الأولى-قوله تعالى : " لن ينال الله لحومها " قال ابن عباس : ( كان أهل الجاهلية يضرجون البيت بدماء البدن ، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك ) فنزلت الآية . والنيل لا يتعلق بالبارئ تعالى ، ولكنه عبر عنه تعبيرا مجازيا عن القبول ، المعنى : لن يصل إليه . وقال ابن عباس : لن يصعد إليه . ابن عيسى : لن يقبل لحومها ولا دماءها ، ولكن يصل إليه التقوى منكم ، أي ما أريد به وجهه ، فذلك الذي يقبله ويرفع إليه ويسمعه ويثيب عليه ، ومنه الحديث ( إنما الأعمال بالنيات ) . والقراءة " لن ينال الله " و " يناله " بالياء فيهما . وعن يعقوب بالتاء فيهما ، نظرا إلى اللحوم .
الثانية- قوله تعالى : " كذلك سخرها لكم " من سبحانه علينا بتذليلها وتمكيننا من تصريفها وهي أعظم منا أبدانا وأقوى منا أعضاء ، ذلك ليعلم العبد أن الأمور ليست على ما تظهر إلى العبد من التدبير ، وإنما هي بحسب ما يريدها{[11529]} العزيز القدير ، فيغلب الصغير الكبير ليعلم الخلق أن الغالب هو الله الواحد القهار فوق عباده .
الثالثة- " لتكبروا الله على ما هداكم " ذكر سبحانه ذكر اسمه عليها من الآية قبلها فقال عز من قائل : " فاذكروا اسم الله عليها " ، وذكر هنا التكبير . وكان ابن عمر رضي الله عنهما يجمع بينهما إذا نحر هديه فيقول : باسم الله والله أكبر ، وهذا من فقهه رضي الله عنه . وفي الصحيح عن أنس قال : ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين{[11530]} أقرنين . قال : ورأيته يذبحها بيده ، ورأيته واضعا قدمه على صفاحهما{[11531]} ، وسمى وكبر .
وقد اختلف العلماء في هذا ، فقال أبو ثور : التسمية متعينة كالتكبير في الصلاة ، وكافة العلماء على استحباب ذلك . فلو قال ذكرا آخر فيه اسم من أسماء الله تعالى وأراد به التسمية جاز . وكذلك لو قال : الله أكبر فقط ، أولا إله إلا الله ، قاله ابن حبيب . فلو لم يرد التسمية لم يجز عن التسمية ولا تؤكل ، قاله الشافعي ومحمد بن الحسن . وكره كافة العلماء من أصحابنا وغيرهم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند التسمية في الذبح أو ذكره ، وقالوا : لا يذكر هنا إلا الله وحده . وأجاز الشافعي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أو ذكره ، وقالوا : لا يذكر هنا إلا الله وحده . وأجاز الشافعي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح .
الرابعة-ذهب الجمهور إلى أن قول المضحي : اللهم تقبل مني ، جائز . وكره ذلك أبو حنيفة ، والحجة عليه ما رواه الصحيح عن عائشة رضي الله عنها ، وفيه : ثم قال ( باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ) ثم ضحى به . واستحب بعضهم أن يقول ذلك بنص الآية " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " {[11532]} [ البقرة : 127 ] . وكره مالك قولهم : اللهم منك وإليك ، وقال : هذه بدعة . وأجاز ذلك ابن حبيب من أصحابنا والحسن ، والحجة لهما ما رواه أبو داود عن جابر بن عبد الله قال : ذبح النبي صلى الله عليه وسلم يوم الذبح كبشين أقرنين موجوءين{[11533]} أملحين ، فلما وجههما قال : ( إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا - وقرأ إلى قوله : وأنا أول المسلمين{[11534]} - اللهم منك ولك{[11535]} عن محمد وأمته باسم الله والله أكبر ) ثم ذبح . فلعل مالكا لم يبلغه هذا الخبر ، أو لم يصح عنده ، أو رأى العمل يخالفه . وعلى هذا يدل قوله : إنه بدعة . والله أعلم .
الخامسة-قوله تعالى : " وبشر المحسنين " روي أنها نزلت في الخلفاء الأربعة ، حسبما تقدم في الآية التي قبلها . فأما ظاهر اللفظ فيقتضي العموم في كل محسن .
ولما حث على التقرب بها مذكوراً اسمه عليها ، وكان من مكارم الأخلاق ، وكان أكثرهم يفعله ، وكانوا ينضحون البيت ونحوه بدماء قرابينهم ، ويشرحون اللحم ، ويضعونه حوله ، زاعمين أن ذلك قربة ، وقد كان بعض ذلك شرعاً قديماً ، نبه سبحانه على نسخ ذلك بأن نبه على أن المقصود منه روحه لا صورته فقال : { لن ينال } أي يصيب ويبلغ ويدرك .
