الأولى : قوله تعالى : " فمن خاف " " من " شرط ، و " خاف " بمعنى خشي . وقيل : علم . والأصل خوف ، قلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها . وأهل الكوفة يميلون " خاف " ليدلوا على الكسرة من فعلت . " من موص " بالتشديد قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي ، وخفف الباقون ، والتخفيف أبين ، لأن أكثر النحويين يقولون " موص " للتكثير . وقد يجوز أن يكون مثل كرم وأكرم . " جنفا " من جنف يجنف إذا جار ، والاسم منه جنف وجانف ، عن النحاس . وقيل : الجنف الميل . قال الأعشى :
تَجَانَفُ عن حجر{[1533]} اليمامة ناقتي *** وما قصدت من أهلها لسَوائكا
وفي الصحاح : " الجنف " الميل . وقد جنف بالكسر يجنف جنفا إذا مال ، ومنه قوله تعالى : " فمن خاف من موص جنفا " . قال الشاعر{[1534]} :
هم المولى وإن جَنفُوا علينا *** وإنا من لقائهمُ لَزُورُ
قال أبو عبيدة : المولى ههنا في موضع الموالي ، أي بني العم ، كقوله تعالى : " ثم يخرجكم طفلا{[1535]} " . وقال لبيد :
إني امرؤٌ مَنَعَتْ أَرُومَةُ عامر *** ضَيْمِي وقد جنفت علي خصومي
قال أبو عبيدة : وكذلك الجانئ ( بالهمز ) وهو المائل أيضا . ويقال : أجنف الرجل ، أي جاء بالجنف . كما يقال : ألام ، أي أتى بما يلام عليه . وأخس ، أي أتى بخسيس . وتجانف لإثم ، أي مال . ورجل أجنف ، أي منحني الظهر . وجنفى ( على فعلى بضم الفاء وفتح العين " : اسم موضع ، عن ابن السكيت . وروي عن علي أنه قرأ " حيفا " بالحاء والياء ، أي ظلما . وقال مجاهد : " فمن خاف " أي من خشي أن يجنف الموصي ويقطع ميراث طائفة ويتعمد الأذية{[1536]} ، أو يأتيها دون تعمد ، وذلك هو الجنف دون إثم ، فإن تعمد فهو الجنف في إثم . فالمعنى من وعظ في ذلك ورد عنه فأصلح بذلك ما بينه وبين ورثته وبين الورثة في ذاتهم فلا إثم عليه . " فلا إثم عليه " أي لا يلحقه إثم المبدل المذكور قبل . وإن كان في فعله تبديل ما ولا بد ، ولكنه تبديل لمصلحة . والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى . " إن الله غفور " عن الموصي إذا عملت فيه الموعظة ورجع عما أراد من الأذية . وقال ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم : معنى الآية من خاف أي علم ورأى وأتى علمه عليه بعد موت الموصي أن الموصي جنف وتعمد أذية بعض ورثته فأصلح ما وقع بين الورثة من الاضطراب والشقاق .
الثانية : خطاب بقوله : " فمن خاف " لجميع المسلمين . قيل لهم : إن خفتم من موص ميلا في الوصية وعدولا عن الحق ووقوعا في إثم ولم يخرجها بالمعروف ، وذلك بأن يوصي بالمال إلى زوج ابنته أو لولد ابنته لينصرف المال إلى ابنته ، أو إلى ابن ابنه والغرض أن ينصرف المال إلى ابنه ، أو أوصى لبعيد وترك القريب ، فبادروا إلى السعي في الإصلاح بينهم ، فإذا وقع الصلح سقط الإثم عن المصلح . والإصلاح فرض على الكفاية ، فإذا قام أحدهم به سقط عن الباقين ، وإن لم يفعلوا أثم الكل .
الثالثة : في هذه الآية دليل على الحكم بالظن ؛ لأنه إذا ظن قصد الفساد وجب السعي في الصلاح ، وإذا تحقق الفساد لم يكن صلحا إنما يكون حكما بالدفع وإبطالا للفساد وحسما له .
قوله تعالى : " فأصلح بينهم " عطف على " خاف " ، والكناية عن الورثة ، ولم يجر لهم ذكر لأنه قد عرف المعنى ، وجواب الشرط " فلا إثم عليه " .
الرابعة : لا خلاف أن الصدقة في حال الحياة والصحة أفضل منها عند الموت ، لقوله عليه السلام وقد سئل : أي الصدقة أفضل ؟ فقال : ( أن تصدق وأنت صحيح شحيح ) الحديث ، أخرجه أهل الصحيح . وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : ( لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة ) . وروى النسائي عن أبي الدرداء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ( مثل الذي ينفق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعد ما يشبع ) .
