الخامسة-قوله تعالى : " لكم فيها منافع " يعني البدن من الركوب والدر والنسل والصوف وغير ذلك ، إذا لم يبعثها ربها هديا ، فإذا بعثها فهو الأصل المسمى ، قاله ابن عباس . فإذا صارت بدنا هديا فالمنافع فيها أيضا ركوبها عند الحاجة ، وشرب لبنها بعد ري فصيلها . وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رأى رجلا يسوق بدنة فقال : ( اركبها ) فقال : إنها بدنة . فقال : ( اركبها ) قال : إنها بدنة . قال : ( اركبها ويلك ) في الثانية أو الثالثة ) . وروي عن جابر بن عبد الله وسئل عن ركوب الهدي فقال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا ) . والأجل المسمى على هذا القول نحرها ، قاله عطاء بن أبي رباح .
السادسة-ذهب بعض العلماء إلى وجوب ركوب البدنة لقوله عليه الصلاة والسلام : ( اركبها ) . وممن أخذ بظاهره أحمد وإسحاق وأهل الظاهر . وروى ابن نافع عن مالك : لا بأس بركوب البدنة ركوبا غير فادح . والمشهور أنه لا يركبها إلا إن اضطر إليها لحديث جابر فإنه مقيد والمقيد يقضي على المطلق . وبنحو ذلك قال الشافعي وأبو حنيفة . ثم إذا ركبها عنده الحاجة نزل ، قاله إسماعيل القاضي . وهو الذي يدل عليه مذهب مالك ، وهو خلاف ما ذكره ابن القاسم أنه لا يلزمه النزول ، وحجته إباحة النبي صلى الله عليه وسلم له الركوب فجاز له استصحابه . وقوله : ( إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا ) يدل على صحة ما قاله الإمام الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما ، وما حكاه إسماعيل عن مذهب مالك . وقد جاء صريحا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة وقد جهد ، فقال : ( اركبها ) . وقال أبو حنيفة والشافعي : إن نقصها الركوب المباح فعليه قيمة ذلك ويتصدق به .
السابعة-قوله تعالى : " ثم محلها إلى البيت العتيق " يريد أنها تنتهي إلى البيت ، وهو الطواف . فقول : " محلها " مأخوذ من إحلال المحرم . والمعنى أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعي ينتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق . فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه ، قاله مالك في الموطأ . وقال عطاء : ينتهي إلى مكة . وقال الشافعي : إلى الحرم . وهذا بناء على أن الشعائر هي البدن ، ولا وجه لتخصيص الشعائر مع عمومها وإلغاء خصوصية ذكر البيت . والله أعلم .
فقوله : { لكم فيها } معناه : البدن أو النعم المهداة أو مطلقاً { منافع } بالدر والنسل والظهر ونحوه فكلما كانت سمينة حسنة كانت منافعها أكثر ديناً ودنيا { إلى أجل مسمى } وهو الموت الذي قدرناه على كل نفس ، أو النحر إن كانت مهداة ، أو غير ذلك ، وهذا تعليل للجملة التي قبله ، فإن المنافع حاملة لذوي البصائر على التفكر فيها لا سيما مع تفاوتها ، والتفكر فيها موصل إلى التقوى بمعرفة أنها من الله ، وأنه قادر على ما يريد . وأنه لا شريك له .
ولما كانت هذه المنافع دنيوية ، وكانت منفعة نحرها إذا أهديت دينية ، أشار إلى تعظيم الثاني بأداة التراخي فقال : { ثم محلها } أي وقت حلول نحرها بانتهائكم بها { إلى البيت العتيق* } أي إلى فنائه وهو الحرم كما قال تعالى{ هدياً بالغ الكعبة }[ المائدة : 95 ] .
قوله : ( لكم فيها منافع ) أي في الشعائر على عموم المراد بها ، وعلى الخصوص ، البدن ، فإن فيها للناس منافع كالتجارة والركوب والدر والنسل والأكل وغير ذلك .
قوله : ( إلى اجل مسمى ) وهو أن تسمى هديا بعد أن كنتم تملكونها . أي تنتفعون من ركوبها ودرها ونسلها وصوفها ولحمها ما لم تبعثوها هديا . فإن بعثتموها هديا ذهب ذلك كله ، وذلك الأجل المسمى . وقيل : الأجل المسمى معناه نحرها . فينتفع بها ما لم تنحر ، ونحرها أجلها .
قوله : ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) المراد بالبيت العتيق الحرم كله . وقيل : الكعبة . والضمير في ( محلها ) يعود إلى ( شعائر الله ) . وتأويل الآية يختلف باختلاف تأويل الشعائر . فالقائلون إن المراد بالشعائر هنا البدن ، قالوا : محلها أن تبلغ البيت العتيق وهو الحرم .
والقائلون : المراد بالشعائر مناسك الحج من عرفة ومزدلفة وطواف وسعي ورمي قالوا : محلكم من مناسك حجكم ، على الكعبة ، فتطوفون بها يوم النحر طواف الإفاضة بعد قضاء ما عليكم من واجبات .
وقيل : محل منافع أيام الحج البيت العتيق بانقضاء تلك الأيام{[3112]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.