحد أشد منه فيسبقه ، وافتات الكلام : ابتدعه - كما تقدم في المهموز ، وافتات عليه : حكم - لقوته ، والفويت - كزبير : المنفرد برأيه - للمذكر والمؤنث ، وذلك لعده نفسه شديداً ، وتفوت عليه في ماله : فاته به ؛ ومن مقلوبه مهموزاً : تفىء{[43]} كفرح : احتد{[44]} وغضب - وذلك لشدته ، وتفيئة الشيء : حينه وزمانه{[45]} ، وذلك أحسن أحواله ، ودخل على تفيئته{[46]} أي أثره أي لم يسبقه بكثير ، وذلك أشد له ؛ ومن واويه : التفة{[47]} كقفة{[48]} : عناق الأرض{[49]} وهي تصيد ، وفيها خلاف يبين{[50]} إن شاء الله تعالى في قوله : { جزاء موفوراً{[51]} } من سورة سبحان ؛ ومن مقلوبه واوياً : تاف بصره يتوف : تاه - كأنه لسلب الشدة أو المعنى أنه وقع في توقة ، أي شدة ، وما فيه توفة - بالضم - ولا تافة : عيب أو مزيد أو حاجة وأبطأ وكل ذلك يدل على شدته ، وطلب علي توفة بالفتح ، : عثرة{[52]} وذنباً - من ذلك لأن العثرة{[53]} والذنب لا يصيبان شيئاً إلا عن{[54]} شدتهما وضعفه ؛ ومن مقلوبه مهموزاً : الأفت - بالفتح : النافة التي{[55]} عندها من الصبر والبقاء ما ليس عند غيرها ، والسريع الذي يغلب الإبل على السير ، والكريم من الإبل - ويكسر{[56]} - والداهية والعجب ، وكل ذلك واضح في القوة ، والإفت - بالكسر : الأول - لأنه أصل كل معدود ، وأفته عن{[57]} كذا : صرفه{[58]} .
قوله : { قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ } { تفتأ } ، جواب القسم { تالله } وهو على حرف لا ، أي لا تفتأ . و { تفتأ } فعل ناقص بمعنى لا تزال ، فيرفع الاسم وهو الضمير ، وينصب الخبر وهو الجملة من قوله { نذكر } أي لا تزال ذاكرا{[2281]} .
والمعنى : أنك لا تزال تذكر يوسف { حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا } أي إلى حال القرب من الهلاك . والحرض هو الإشفاء على الموت ، أو الفساد في البدن وفي العقل . أو هو الرجل الفاسد المريض . يقال : حرض الرجل يحرض حرضا بفتح الراء . ويستوي فيه المفرد والمثنى والمذكر والمؤنث{[2282]} .