الخامسة : من لم يضر في وصيته كانت كفارة لما ترك من زكاته . روى الدارقطني عن معاوية ابن قرة عن أبيه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( من حضرته الوفاة فأوصى فكانت وصيته على كتاب اللّه كانت كفارة لما ترك من زكاته ) . فإن ضَرَّ في الوصية وهي :
السادسة : فقد روى الدار قطني أيضا عن ابن عباس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : ( الإضرار في الوصية من الكبائر ) . وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : ( إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة اللّه ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار ) . وترجم النسائي " الصلاة على من جنف{[1537]} في وصيته " أخبرنا علي بن حجر أنبأنا هشيم عن منصور وهو ابن زاذان عن الحسن{[1538]} عن عمران بن حصين رضي اللّه عنه أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكن له مال غيرهم ، فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم فغضب من ذلك وقال : ( لقد هممت ألا أصلي عليه ) [ ثم دعا مملوكيه{[1539]} ] فجزأهم ثلاثة أجزاء ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة . وأخرجه مسلم بمعناه إلا أنه قال في آخره : وقال له قولا شديدا ، بدل قوله : ( لقد هممت ألا أصلي عليه ) .
ولما كان التحذير من{[7316]} التبديل إنما هو في عمل العدل وكان الموصي ربما{[7317]} جار في وصيته{[7318]} لجهل أو غرض تسبب عنه قوله{[7319]} : { فمن خاف } أي علم{[7320]} وتوقع وظن ، أطلقه عليه{[7321]} لأنه من أسبابه{[7322]} ، ولعله عبر بذلك{[7323]} إشارة إلى أنه يقنع فيه بالظن { من موص جنفاً } أي ميلاً في الوصية خطأ { أو إثماً } أي ميلاً فيها عمداً . قال الحرالي : وكان حقيقة معنى الجنف إخفاء حيف في صورة بر - انتهى . { فأصلح بينهم } أي بين{[7324]} الموصي والموصي لهم إن كان ذلك قبل موته بأن أشار عليه بما طابت به الخواطر ، أو بين الموصي لهم والورثة{[7325]} بعد موته إن خيف من وقوع شر فوفق{[7326]} بينهم على أمر يرضونه . وقال الحرالي : وفي إشعاره بذكر الخوف من الموصي ما{[7327]} يشعر أن ذلك{[7328]} في حال حياة الموصي ليس بعد قرار الوصية على جنف{[7329]} بعد الموت ، فإن ذلك لا يعرض له مضمون هذا الخطاب ، وفي إيقاع الإصلاح على لفظة " بين " إشعار بأن{[7330]} الإصلاح {[7331]}نائل البين{[7332]} الذي هو وصل ما بينهم فيكون من معنى ما يقوله النحاة مفعول على السعة حيث لم يكن فأصلح {[7333]}بينه وبينهم{[7334]} - انتهى . { فلا إثم عليه } {[7335]}أي بهذا التبديل . ولما كان المجتهد قد يخطىء فلو أوخذ{[7336]} بخطئه{[7337]} أحجم عن الاجتهاد جزاه الله سبحانه عليه بتعليل رفع{[7338]} الإثم بقوله إعلاماً بتعميم{[7339]} الحكم في كل مجتهد : { إن الله } أي المختص بإحاطة العلم { غفور } أي لمن قصد خيراً فأخطأ { رحيم * } أي يفعل به من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم{[7340]} .
وقوله : ( فمن خاف من موص جنفا أو إثما ) الجنف في اللغة معناه الميل والظلم{[210]} .
والجنف في الوصية يتناول الميل خطأ أو الميل المتعمد . فقد يميل الموصي بدافع من عاطفة أو شفقة نحو قريب أو حبيب ، وذلك كأن يبيعه محاباة وهو ما كان بثمن بخس أو أن يوصي لابن بنته لينصرف المال بعد ذلك إلى بنته ، أو أن يوصي إلى زوج ابنته ليصل المال بعد ذلك إلى ابنته .
وبذلك فإن الجانف في الوصية هو المائل عن العدل وخط الشرع المستقيم سواء كان الميل على سبيل الخطأ أو العمد . فهو غير جائز في الوصية ما دام يؤدي في النهاية إلى الأذية والإضرار بالورثة .
وقوله : ( فأصلح بينهم فلا إثم عليه ) المصلح المقصود هنا هو الوصي أو من يملك الإصلاح كواعظ ينهى عن الحيف ويأمر بالعدل .
وطريق الإصلاح في الآية تحتمل وجهين . أحدهما : أن المصلح سواء كان وصيا أو غيره لا إثم عليه إذا ما قام بالوعظ ورد الحيف بقصد الإصلاح ما بين الورثة أنفسهم أو ما بين الموصي والورثة . وبعدها فإن الله غفور للموصي إذ عدل عن الجنف وما فيه من إضرار بالورثة .
وثانيهما : أن الوصية إذا علم بالحيف في الوصية فله أن يعدل عما أوصى به الميت ( الموصي ) إلى ما هو مقبول شرعا ليأتي ذلك منسجما مع روح الشرع في العدل في الوصية وعدم الجنف فيها ؛ كيلا يتضرر الورثة أن يتأذوا . ومثل هذا التصرف من الوصي جائز وهو من باب الإصلاح لا التبديل المحظور ، وهو بذلك حق وعدل وهو المقصود من قوله تعالى : ( فأصلح بينهم ) فإن ذلك إصلاح وخير فلا إثم على الوصي إن قام به ؛ لذلك جاء قوله : ( فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) أما الميل المتعمد في الوصية بما يضر الورثة فإنه حرام . وقد أخرج الدارقطني عن ابن عباس أن الرسول ( ص ) قال : " الإضرار في الوصية من الكبائر " {[211]} .