ولما كان السياق للحث على التقريب له سبحانه ، كان تقديم اسمه على الفاعل أنسب للإسراع بنفي ما قد يتوهم من لحاق نفع أو ضر ، فقال معبراً بالاسم العلم الذي حمى عن الشركة بكل اعتبار : { الله } أي رضا الملك الذي له صفات الكمال فلا يلحقه نفع ولا ضر { لحومها } المأكولة { ولا دماؤها } المهراقة { ولكن يناله التقوى } أي عمل القلب وهي الصفة المقصود بها أن تقي صاحبها سخط الله ، وهي التي استولت على قلبه حتى حملته على امتثال الأوامر التي هي نهايات لذلك ، الكائنة { منكم } الحاملة على التقرب التي بها يكون له روح القبول ، المحصلة للمأمول ؛ قال الرازي في اللوامع : وهذا دليل على أن النية الخالصة خير من الأعمال الموظفة - انتهى . فإذا نالته سبحانه النية قبل العمل فتلقى اللقمة " فرباها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل " " ووقع الدم منه بمكان " فالنفي لصورة لا روح لها والإثبات لذات الروح ، فقد تفيد النية من غير عمل كما قال صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ما معناه . " إن بالمدينة رجالاً ما نزلنا منزلاً ولا قطعنا وادياً إلا كانوا فيه حبسهم العذر " ولا يفيد العمل بغير نية ، والنية هي التي تفيد الجزاء سرمداً والله الموفق ؛ ثم كرر التنبيه على عظيم تسخيرها منبهاً على ما أوجب عليهم به فقال : { كذلك } أي التسخير العظيم { سخرها } أي الله الجامع لصفات الكمال { لكم } بعظمته وغناه عنكم { لتكبروا } .
ولما ذكر التكبير ، صوره بالاسم الأعظم فقال : { الله } وضمن التكبير فعل الشكر ، فكان التقدير : شاكرين له { على ما هداكم } أي على هدايتكم له والأمور العظيمة التي هداكم إليها .
ولما كان الدين لا يقوم إلا بالنذارة والبشارة ، وكان السياق لأجل ما تقدم من شعائر الحج ، ومعالم العج والثج - بالبشارة أليق ، ذكرها مشيراً إلى النذارة بواو العطف ليؤذن أن التقدير : فأنذر أيها الداعي المسيئين : { وبشر المحسنين* } أي الذين أوجدوا الإحسان لأفعالهم صورة ومعنى .
قوله تعالى : { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين ( 37 ) } .
شرع الله لعباده ذبح هذه الأنعام لينتفعوا بها منافع كثيرة فيذكروه ويشكروه على هدايته لهم وما خوّلهم إياه من خير ونعمة . والله جل وعلا لا يناله شيء من هذه الأضاحي أو الهدايا ، لا من دمائها ولا من لحومها ؛ فهو سبحانه غني عن كل شيء ، وغني عن العالمين .
وقد كان المشركون في جاهليتهم إذا ذبحوا شيئا من النعم لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم فنضحوا عليها من دمائها فنزل قوله : ( لن ينال الله لحومها ولا دماءها ولكن يناله التقوى منكم ) أي يصله منكم تقوى قلوبكم وهو خشيتكم لله وإخلاصكم وطاعتكم له سبحانه فيجازيكم على ذلك خير الجزاء .
قوله : ( كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم ) أي سخر لكم هذه البدن لتعظموا ربكم وتخلصوا له الطاعة والعبادة مثلما هداكم لدينه وشرعه ( وبشر المحسنين ) أي بشر المؤمنين المذعنين للهب الخضوع والطاعة ، بحسن الجزاء .
على أن الأضحية واجبة على من ملك نصابا . وهو قول الحنفية والمالكية وزاد الإمام أبو حنيفة اشتراط الإقامة من أجل الوجوب . ودليل الوجوب ما أخرجه أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعا : " من وجد سعة فلم يضح فلا يقربنّ مصلانا " وهي مستحبة عند الشافعية والحنبلية وليست واجبة . وذلك للخبر : " ليس في المال حق سوى الزكاة " والراجح القول بعدم الوجوب . ويعزز ذلك أن النبي ( ص ) ضحّى عن أمته فأسقط وجوب ذلك عنهم . وقيل : الأضحية سنة على الكفاية إذا قام بها واحد من أهل دار أو محلة أو بيت سقط وجوبها عن الباقين .
أما سن الأضحية : فقد ذهب جمهور العلماء إلى عدم الإجزاء إلا بالمسنّة . وبذلك إنما يجزي الثني من الإبل والبقر والمعز ، أو الجذع{[3121]} من الضأن . أما الثني من الإبل : فهو الذي له خمس سنوات ودخل في السادسة . أما البقر فما له سنتان ودخل في الثالثة . وأما المعز فما له سنتان . وأما الجذع من الضأن فما له سنة . وقيل : ما له عشرة أشهر . وقيل : ثمانية أشهر . وقيل : ستة أشهر ، وهو أقل ما قيل في سنه{[3122]} .